دعوات لإطلاق سراح الصحفي محمد القيق

يدخل الأسير الصحفي محمد القيق يومه الـ59 في إضرابه عن الطعام بسجون الاحتلال الإسرائيلي، بالرغم من خطورة وضعه الصحي ومعرفته بذلك، إلا أن الحرية في نظر الصحفي الفلسطيني تستحق هذه المخاطرة، فمطالبته المشروعة بأن يتم الإفراج الفوري عنه دون شروط هو الخيار الوحيد للعدول عن إضرابه الذي قد يودي بحياته مع تدهور وضعه الصحي.

أسرة القيق أكدت أن حالته الصحية في تدهورٍ مستمر وخطير بما يهدد بإصابته بنزيف دماغي، وأوضحت أن كل يوم جديد يدخله القيق في إضرابه عن الطعام تزداد مرحلة الخطورة الشديدة على حياته التي قد تؤدي إلى فقدانه الحياة أو إصابته بإعاقة مستمرة في أحد أعضائه، وطالبت الأسرة مرارًا الرئاسة الفلسطينية وحكومة الوفاق الوطني للتحرك من أجل إنقاذ حياته، لكن تلك النداءات لم تلق صدٍ لديها.

الصحفي الفلسطيني الذي لم يتجاوز الثلاثة وثلاثين من عمره أعلن عن بدء معركته في أمعاءٍ خاوية في 24 من نوفمبر من العام 2015، أي بعد ثلاثة أيام من اعتقاله، وذلك تعبيرًا منه عن رفضه الاعتقال الإداري من قبل السلطات الإسرائيلية، وتنديدًا بالمعاملة السيئة التي يلقاها، وتعرضه للتعذيب، وتهديده بتطويل فترة اعتقاله.

خلال الأيام القليلة الماضية دخل القيق عدة أزمات صحية، وتعرض لإغماءات متكررة اضطرت الطاقم الطبي بمستشفى العفولة الصهيوني المحتجز فيها بإنعاش قلبه كي يستعيد وعيه، حيث نقلته إلى قسم العناية المكثفة،  فالأسير بدا عليه علامات ضعفٍ وهزال شديدين، لا يستطيع معهما الوقوف على قدميه.

 كما يعاني من أوجاعٍ بعضلات جسده تشتد في الجهة اليمنى من خاصرته، وكذلك أوجاع في أطرافه وعينيه التي احمرتان كثيرًا،  فيما فقد نحو 25 كيلو جرام من وزنه، ووصل لمرحلة غاية في الخطورة يخشى معها الأطباء من إصابته بنزيف دماغي أو تلف بأحد الوظائف الحيوية بجسده، ورغم هذا فإن سلطات الاحتلال تخشى منه، إذ تكبل إحدى يديه وإحدى قدميه في السرير، كما تحطيه بحراسة مشددة مكونة من نحو ستة سجانين.

كانت"لجنة الأخلاق" والمنعقدة وفقًا لقانون إدارة سجون الاحتلال أقرت بإعطائه سوائل مدعمة في الوريد عن طريق الأنابيب بعد دخوله مرحلة خطرة، بعد أن أخبرته بأنهم سيقومون بعلاجه قسرًا، وقام مجموعة سجانين بثبيت يديه وقدميه بالقوة، وحقنه الأطباء بالمدعمات عبر الوريد لثلاثة أيام، وحاولوا أيضًا الضغط عليه من أجل كسر إضرابه، لكن القيق أصر على توقيف تلك السوائل والمدعمات، بعد تفاجئه أن اللجنة تعطيها له عقب تعرضه لغيبوبة.

التخوف هنا من تكرار موضوع العلاج القسري أو التغذية القسرية، والتي ربما قد تسبب تأثير عكسي على صحة الصحفي الأسير وتعرض حياته للخطر، فيشهد العام 1980 على ذلك، عندما لقى ثلاثة من الأسرى حتفهم بعد تطبيق سلطات الاحتلال التغذية القسرية خلال إضراب سجن نفحة، خاصةً وأنه قد صدر قانون إسرائيلي أواخر يوليو الماضي  يسمح بإطعام الأسرى بطريقة قسرية في حال تعرض حياتهم للخطر.

قانون التغذية القسرية للأسرى الفلسطينيين المضربين عن الطعام الذي أقره الكنيست الإسرائيلي بالقراءتين الثانية والثالثة في يوليو من العام الماضي، اعتبره الكثيرين أنه أداة للتعذيب حيث يمنح السجون الإسرائيلية صلاحية استخدام القوة واقتحام جسد الأسير وربطه بكرسي وتكبيله، وإدخال أنابيب التغذية لأنفه بالقوة، وتلك القوة مع الإجبار على التغذية ربما قد تتسبب في وفاة المضربين عن الطعام، وكان هذا أيضًا رأي نقابة الأطباء الإسرائيلية نفسها، لكن سلطات الاحتلال طبقت القانون حيث أنها لا تأبه لحياة الأسرى ولا لمعاناتهم حتى.

