الرئيس التركي رجب طيب أردوغان

تتجه العيون إلى واشطن مع اقتراب لقاء القمة المرتقب بين الزعيمين التركي رجب طيب أردوغان والرئيس الشرعي لأمريكا دونالد ترامب في منتصف يوليو الحالي، وسط حذر متبادل بين الطرفين على مصير مستقبل العلاقات في الملف السوري . 

وبموقف حرج سيذهب أردوغان، حاملاً معه الملف الكردي للتفاوض مع واشطن التي استبقت اللقاء بتوجيه صفعة قوية للأتراك بإعلانها في ليلة التاسع من الشهر الحالي عن تسليحها للأكراد في معركة الرقة، والتي على ما يبدو ستكون طويلة وصعبة بحسب ما صرح البنتاغون.

الضربة الاستباقية التي جاءت قُبيل لقاء القمة، لا شك أنها ستزيد من توتر العلاقات بين البلدين، بناءً على رغبة الإدارة الأمريكية اتباع سياسية التصعيد، إلا إذا اللهًّم الهدف منها إعلاء سقف التفاوض قبل وصول أردوغان إلى البيت الأبيض.

سيأتي اللقاء بعد حدوث سلسلة من المتغيرات الدولية في الملف السوري، وتغير في قواعد اللعب، عقب دخول اللاعب الأمريكي المباشر في شمال شرق سوريا، ونشره قوات فصل في الدرباسية وتل أبيض شمال شرق سوريا، لتُشكل قوات عزل تمنع المواجهة المباشرة بين القوات التركية مع وحدات حماية الشعب الكردية

سيأتي اللقاء بعد حدوث سلسلة من المتغيرات الدولية في الملف السوري، وتغير في قواعد اللعبـ، عقب دخول اللاعب الأمريكي المباشر في شمال شرق سوريا، ونشره قوات فصل في الدرباسية وتل أبيض شمال شرق سوريا، لتُشكل قوات عزل تمنع المواجهة المباشرة بين القوات التركية مع وحدات حماية الشعب الكردية التي تُشكل العمود الفقري لحزب الاتحاد الديمقراطي الكردستاني المصنف إرهابياً في لائحة المنظمات الإرهابية لتركيا، عقبه تسير دوريات في غرب شمال سوريا من قبل القوات الروسية في محيط عفرين، لتقطع الطريق على أي تقدم تركي باتجاه منبج، ما يعني أن تركيا وبعد توقف عمليات درع الفرات في منطقة الباب غربي حلب ، للمرةٍ الثانية ترى نفسها محاصرة بين فكي كماشة أمريكية روسية من جهة وقوات النظام والقوات الكردية من جهة أخرى.

الرئيس التركي بدوره وبعد نجاح علمية الاستفتاء، كان قد أعلن عن مواصلة العمليات العسكرية على طول الشريط الحدودي مع سوريا، لاجتثاث، قوات سوريا الديمقراطية، وبالفعل نفذت القوات الجوية التركية غارت على مقرات حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي، في المالكية وتل أبيض أسفرت عن تحقيق إصابات وضحايا للأخير.

لم يكتفي الرئيس التركي بالضربات الجوية إذ توجه بخطابات لاذعة للأمريكان وعبر عن غضبه أكثر من مرة، بسبب استمرار واشطن دعم تلك المليشيات، بل إن إدارة الرئيس الأمريكي زودت مؤخراً حلفائها الأكراد بأسلحة ثقيلة، الأمر الذي زاد من توتر العلاقات التركية الأمريكية في الملف السوري، ووضعها على سفير ساخن والصعود للأعلى عوضاً عن تهدئة ثنائية تفضي إلى حلول منطقية وسطية قبل الخوض بشكل فعلي في معارك شمال شرق سوريا.

