عندما نصوم شهر رمضان الكريم، فنحن، إنما نحتفل بذكرى اللحظة القدسية التي نزل فيها النبأ العظيم، وذلك النور الإلهي، الذي ولدت منه الأمة الخاتمة، ومن بين دفتيه خرجت المقومات للرسالة العالمية في العقيدة والشريعة والقيم، والأمة المتوحدة، مع الاختلاف في الشعوب والأقوام، والمتحدة في البناء والعمران، والمتراصة كالبنيان، بفضل إتباعها لهدي هذا القرآن، الذي أنزل في ليلة مباركة من ليالي شهر رمضان.

 وللصوم معان كثيرة ومقاصد متعددة، تفضي جميعها إلى تحقق التقوى. ففي هذا الشهر الكريم المبارك، يدعونا ربنا لنتحقق بالتقوى، التي تجلب القوة والاتحاد للأمة، والعافية لجسدها الاجتماعي، والصحة لبنيانها السياسي، والنماء لمقوماتها الاقتصادية، والنفرة الحضارية لبنائها الديني الثقافي التوعوي.

هل الأمم إذا أخطأت بحق أمم أخرى تجب عليها التوبة؟ وكيف تكون توبة الأمم والشعوب والحكومات؟

ومن أهم معاني الصوم ومقاصده التي يجب أن نستحضرها في أيامنا هذه، أن نصوم عن كل ما يحدث الفتنة والفساد بين الناس، وأن نصوم عن الظلم بكل أنواعه، وأن نتطهّر ونغتسل من كل ذنوبنا، وعيوبنا، وأحقادنا، وعداواتنا. وأن نراجع أنفسنا، وعقولنا، وقلوبنا، وجوارحنا، لنخلصها من كل ما علق بها من أدران المعاصي، التي تؤذي الأفراد وتهدم الأمة، وتمنع توحدها.

المتأمل في حال أمتنا العربية الإسلامية اليوم، يجد أنه واقع مر، ووهن شامل، يمثل خلاصة التخلف الحضاري، والوصول إلى نقطة، تهدد أصل وجودها ملامسة تهديد بالإتيان عليه: حالة شك متبادلة، تبدأ من البيت ولا تنتهي عند قصر الحكم. احتلال مباشر وغير مباشر. تبعة اقتصادية وعلمية. تدهور تعليمي وثقافي. وتفكك شبكات نسيجنا الاجتماعي. وجمود وتطرف وانحراف ديني وسقوط أخلاقي، في خلطة قلما اجتمعت في أمة إلا ذهبت بها في الغابرين.

ولهذا كله أسباب تطول-يخرج سردها عن مساحة هذا المقال- لكننا نتناول هنا مفهوما تسبب غيابه في حدوث واستفحال هذا الحال، وهو في ذات الوقت، يعد مدخلا أساسيا للخروج من تلك الحالة التي لا يرضى بها مؤمن صحيح الإيمان، ألا وهو مفهوم التوبة الجماعية.

من أهم معاني الصوم ومقاصده التي يجب أن نستحضرها في أيامنا هذه، أن نصوم عن كل ما يحدث الفتنة والفساد بين الناس، وأن نصوم عن الظلم بكل أنواعه

وليس أفضل من شهر رمضان الكريم، لنعيد الحديث في توبة أمتنا الجماعية المطلوبة، لعلنا نبدأ بداية جديدة، نتجاوز بها أخطائنا الكثيرة والكبيرة في حق أمتنا، وفي حق أنفسنا.

فمجتمعنا المصري، يحتاج بشدة أن يستعيد فاعليته، في ظل الظروف الصعبة، من التقلبات والتعثرات والمحن، التي يمر بها من بعد ثورة 25 يناير 2011م وحتى الآن. ولن يكون ذلك، دون أن نستعيد أجواء التوبة الجماعية، باعتبارها مفهوماً يحوي من الآفاق والمعاني، ما قد يسهم بقسط وافر في تقليل حدة الصراع السياسي الاجتماعي الثقافي الحادث فيه ، وربما ينقل الوضع من حالة الصراع الصفري الدائر الآن بين قوى الأمة والدولة، إلى حوار فكري، وتوافق مجتمعي، ينقلنا إلى وضعية الوئام والوفاق المطلوب لإحداث أي تغيير حقيقي.

ماذا حدث؟

إن تغيرات الأحوال الاجتماعية والاقتصادية، وتراجع الفهم الصحيح للدين، وجو الصراع السياسي، والتناحر الذي ساد مشهدنا السياسي خلال السنوات الخمس الماضية، وتصدر فئات لا علاقة لها بالتقوى أو التوبة للحديث عن الإسلام، أو فئات تفتقد للشروط الأولية لقيادة دفة الأمور السياسية، مع تربع المتوحشين من سدنة المال المتحالف مع البيروقراطية الفاسدة في الداخل، والدول الاستعمارية المسعورة في الخارج، واستمرار رؤوس الجهل على قمة المسئولية الاجتماعية في حضر مصر وريفها، ومؤسساتها ومنظماتها الحكومية وغير الحكومية، كل هذا، أدى إلى تراجع مفهوم التوبة الجماعية وتهميشه، بل وهجرانه تماما لصالح مفاهيم الصراع الصفري، والانتقام، والحرب المفتوحة بين جميع أبناء المجتمع، على أتفه الأسباب، وأقل الاحتكاكات، ولم يترك للوفاق بيننا مجالا. فلم يعد للتوبة مكان، سوى في ضمير البعض ممن يحاولون نجاة فردية أمام الله، يصعب تحققها في ظل غياب توبة جماعية، لم يعد يستحضرها أحد في بر مصر.

