وطن عشت فيه غير سعيد عيش الحر يأبى على الدهر عوجه

جزء من قصيدة للشاعر العراقي "معروف الرصافي" بعد المذبحة التي قام بها الاحتلال الإنجليزي بحق أهالي الفلوجة لإخماد ثورة أهلها 1916م.

عانت الفلوجة عبر تاريخها من الصراع والحروب المتواصلة وخصوصًا الثلاثة عشر عامًا الأخيرة منذ الاحتلال الأمريكي للعراق 2003م، ولكن يجب أن ندرك لماذا تعيش الفلوجة كل هذه الصراعات وما أهمية الفلوجة التي يسعي الجميع للسيطرة عليها.

الموقع الجغرافي للفلوجة

تقع الفلوجة غرب بغداد بمسافة 65 كيلومترًا وشرق مدينة الرمادي عاصمة محافظة الأنبار بمسافة 45 كيلومترًا، وسميت بهذا الاسم لأن موقعها تنفلج فيه ضفة "نهر الفرات" وتشكل محوريين مائيين مع نهر دجلة.

الفلوجة مسرحًا للحروب منذ القدم

موقع الفلوجة الاستراتيجي جعلها مطمع لإمبراطوريات مختلفة كمحطة رئيسية للجيوش، فقد شهدت المدينة حروبًا كثيرة بين الأكاديين والكلدانيين والبابليين والفرس والروم لما يقرب من عشرة قرون وكذلك عمليات من الكر والفر بين الفرس والروم لما يقرب من ستة قرون.

أما في عهد الأمويين اتخذت المدينة أهمية خاصة، حيث إنها كانت المحطة الرئيسية للجيوش بين بغداد والكوفة والرابط بين العراق والشام عاصمة الأمويين آنذلك، ومع سقوط الأمويين جعل العباسيون "الأنبار" عاصمة لهم قبل أن يجعل أبو جعفر المنصوري بغداد عاصمة الدولة العباسية إلى أن سقطت العراق في قبضة الدولة العثمانية وكانت الفلوجة إحدى المحطات الرئيسية للجيوش العثمانية حتى تم احتلالها من الجيش البريطاني 1916-1917 وقامت ثورة من أهلها على المحتل الإنجليزي، ولكي يتم إخماد هذه الثورة قام المحتل الإنجليزي بمذبحة لأهالي الفلوجة من أبشع المذابح بشاعة ودموية.

استمرت الفلوجة هكذا يذهب محتل ويأتي آخر حتى وصل حزب البعث العراقي إلى سدة الحكم في العراق ومعه اتخذت الفلوجة دورًا هامًا؛ فكانت من أهم النقاط الحصينة للنظام العراقي والحامية العسكرية الغربية للجيش العراقي، واحتلت بعقوبة نفس المكانة جهة الشرق والتي تبعد أيضًا 65 كيلومترًا من بغداد، ويكفي القول بأن نصف قوات الجيش العراقي كانت من الفلوجة وبعقوبة وتكريت مسقط رأس صدام حسين، هذا لا يعني الولاء الكامل للنظام العراقي فقد قامت عدة محاولات للانقلاب والتمرد على النظام العراقي انتهت بمواجهات أحيانًا وبالاعتقالات والإعدامات أحيانًا أخرى.

وازدادت حدة التوتر بين الفلوجة والنظام العراقي حين طلبت الحكومة العراقية من رجال الدين أن يرفعوا الدعاء لصدام داخل مساجد المدينة المقدر عددها بـ 250 مسجدًا، وحينما رفضوا تم الزج بالكثير منهم في السجون وتم قطع دعم الدولة عن المدارس الدينية.

الفلوجة والاحتلال الأمريكي

كانت الفلوجة أول المدن العراقية مقاومة للاحتلال الأمريكي للعراق ودارت مواجهات عنيفة بين المسلحين والقوات الأمريكية على مرحلتين أساسيتين وفاصلتين:

  • معركة الفلوجة الأولى (أبريل 2004)

حاولت فيها القوات الأمريكية دخول المدينة بعد قتل أربعة أشخاص من شركة "بلاك ووتر" الأمريكية في الفلوجة وتعليق جثثهم على جسر في أطراف المدينة، وقد أبلى المقاتلون بلاءً حسنًا وأجبروا القوات الأمريكية على الانسحاب بعد أن تكبدوا خسائر فادحة، وقبل أن تنسحب القوات الأمريكية من المدينة قصفوا المدينة قصفًا عشوائيًا أدى ذلك إلى سقوط الآلاف من المدنيين.