حتى أن الإضراب عن الطعام الذي يعتبر وسيلة الاحتجاج الوحيدة التي تتاح للأسير في سجون الاحتلال من أجل تحقيق مطالب مشروعة متعلقة بتحسين شروط الحياة في السجون، أو للمطالبة بالإفراج عنهم إذا تم اعتقالهم إداريًا دون محاكمة، باتت غير متاحة بعد إقرار هذا القانون، فوسيلة القيق للتعبير عن رفضه للظلم والتضييق الواقعين عليه أصبحت محاربة أيضًا في ظل قانون يجُبرالأسير على التغذية دونًا عنه.

زوجة القيق فيحاء شلش رغم تخوفها وطفليها من تحول صورة زوجها الأسير إلى صورة شهيد، إلا أنها أكدت بأنها لن تكل عن تنظيم الفاعليات اليومية لمحاولة تحريك الرأي العام المحلي والدولي، عل ذلك يساهم في تدخل بعض المنظمات والهيئات لإنقاذ حياته ومساندته في معركته تلك، موضحةً أن كل ثانية تمضي وكل تحرك شعبي يؤثر على مسار الإضراب ويعجل في انتصار الأسير"، وترى من تلك الفاعليات كما يرى زوجها سلاحًا ربما يعيد له حريته، أو على الأقل يسمح له من خلال برؤية أسرته الممنوعة من زيارته.

وزارة الأسرى والمحررين أقامت خيمة تضامنية مع الأسير القيق، تشهد مشاركات واسعة من إعلاميين وحقوقيين ومؤسسات مختصة بالمجالين، وذلك تضامنًا معه وتأكيدًا على حقه في الإفراج الفوري، من جانبهم نفذ زملاء القيق في المهنة إضرابًا ليومٍ واحد تضامنًا مع زميلهم الأسير المضرب عن الطعام، بعد إعلان نقابة الصحفيين الفلسطينيين عن الإضراب شارك به عشرات الصحفيين في 20 يناير الماضي.

 الاتحاد الدولي للصحفيين كان قد أعرب عن قلقه الشديد حول صحة الصحفي محمد القيق، وطالب على لسان أمينه العام "أنتوني بلانجي" بالإفراج الفوري عن القيق، مذكرًا إسرائيل بالتزامها بعدم سجن الصحفيين بسبب عملهم، بينما تطالب نقابة الصحفيين الاتحاد الدولي للصحفيين بأخذ خطواتٍ فعالة كتجميد عضوية اتحاد الصحفيين الإسرائيليين، ردًا على مثل تلك الانتهاكات بحق الصحفيين.

 الصحفي الذي يعيش على الماء فقط منذ قرابة الشهرين، هو مراسل تلفزيوني لقناة مجد الفضائية السعودية في الضفة الغربية، اعتقلته قوات الاحتلال في 21 نوفمبر الماضي عقب دهم منزله في بلدة أبو قش، شمالي رام الله، وتم تحويله للاعتقال الإداري مدة 6 أشهر قابلة للتجديد إلى أجل غير مسمى، وذلك منذ منتصف ديسمبر الماضي، حيث احتجز في السجن الإنفرادي بسجن مجدو، وذلك بعد شهر قضاه في التحقيقات بمركز "الجلمة العسكري" التابع للمخابرات الإسرائيلية، شمال فلسطين المحتلة، فيما حٌرم من زيارة محامية لفترة وكذلك أسرته.

كان مدير الوحدة القانونية في نادي الأسير المحامي جواد بولس قد قدم التماسًا القريبة أمام المحكمة العليا للاحتلال  للمطالبة بالإفراج عنه، حيث حددت 25 فبراير للنظر في الالتماس، أي بعد أكثر من شهرٍ من الآن، وهو ما يعني استهتار المحكمة بحياة الأسير المضرب عن الطعام، جاءت تلك الخطوة بعد رفض المحكمة العسكرية في "عوفر" الاستئناف المقدم باسمه، في تهمٍ غير معلنة، وذلك لأن السلطات الإسرائيلية تعتبر ملفه "سري".

ذلك الاعتقال لم يكن الأول الذي يطال الصحفي محمد القيق، فكان قد اعتقل مرةً لمدة 16 شهرًا خلال العام 2008، ولم يكن ذلك بسبب مهنته كصحفي بل كان لنشاطه الطلابي، لكن يبدو أن النشاطين الطلابي والإعلامي جريمة في نظر سلطات الاحتلال الإسرائيلي.

القيق رغم أنه ليس المضرب الأول ولا الأخير في سجون الاحتلال الإسرائيلي، إلا أن قضيته أعادت تحريك الرأي العام الفلسطيني نحو قضايا الأسرى الذين يتجاوز عددهم 7000 أسير وأسيرة –بحسب إحصاءات-، ويوجد منهم نحو 450 معتقلًا إداريًا دون محاكمات وضعهم كوضع القيق.

 كما أعادت الاهتمام لقضايا الصحفيين الذين تطالهم انتهاكات إسرائيل، خاصةً وأن عمل القيق الصحفي هو المتسبب في اعتقاله الأخير، وأيضًا المعتقلين المضربين عن الطعام، حيث أن هناك أسيران آخران يضربان عن الطعام حاليًا، أطولهما مدةً هو الأسير الأردني عبد الله أبو جابر إذ أنه مضرب منذ 60 يومًا، للمطالبة بنقله إلى الأردن لإتمام محكوميته هناك، أما الأسير حسن شوكة فتجاوز إضرابه الشهر للمطالبة بإنهاء اعتقاله الإداري.