مفهوم التوبة الجماعية:

مفهوم التوبة الجماعية، من أغنى المفاهيم في القرآن والسنة النبوية. فالمجتمع المسلم، مجتمع أواب مجاهد، شعاره التوبة الدائمة. وقد جاء ذِكر التوبة النصوح في القرآن الكريم كثيرا، مرتبطة بالجماعة لا بالفرد، ومنها قول الله عز وجل:

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَن يُكَفِّرَ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}.

فالتوبة الجماعية في القرآن، تتضمن التوبة الفردية وهي مندرجة فيها، وليس العكس صحيحا. والتوبة الجماعية هي مطلوب القرآن، لأنها تحمل لمسئولية فكرة الإقرار بالمسئولية من الجماعة.

التوبة وتوزيع اللوم على الجميع

والتوبة الجماعية، توزع المسئولية واللوم على الجميع من أبناء الأمة، وتشركهم في تحمل تبعات الأخطاء والخطايا التي تهلك الأمة وتضعف كيانها، وتسهل التقاؤهم لتدارس أخطائهم وتصفية خلافاتهم.

وهي كذلك، تخفف من حدة تبادل الاتهامات عن الفشل والتنازع بين قوى الأمة، وتيسر أرضية للتقابل والحوار بين الجميع على أرضية"وتوبوا إلى الله جميعا أيها المؤمنون لعلكم تفلحون"، فتمهد أرضية المجتمع لتصالح حقيقي بين أبناء المجتمع، يكون أساسا لبناء جديد قوي نحتاجه هنا والآن.

كل هذا، بعكس التوبة الفردية، التي تحمل الفرد وحده تبعات أخطائه، ولا تحمل المجتمع نصيبه من تهيئة الظروف، لأخطاء الفرد التي تتسبب في وقوعه فيما يضره، ويضر أمته.

تجربة تستحق التأمل

في عهد الرئيس الأمريكي الأسبق جيمي كارتر، حدثت واقعة دالة ومعبرة حكاها الدكتور إسماعيل الفاروقي –رحمه الله-، ونقلها عنه المرحوم الدكتور طه جابر العلواني في كتابه:مقدمة في إسلامية المعرفة، وملخصها: أن الرئيس الأمريكي دعا، الدكتور الفاروقي، ومعه عشرة من علماء أديان مختلفة -ومنهم مسلمون-، وجلس معهم من التاسعة صباحا إلى نهاية الدوام، يناقش هؤلاء العلماء موضوعا واحدا هو: مفهوم التوبة: ما معنى التوبة في الأديان كلها؟ وكان سبب الدعوة أن الإمام الخميني، ذكر أنه لن يغفر لأمريكا إساءاتها ضد إيران إلا إذا تابت.

ويحكي أيضا الدكتور طه جابر-رحمه الله-، عن نقاش دار في أمريكا في منتصف التسعينات من القرن الماضي حول: توبة الأمم: هل الأمم إذا أخطأت بحق أمم أخرى تجب عليها التوبة؟ وكيف تكون توبة الأمم والشعوب والحكومات؟ موضوع لم يخطر لنا على بال كما يقول متعجبا الدكتور طه رحمه الله.

التوبة الجماعية، توزع المسئولية واللوم على الجميع من أبناء الأمة، وتشركهم في تحمل تبعات الأخطاء والخطايا التي تهلك الأمة وتضعف كيانها، وتسهل التقاؤهم لتدارس أخطائهم وتصفية خلافاتهم.

تستحق هاتين الواقعتين التأمل الطويل، والدراسة الواعية المنفتحة لهما، والاقتداء بهما، ونحن نفكر في إصلاح أحوال أمتنا العربية المسلمة على مستوى العلاقات بين الدول والأنظمة من جانب، وعلى مستوى العلاقات بين الأنظمة وشعوبها من جانب ثان، ومن جانب ثالث على مستوى العلاقات بين أطياف كل مجتمع عربي على حدة.