  • معركة الفلوجة الثانية (نوفمبر 2004)

بعد الهزيمة التي لحقت بالقوات الأمريكية، قامت القوات الأمريكية بغزو المدينة مرة أخرى ولكن بعتاد يعادل سبعة أضعاف المعركة الأولى، حيث بلغ عدد القوات الأمريكية حوالي 15000 جندي في مقابل 1000 مقاتل من الفلوجة، وبالرغم من ذلك فقد فشلت القوات الأمريكية في دخول المدينة؛ ما دعا القوات الأمريكية لاستدعاء قاذفاتها من الخليج وقامت بشن غارات علي المدينة مستخدمة كل الأسلحة منها ما هو محرم دوليًا، بعدها استطاعت القوات الأمريكية دخول المدينة، ووفقًا للتقارير والإحصائيات فإن 90% ممن قتلوا في هذه المعرك قتلوا بالفوسفور والكيماوي المحرمين دوليًا بالإضافة إلى تشوه الأجنة في المدينة.

سيطرة تنظيم الدولة على الفلوجة والوضع الراهن

بعد انسحاب القوات الأمريكية من العراق ظهرت العديد من الميليشيات المسلحة في العراق وانتشر توسعها خصوصًا بعد الثورة السورية يأتي على رأسها تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام، وتعد الفلوجة أول المدن العراقية التي سيطر عليها التنظيم بعد مجازر نفذها التنظيم بحق عشائر المدينة وخصوصًا عشيرة "البو نمر"؛ ما دفع العشائر لحشد قواتها لمواجهة التنظيم منها عشائر (البونمر والجريصاتو المحامدة والحلابسة) ولكن بعد أن أوشكت ذخائر العشائر على النفاذ طلبت العشائر العون من القوات الحكومية المدعومة من كتائب الحشد الشعبي التي فرضت حصارًا خانقًا مستمرًا منذ ما يقرب من العامين؛ أدى هذا الحصار إلى افتقار المدينة لكافة مقومات الحياة الأساسية ونقص حاد في المواد الغذائية والأدوية، أدى ذلك إلى تفشي الأمراض والجوع.

وبحسب الإحصائيات الرسمية فإن عدد القتلى منذ بدء الحصار قدر بحوالي 3500 قتيل بالإضافة لآلاف الجرحى الذين مازالوا لم يجدوا أي رعاية طبية تذكر نظرًا لتدمير المستشفى الرئيسي في المدينة بعد أن تم قصفها، من ناحية أخرى يقدر عدد المواطنين المحاصرين داخل المدينة بـ 100000 مواطن أغلبهم من النساء والأطفال الذين لم يخرجوا من المدينة خوفًا من القتل أو الخطف، بالإضافة إلى الحصار الخانق التي تفرضه القوات الحكومية والذي يمنع الخروج من المدينة - أعلنت القوات الحكومية مؤخرًا عن فتح ممرات آمنة لخروج الأهالي - بالإضافة إلى أن دخول بغداد وفقًا للقوانين يلزم وجود كفيل.

كل هذ يقول بأن الفلوجة تعيش فترة عصيبة تعرض فيها مواطنوها للإبادة سواء بالقصف العشوائي من قِبل القوات الحكومية المدعومة بقوات الحشد الشعبي ومن طائرات التحالف الدولي أو بسبب الجوع والمرض أو بسبب الاقتتال الداخلي بين تنظيم الدولة وبين مسلحي العشائر دون تحرك واضح سواء من المجتمع الدولي أو منظمات حقوق الإنسان أو من دول الجوار؛ الأمر الذي سوف يؤدي إلى كارثة إنسانية نحن مشاركون فيها بصمتنا وبغض طرف المجتمع الدولي عن الفلوجة كما غض الطرف سابقًا عن مضايا وحمص وحماة وداريا ومخيم اليرموك وعن جرائم الاحتلال الأمريكي السابقة بحق أبناء هذه المدينة الباسلة.