سيزيف أو سزيفيوس هو أحد أمكر وأدهى الشخصيات ضمن الميثولوجيا الأغريقية، فقد قام بخداع إله الموت ثانتوس وهو الأمر الذي أغضب زيوس كثيرًا، كان سيزيف يتباهى ويتفاخر بذكائه كبشري يمكنه التفوق على كبير الإلهة زيوس، ولهذا وضع له عقاب عبثي وجنوني وهو أن يقوم بحمل صخرة من أسفل جبل إلى قمته وما إن يصل إلى القمة تقع منه الصخرة وتتدحرج إلى الوادي ويستمر على هذا الحال إلى الأبد.

ومن هذه الأسطورة يمكن القول أنها الأساس أو الفكرة التي بنيت عليها العديد من الأعمال التي ترتكز على فكرة إعادة الزمن وتكرار ذات الأحداث مجددًا، مثل فيلم Groundhog day لهارولد راميس - والذي حول بدوره إلى الفيلم العربي ألف مبروك لأحمد حلمي، كذلك أحدى حلقات المسلسل الشهير Supernatural - بالإضافة إلى فيلم Edge of tomorrow لتوم كروز، لتنضم أخيرًا إلى القائمة سلسلة القصص والأنمي "إعادة الحياة في عالم آخر من الصفر Re:Zero kara Hajimeru Isekai Seikatsu".

وبالرغم من أن جميع الأعمال التي سبق ذكرها تتفق مع تيمة واحدة وهي الموت وإعادة الزمن/ بداية اليوم من جديد إلا أن أنمي Re: zero قام بإضافة بُعد وإمكانية جديدة للفكرة أكثر من البقية، فالبطل لا يعلق في يوم واحد فحسب، أو أن تتكرر ذات الأحداث لعدة مرات إلى أن تنكسر الدائرة بل تستمر وتزداد معها أحداث جديدة، وإذا أردنا توصيف أو تشبيه أكثر ملائمة لقلنا إن الأمر يبدو كما لو كنت تلعب إحدى ألعاب أجهزة البلايستيشن ثم تموت شخصيتك عند مرحلة ما ليتم إعادة إحيائها من جديد لتحاول مرة أخرى، لتتجنب الموت.

قام المؤلف تابي ناغاتسكي بنشر سلسلة Re: zero في البداية إليكترونيًا عبر أحد مواقع المخصصة لنشر القصص في عام 2012 والتي لفتت أنظار أحد المحررين الأدبيين وهو Ikemoto Masahito والذي سريعًا ما فتن بكيفية توظيف تيمة "الإعادة من الموت" في السلسلة والتي وصفها بأنها "محزنة، لكنها تبق مع ذلك مذهلة، وفي إطار فانتازي".

تعاون إيكيموتو مع المؤلف تابي في تجهيز الرواية للنشر الورقي على هيئة سلسلة من الـ Light Novels، ولكن فوجئ إيكيموتو بأن تابي قدم له مخطوطًا من 1000 ورقة، في الوقت المعروف بأن ذلك النوع من القصص يكون في حدود 200-250 صفحة وهو الذي استدعى من ناغاتسكي إعادة كتابة المخطوط مرة أخرى، كان ناغاتاسكي يريد أن يظهر العالم الفانتازي بقوة من البداية إلا أن إيكيموتو كان يريد للقارئ أن يتعلق بالشخصيات عاطفيًا في البداية وهو الأمر الذي دفع بتأجيل التركيز على العالم الفانتازي إلى الجزء الثالث.

حينما دفعت الرواية إلى الأسواق حققت شهرة أيضًا، وهو الأمر الذي مكن المحرر من تحويل الأجزاء الأولى إلى مانغا بالإضافة إلى التفاوض حول تحويلها إلى مسلسل أنمي، كان إيكيموتو يأمل من استوديو White fox بتحويل سلسلة الروايات بنفس الكيفية ومستوى الإجادة الذي قدما به أنمي Steins;Gate من قبل والذي كان يعرض فكرة التلاعب بالزمن شبيهة إلى حد ما مع .Re: zero

تدور السلسلة حول ناتسو سوبارو وهو يعد البطل الرئيسي، ويمكن وصفه بأنه شخص منسحب اجتماعيًا، ومهتم بالألعاب والمانغا وهو الأمر الذي يجعله يصنع الكثير من المزحات حولها، فهو وللمفارقة الساخرة من الكاتب يجد نفسه وأثناء عودته إلى المنزل قد تم استدعاؤه أو إرساله إلى عالم آخر بطريقة غامضة، يختفي العالم الذي يعرفه، عالم الطائرات والهواتف الذكية إلى عالم أقرب إلى عوالم العصور الوسطى في التركيب والبناء بالإضافة إلى الإطار الفانتازي من عناصر سحرية سواء وجود سحر حقيقي، أو الكائنات الخيالية مثل التنانين التي تجر العربات، والأرواح السماوية.