وجدير بنا، بل نحن بحاجة حقيقية، لاسترجاع هذه الروح، التي انطلق منها كارتر كرئيس ومواطن، والإعلام الأمريكي كموجه للرأي العام، ودوره في تنوير عقول وقلوب الأمريكيين وتنقية ضمائرهم مما علق بها من جرائم في حق أمم أخرى، ونحن نتعامل مع واقعنا الأليم الحالي. فحاجتنا، كمجتمعات إسلامية وعربية لطرح هذه الأسئلة أكثر إلحاحاً من المجتمع الأمريكي، ونحن أولى بهذه الأسئلة ، أولا: لغنى مفهوم التوبة الجماعية في ديننا، وأثره في بناء واستمرار حضارتنا، وثانيا: بسبب وضعيات مجتمعاتنا المتردية، التي هي في أشد الحاجة لتوبة جماعية واجبة وصادقة.

لن نقبل توبتكم إلا إذا

اعتقد أننا بحاجة اليوم أن نطرح تساؤلات مشابهة، لما طرحه كارتر ووسائل الإعلام الأمريكية، فعلينا أن نتساءل بكل جد عن:

 أن الله والناس من أهلنا الطيبين، لن يقبلوا للحكام والمعارضين توبة، ولن تغفر لهم إساءاتهم للأمة، إلا إذا تابوا عما يقومون به من تخريب لمقدرات الأمة، وقتل مادي ومعنوي لأبنائها ؟

وأن الله والناس الطيبين، لن يقبلوا لجماعة سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية توبة، إلا إذا كفت عن كل التصرفات التي تتسبب في هلاك الأمة وتفرقها

وأن الله والناس الطيبين، لن يقبلوا لأي حاكم عربي توبة، وهو يفتعل المشكلات مع جيرانه من حكام الدول الأخرى، ولن تقبل له توبة وهو يعامل المواطنين من الدول العربية الأخرى معاملة لا تليق بأخوة الدين والقومية-وخصوصا الفلسطينيين ومن لحق بهم من مشردي سوريا وليبيا وغيرهم.

وأن الله لن يقبل توبتنا جميعا ويقبلنا عنده، إلا إذا تبنا جميعا عن حالة الصراع التي لا تنتهي فيما بيننا، وعن حالة اللامبالاة لما وصل إليه حالنا من تردي ضياع، حتى نقوم عن يد واحدة فنصلح أخطائنا بالطرق السلمية التي تحفظ أوطاننا وتحرر إنساننا العربي المسلم، عبر التوبة الجماعية الشاملة.

ما العمل؟

وهذه التساؤلات، تسلمنا إلى التساؤل الطبيعي التالي عن: كيف نتوب؟ وما هي الوسائل المؤدية للتوبة الجماعية من هذا الظلم الذي وقع من الحكام والمعارضين، ومن الافراد والجماعات في كل المجالات على الأمة؟

والجواب نقترحه في:

 أن يقوم كل رب أسرة، وكبير عائلة، رئيس دولة، أو جماعة أو حزب، أو مصلحة حكومية، أو منظمة أهلية، بالتشاور مع عشرة من العقلاء عن مفهوم التوبة الحضاري، وكيف نحقق توبة جماعية حقيقية تسهم في خروجنا من هذا التردي الذي نعاني منه بسلام، كل في مجال سلطته وحدود تأثيره.

وأن يناقش الإعلام بكافة توجهاته، خاصة الإعلام البعيد عن توجهات المال المشبوه أو سياسة فرق تسد، هذه التساؤلات، ويطرحها كحملة للتفكير، داخل عقل وقلب كل فرد، وجدران كل بيت من بيوتنا في صيغة موحدة:كيف نتوب عما نفعله من رذائل وفتن وفرقة تؤدي لتقطيع الأواصر بين أبناء أمتنا، وتتسبب في إضعافها وتمكين الاستعمار من نهبها وتمزيق وحدتها، مستغلين في ذلك حالة الروحانية العالية التي تتلبس معظم المسلمين في هذا الشهر الكريم، لحثهم على تبني مفهوم التوبة الجماعية وتطبيقه في حياتهم

ماذا لو؟

لو أننا جعلنا هذه التوبة الجماعية، شعارنا، في شهرنا الكريم هذا، في كل لحظاتنا في: المساجد والصلوات والخلوات والسهرات والفضائيات والجرائد والمجلات، وجعلنا محور أحاديثنا واهتمامنا تنصب في هذا الشهر الكريم على المفهوم القرآني للتوبة الجماعية، مستفيدين من معين القرآن الكريم وخبرات المجتمعات المعاصرة،  للخروج من مأزق الكراهية وفقدان الثقة والفرح اللاهي، أو الاستبداد الطاغي، واللامبالاة القاتلة التي نحياها اليوم، لكان هذا خير استقبال وصيام لشهر رمضان الكريم، وتحقيق لمقاصد إنزال القرآن فيه.

فهل يمكن أن نجد صدى لهذه الدعوة، للتوبة الشاملة في شهر المغفرة والرحمة، عسى الله يقبل توبتنا، ويبدل حالنا، فنكسب السلام لشعوبنا، وعقولنا، وقلوبنا، وسواعدنا الشابة، ونتخذ القرآن الكريم إماما لنا، فنتبع هديه في دعوته لتوبة واجبة طال انتظارها، حتى تخرج أمتنا من التيه الذي طال.