ستكون القمة صعبة على الطرف التركي أكثر منها على الأمريكي حيث  تُحاول واشنطن  إيجاد موقف وسط بينها وبين ذراعها الكردي

ستكون القمة صعبة على الطرف التركي أكثر منها لواشطن التي تُحاول إيجاد موقف وسط بينها وبين ذراعها االكردي، فأمريكا ترى أن مكافحة داعش عن طريق الأكراد هو الطريق الأقصر والأقل تكلفةً لأمريكا، بينما تركيا ترى فيهم أنهم لا يختلفون عن داعش كمنظمات تعيث فساداً في المنطقة وتساهم في تغذية الإرهاب.

المخاوف التركية تتمحور ليس فقط بمن سيخوض المعركة بل الأمر يتعدى إلى من سيدير الرقة بعد تحريرها، من هذه الزاوية ترى تركيا أن مشاركة الأكراد في المعركة سيقود ذلك إلى منحهم إدارة المنطقة، وهذا سيؤدي في المستقبل إلى خلق كيان كردي جديد على غرار إقليم كردستان العراق، لكن أمريكا أيضاً كان لها حلاً لهذا المسألة بقولها أنها أخذت ضمانات من الأكراد على تسليم إدارة المدينة للعرب بعد تحريرها.

من الواضح أن الهوة بين البلدين تزداد على ضوء تعنت واشطن في مواصلة دعمهم للأكراد، الرامين فعلاً لتشكل كيان انفصالي، والمراقب للسلوك الكردي في مناطق سيطرتهم، سيعرف الكثير عن إنشاء مؤسسات خاصة بهم، وقوانين مفروضة على الأهالي متعلقة بفرض ضرائب وغرامات وسحب للتجنيد الإجباري، وقوانين خاصة في التعليم ، وتغير للعديد من أسماء المناطق العربية بأسامي كردية، وفرض حواجز ونقاط تفتيش لإدارة المناطق والمضي قدماً في توسيعها بمظلة واعتراف الأمم المتحدة .

فتركيا هنا محقة لتعبر عن مصدر هواجسها ومخاوفها، وبالتالي هي محقة في حماية أمنها القومي أمام أي خطر قادم .

العلاقات التركية الأمريكية قوية ، وعلى الرغم من اهتزازها بين الحين والآخر، إلا أن الدولتين استطاعا بخلفات أخرى تجاوز كل العقبات من منطلق متانة العلاقة والمصالح المشتركة

اللافت في السياسية التركية الجديدة التي نضجت عقب عملية الانقلاب الفاشل اتخذت قاعدة أساسية مفادها، أن نذهب للخطر قبل أن يأتي إلينا ، وقد تعززت هذه القاعدة بعد نجاح الاستفتاء الذي أكسب تركياً نصراً سياسياً على الجارة العجوز في القارة الأوربية الرافضة لصعود الاقتصاد والقوة التركيتين.

العلاقات التركية الأمريكية قوية ، وعلى الرغم من اهتزازها بين الحين والآخر، إلا أن الدولتين استطاعا بخلفات أخرى تجاوز كل العقبات من منطلق متانة العلاقة والمصالح المشتركة، فتركيا مهمة لأمريكا كحليف قوي بعضو الناتو وبوابة أمريكا نحو الشرق والقارة الأوربية ، كما تعتبر تركيا بوابة أمريكا لتمرير الطاقة إلى الأسواق العالمية، يُضاف إلى هذا موقعها الاستراتيجي المتوسط بين دول أوربا ودول الجنوب.

تبقى كل الملفات مفتوحة في انتظار حسمها في القمة المتنظرة والتي من خلالها ستتضح معالم المسار لمستقبل العلاقات الاستراتيجية بين البلدين، لكن الثابت في الموضوع أن أمريكا حتى الآن تُحاول أن ترضي كل الأطراف ولا تريد خسارة طرف على حساب طرف، بينما تركيا حتى كتابة هذه السطور مستعدة للتنازل بكل الملفات إلا موضوع إقامة إقليم موازي في شمال سوريا فهو أمر غير مقبول ، يبقى السؤال هل طبيعة العلاقات التاريخية بين أمريكا وتركيا ستكون حاضرة لتجاوز كل العقبات كما كانت في السابق ، أم أن هذه المرة سيكون الطلاق حاضراً إلى غير رجعة.