تحاول هذه السلسلة أن تعرض بالتحليل السياسية الخارجية لإيران تجاه القضية الفلسطينية وتداعياتها الإقليمية والدولية منذ العام 1948 وحتى الوقت الحاضر من خلال تبني مقاربة تاريخية. وستعتمد هذه المقاربة على الإطار المفاهيمي للواقعية الحديثة لفهم الدوافع التي ساهمت في بناء هذه السياسية من قبل صانعي القرار الإيرانيين.

في هذا السياق ستحاول هذه السلسلة الإجابة عن التساؤلات الإشكالية المطروحة دوماً حول الدوافع الحقيقية وراء سياسة إيران تجاه القضية الفلسطينية سواء في عهد الشاه أو ما بعد الثورة الخمينية، وإذا ما كانت هذه الدوافع تقوم على المقاربات الأيديولوجية كما صاغها الإمام الخميني، أم على الحسابات السياسية والاعتبارات الجيواستراتيجية كما كانت في عهد الشاه.

منذ البداية يمكن الحديث أن القضية الفلسطينية قد شكلت ومنذ نشأتها فرصة استراتيجية لإيران أكثر من كونها تهديداً. ففي عهد الشاه تم استثمار العلاقة مع إسرائيل من أجل تعزيز العلاقة مع الولايات المتحدة لأهميتها في سياسة الردع الإيرانية في وجه التمدد السوفيتي، بالإضافة لكون الصراع العربي – الإسرائيلي قد منح الشاه هامشاً من المناوة لتعزيز مكانة إيران الإقليمية من خلال اللعب على توازنات القوة بين العرب وإسرائيل، حيث كان واضحاً أن الحسابات السياسية، والتنافس الجيوسياسي كانا الدافع الرئيسي خلف سياسة الشاه تجاه الصراع العربي – الإسرائيلي الأمر الذي أوجد حال من التناسق والتناغم بين السلوك السياسي لإيران وعقيدتها السياسية.

عندما وقعت الثورة الخمينية عام 1979، أخذت الأيديولوجية الدينية مكانة معتبرة في رسم سياسة إيران الخارجية بشكل عام، وتجاه القضية الفلسطينية بشكل خاص؛ حيث اعتبر الثوريون الإيرانيون أن فلسطين قضية إسلامية، وعلى كل فرد مسلم أن يسهم بدوره في تحريرها من الاحتلال الصهيوني. هذا بالإضافة إلى أن الثوريين الإيرانيين اعتبروا انفسهم يشتركون في ذات المصير مع الثوريين الفلسطينين، فليس العقيدة الدينية وحدها هي التي شكلت المنظور الإيراني تجاه القضية الفلسطينية بعد الثورة بل كانت الحماسة الثورية أيضا. مع ذلك، لم تلغ هذه التحولات الأيديولوجية الحسابات السياسية والجيواستراتيجية للزعماء الجدد لإيران، فقد بقي التحرك في ظل نظام دولي قائم على التنافس من أجل تعزيز القوة والمحافظة على البقاء يدفع هؤلاء القادة للاستمرار بأخذ الحسابات السياسية والجيواستراتيجة بالحسبان لا سيما في ظل التحديات الكبيرة التي واجهتها الثورة، الأمر الذي جعل التحول الأيديولوجي مقتصراً إلى حد كبيرة على مستويي التصور والخطاب، أما السلوك السياسي فقد بقي خاضعاً للاعتبارات السياسية والمصلحية إلى حد كبير. ومن هناك كان هذه الالتماس دوماً في توصيف السياسية الخارجية لإيران بعد الثورة.

بعد الثورة، وجدت إيران نفسها في مواجهة الكثير من التحديات الخارجية التي هددت بشكل كبير بقاء نظامها الثوري؛ منها على سبيل المثال: الحرب المدمرة مع العراق، وسياسة الاحتواء والعزل من قبل الولايات المتحدة، والعقوبات الدولية، والتهديد العسكري بضرب المواقع النووية الإيرانية؛ كان الاهتمام الرئيسي لإيران المحافظة على بقاء نظامها الثوري وتعزيز أمنها القومي. لتحقيق ذلك، عملت إيران على عدة مستويات ضمن استراتيجيتها الدفاعية: أولا، كان المستوى التقليدي (Conventional Level) حيث احتوى على الدبلوماسية الناعمة، ولعبة توازن القوى، وتشكيل التحالفات، وتطوير القدرات العسكرية، والامكانيات الاقتصادية. وثانيا، المستوى غير التقليدي (Non-Conventional Level) حيث احتوى على السياسية الطائفية، وتمكين الشيعة، والدعاية (Propaganda).

اندرجت القضية الفلسطينية لما تحمله من بعد رمزي في المتسوى الثاني من سياسة النظام الإيراني، حيث استخدمها كأداة استراتيجية في تحقيق أهدافه القومية. فقد كانت القضية الفلسطينية العمود الفقري للدعاية الإيرانية ضد المحور العربي الداعم لصدام حسين أنثاء الحرب الإيرانية – العراقية، بالإضافة لأهميتها الوظيفية في كسر حالة العزلة التي فرضت على إيران مع انطلاق العملية السلمية بداية التسعينات من خلال دعم ما عرف ب، "محور المقاومة"، وصولا لاتخاذها ورقة للمساومات مع الغرب في أي تسويات في المنطقة.

 هذه بعض الأفكار التمهيدية لهذه السلسلة والتي ستتاول بشيء من التفصيل في المقالات القادمة: "إيران والقضية الفلسطينية" ما قبل الثورة في عهد الشاه، وما بعدها في عهد كل من الإمام الخميني، ورفسنجاني مروراً بخاتمي وأحمدي نجاد، وصولاً إلى الرئيس الحالي حسن روحاني.