المشهد: موقف سيارات مليء بالثلوج ونصف ممتلئ بالسيارات، في مدينة دنيبروبتروفسك، رابع أكبر مدن أوكرانيا. مجموعة من الرجال الملثمين المسلحين بالهراوات يتجهون بسرعة نحو حشد من المحتجين المناهضين للحكومة شاهرين أسلحتهم، وبينما يتبعثر المتظاهرون يمسك الملثمون بأحدهم، يضربون وجهه حتى يدمونه ويضربون أضلاعه حتى تكاد تتكسر ثم يسحلونه بعيدا!
http://www.youtube.com/watch?v=rrl6Uw--nYc

هذا المشهد الذي صُور ونشر على يوتيوب لم يكن حادثا معزولا! في المظاهرات المستمرة في أوكرانيا تتزايد المواجهات الدامية بين المتظاهرين ومجموعات من الشباب يُعرفون باسم “تيتوشكي” يتجولون في الشوارع ويرتدون أقنعة تخفي وجوههم وملابس رياضية من آديداس (غالبا) ويحملون مضارب بيسبول وهراوات وغيرها لتخويف المتظاهرين والهجوم عليهم. 
هناك العديد من التقارير التي تقول أنهم على قوائم رواتب الحكومة، الدولة تدفع لهم ليستمروا فيما يُعرف عربيا بالبلطجة أو التشبيح! 

أعداد تيتوشكي الدقيقة غير معروفة، لكن التقديرات في الصحافة الأوكرانية تقول أنهم يتجاوزون 20000 شخص، ورصدت منظة تُدعى EuroMaidan SOS الهجمات على المتظاهرين وتحدثت عن كمائن يقيمها التيتوشكي بالقرب من أماكن اعتصام المتظاهرين المطالبين باستقالة الحكومة، كما تم الربط بين التيتوشكي وبين هجمات على صحفيين في كييف وفي مدن أوكرانيا الشرقية مثل أوديسا وخاركوف، لقد أصبح وجودهم خطيرا للغاية للحد الذي جعل وزارة الخارجية الأمريكية تصدر تحذيرا لرعاياها بخصوص هذه المجموعة.

الاعتماد الحكومي على مدنيين ليكونوا ذراعها الباطش وليقوموا بارتكاب الأعمال القذرة التي لا تستطيع الحكومة القيام بها بشكل رسمي لديه تاريخ طويل في المناطق بعد الحقبة السوفيتية. فنخبة أوكرانيا الرياضية وُجدت أثناء الحقبة السوفيتية ونُظموا في الأندية المحلية، وعندما انهار الاتحاد السوفيتي اختفى التمويل عن مئات الآلاف من الرياضيين ببما فيهم الملاكمين والمصارعين، الذين سرعان ما وجدوا فرصة للعمل في الجريمة المنظمة من قبل الدولة، في ظل ازدهار اقتصاد الظل في أوكرانيا وانعدام الفرص الأخرى.

إذا تعود جذور التيتوشكي -وعلى العكس من وحدات الحماية الشعبية (الشبيحة) في سوريا، أو مجموعات البلطجية في مصر- إلى المجال الرياضي، والذي يعاني فيه الآلاف من الرياضيين. وقد احتوتهم الحكومة الأوكرانية وقامت بتنظيمهم لصالحها كعصابات إجرامية.

يُشتق اسمهم من الرياضي تيتوشكو الذي اعتدى على صحافيين اثنين في مايو من العام الماضي وأظهرت التحقيقات اللاحقة أن الحكومة دفعت له أموالًا لحماية المسيرات المؤيدة لها.

وظهرت تيتوشكي لأول مرة لدعم الحزب الحاكم في الأقاليم الأوكرانية، حيث كان حزب يانوكوفيتش يستقطب الشباب من الأندية الرياضية في المناطق الشرقية الفقيرة، ويدفع لهم ما بين 150-200 هريفنا أوكرانية، أو ما بين 17-23 دولارا في اليوم الواحد فقط للوقوف في الحشود، كما أن الحكومة كانت تدفع أكثر لمن يحمل الأعلام ويلوح بها، وهذه أموال جيدة للغاية في الدولة التي متوسط أجور مواطنيها الشهرية هو حوالي 400 دولار.

تيتوشكي، ومع تصاعد التوتر في البلاد، ضمت إليها العديد من الشباب العاطلين عن العمل، وتحولت إلى ميليشيات ترعاها الدولة، إلى حد وصفها بـ”العمود الرابع” للدفاع الحكومي، فقاموا باستفزاز المتظاهرين والهجوم عليهم وإحراق سيارات النشطاء واختطافهم وتعذيبهم!

قال بعضهم في تصريحات صحفية “نحن مواطنون عاديون، جئنا هنا لحماية هذا الميدان وهذه التماثيل من هؤلاء الإرهابيين (المتظاهرين) ولكي نحمي المواطنين المسالمين”

ورغم محاولات تطهير الدولة من الجريمة المنظمة عقب الثورة البرتقالية السلمية في 2004، لم تستطع الدولة التخلص من تلك المجموعات، لا سيما بسبب اندماج طبقات المال والأعمال، مع الدولة والجريمة في بوتقة واحدة، ما جعل أوكرانيا في المرتبة رقم 144 في مؤشرات الشفافية. 

من مقال منشور في مجلة فورين بوليسي الأمريكية