بالرغم من أن حدث مثل هذا قد يثير فزع ورعب أي شخصية أخرى إلا أن شخصية ناتسو التي رسمت بحرفية في البداية كشخص لا مبال، ويتكيف ببساطة مع الوضع ويبدأ بصنع المزحات، فهو بذلك يبني تصرفاته على أساس أنه أحد أولئك الأبطال الذي قرأ عنهم في القصص المصورة والذين ينتقلون إلى عالم آخر مثله ويكتسبون قوة خارقة ومميزة على عكس الآخرين ويقومون بإنقاذ العالم من دمار وشيك، وبالطبع لا بد من وجود الشخصية الأنثوية، البطلة التي لا بد وأن يقوم بإنقاذها وتقع في حبه.

قد يخدعك هذا الإطار في البداية على أن هذا العمل مبهج ومثير للضحك إلا أنك سريعًا ما ستكتشف أنك وقعت في فخ أحد أكثر الكتاب سادية على الإطلاق ولا يمكنك الفرار منه بسهولة، لدرجة أنه لم يكن محتملًا لأن يقوم اثنان من كتاب السيناريو بكتابة كل حلقات الأنمي وهو الأمر الذي استدعى إحضار كاتب ثالث معهما.

ناتسو سوبارو: الفتى الذي عاد من الموت لأكثر من مرة

تيمة العودة من الموت تصحبها رهبة دائمًا والكثير من الإدرينالين والحماسة، كحال الأمر مع شخصية جون سنو في سلسلة صراع العروش، كذلك أيضًا ربما تكون مبتذلة وكليشيهية إذا ما تم استخدامها أكثر مما يحتمل مثل سلسلة دراجون بول الشهيرة، فقط اجمع كرات التنين السبع واصنع أمنيتك، لتعيد غوكو من الموت مرة أخرى.

لكن ناتسو سوبارو يوصف من قبل كل متابعي الأنمي بتلك الجملة "إنه أكثر شخصية تعرضت للموت والقتل في تاريخ الأنمي"، هكذا يتم تقديمه لمن لا يعرفه.

بالرغم من ذلك إلا أن حالة سوبارو تعتبر حالة خاصة جدًا، فموته ليس كليشيهًا أو مبتذلًا، أو يجعلك تشعر بالغيظ وترغب في أن يتوقفوا عن فعل هذا الهراء، العكس تمامًا هو ما يحدث، بل أنك ستبدأ التعاطف معاه وتحزن لأجله وتتمنى أن تتوقف سادية الكاتب عن قتله مرارًا وتكرارًا.

يتبع الأنمي في الحلقات الأولى حبكة قد تبدو بسيطة، فحينما ينتقل سوبارو إلى العالم الآخر الجديد يتعرض لعملية سطو ولكن يتم إنقاذه عن طريق نصف الجنية إيميليا والذي يقع في حبها أو لنقل إن إيهام أو إيعاز أفكاره المنبثقة من عوالم المانغا والألعاب جعلته يعتقد أنها الفتاة المختارة، ويقرر مساعدتها ولكن ينتهي الأمر بموته ليكتشف تلك الحقيقة الجديدة، أنه بالإضافة إلى طريقة استدعائه الغامضة إلى هذا العالم فإن بوسعه العودة من الموت أيضًا، وإعادة الزمن إلى نقطة ثابتة من جديد لتتكرر نفس الأحداث ويحاول إعادة تغيير التدفق الزمني حتى لا ينتهي الأمر بموته مثل المرة الأولى.

لكن لهذه الخاصية عواقب أيضًا، فالعلاقات والصداقات التي يبنيها مع شخصيات جديدة يتعرف إليها بدورها تعود إلى نقطة البداية ويصبحون غرباءً تمامًا، بل يبلغ الأمر حد يجعل من تحويل أولئك الأصدقاء إلى النقيض، فينتابهم شعور بانعدام الثقة والعداء تجاه سوبارو لذلك في كل مرة يجد نفسه أمام عائق شخصيات يبدو مجهولاً لهم، لكنهم يظلوا مع ذلك الأقرب إلى قلبه.

هذا ما يجعل الأنمي يأخذ منحى مختلف عن الانطباع الذي تركه في الدقائق الأولى وهو ما يجعل شخصية ناتسو سوبارو اللامبالاية والمبهجة ولنقل أيضًا الذي لديه لمحة من التفاؤل في مواجهة الصعاب هي أفضل تمثيل وبداية نفسية وعقلية نظرًا للمواقف التي يتعرض لها، سواء كانت مثيرة للأعصاب أوالموت مرة تلو الأخرى، الأمر الذي يبدأ في صنع فجوة داخله تتسع شيئًا فشيء ويبدأ ثباته النفسي في التصدع ليصل إلى انهيار تام وهو الأمر الذي قد يؤثر على نفسية المتابعين، فغالبية صناع المحتوى الترفيهي وبخاصة الأنمي لا يريدون صنع محتوى يؤثر في نفسية المتابع والمشاهد بالسلب.

في الأخير يظل أنمي Re:zero أحد أفضل الأنيميات التي صدرت خلال هذا الموسم والأنمي الأكثر شعبية مما يجعله الحصان الأسود بلا منازع.