مخطط هندسي لجزيرة الوراق قامت به شركة RSP في الإمارات

بدأت تتضح خيوط نوايا الحكومة المصرية بإخلاء جزيرة الوراق وسط النيل التابعة لمحافظة الجيزة شرق القاهرة والبالغ عدد سكانها قرابة 100 ألف نسمة، فالموضوع لا يتعلق بتطوير الجزيرة عبر زيادة الخدمات والمرافق وتذليل صعوبات المعيشة لأهلها، بل تبين أن الأمر يتعلق بصفقة مع دولة خليجية كما حصل مع جزيرتي تيران وصنافير في البحر الأحمر بعد منحهما للسعودية مقابل مساعدات مالية سعودية ودعم سياسي يقدم للرئيس السيسي.

إذ لجأت القوات المصرية أول أمس الأحد للقوة لإخراج سكان جزيرة الوراق منها، ففي صباح ذلك اليوم 16 من يوليو/تموز اقتحمت مدرعات الأمن والعربات المصفحة وعشرات الجنود والضباط الجزيرة من أكثر من جانب بهدف إزالة عدد من المنازل وإخطار أهلها بمغادرة سكانها فورًا، دون سابق إنذار، وهو ما رفضه الأهالي جملة وتفصيلا، واشتبكوا مع قوات الأمن.  

وخوفًا من اتساع رقعة احتجاجات الأهالي بعد مقتل شخص وإصابة العشرات دفاعًا عن منازلهم، انسحبت قوات الجيش والأمن بعد صدور قرار بإرجاء عملية إخلاء الجزيرة إلى وقت لاحق، وأقل ما يمكن قوله إن هناك خطوات جدية من قبل الحكومة بدأت بالفعل للتمهيد الحكومي لخطوات استثمار جزر النيل الواقعة بين محافظتي القاهرة والجيزة.  

وللإشارة فإن عدد الجزر الصالحة للاستغلال السكني والسياحي بين القاهرة والجيزة يبلغ 81 أبرزها على الإطلاق 5 جزر: الدهب، القرصاية، الوراق، محمد، بين البحرين، ويعد النشاط الأساسي للسكان في هذه الجزر  الزراعة وتربية المواشي والدواجن وصيد الأسماك، وتعامل أراضي تلك الجزر منذ أربعة العقود على أنها أراضي وقف للدولة، وقد تم إيصال المرافق بمختلف أنواعها للسكان مع منحهم عقود استئجار مؤقتة تجدد دوريًا، من دون تمليك الأرض لأي من السكان وكذلك لأي من رجال الأعمال الذين اتخذوا من بعض هذه الجزر مقارًا صيفية لهم للاستمتاع بجمال طقسها ومناظرها الطبيعية.

الإمارات تخطط والرئيس ينفذ

انتشرت نسخة مشروع إماراتي على وسائل التواصل الاجتماعي من قبل عدة مصادر إعلامية لمكتب هندسي يعمل في الإمارات يدعى (آر إس بيه)، تكشف عن مخطط استثماري لمشروع جزيرة الوراق المصرية، يعود إلى عام 2013، بحيث اعتبر تطوير الجزيرة نموذجًا للتنمية المستقبلية في القاهرة، لما تملكه من موقع مذهل على نهر النيل، ليدمج تصميم المدينة الجديدة مع نظيرتها التاريخية في قلب العاصمة. 

يشير مراقبون أن الإمارات ربما تسعى للسيطرة على استثمارات الجزيرة كنوع من استرداد ثمن المساعدات المالية والعينية التي قدمتها لمصر خلال السنوات الماضية، بدءًا من العام 2013 حيث قدمت الإمارات لمصر مساعدات مالية وعينية تقدر بنحو 18 مليار دولار خلال 3 سنوات. 

أشارت الرسومات الهندسية المقترحة للجزيرة، والتي تداولها ناشطون مصريون إلى أن المخطط الرئيسي "ولد من الرغبة في تحقيق مدينة جميلة، يمكن من خلالها تحقيق الأحلام، في بيئة حضارية جوهرية، تجعل من ابتسامة السكان كل يوم، أساسًا للحياة".

هناك خطوات جدية من قبل الحكومة بدأت بالفعل للتمهيد الحكومي لخطوات استثمار جزر النيل الواقعة بين محافظتي القاهرة والجيزة 

وحسب المخطط الإماراتي للجزيرة فإنه سيدمج عددًا من المكونات الرئيسية في النسيج الحضاري للمدينة بحيث تشمل الحدائق العامة والمجتمعات السكنية وسهولة وصول المقيمين إلى النهر وإبراز المخزن الغني للفنون والتراث والثقافة وتوفير بيئة مثالية للتسلية المرغوبة من خلال المرافق الترفيهية والمتطلبات التعليمية الحيوية والنقل العام المتكامل والتنمية المستدامة الصديقة للبيئة.

والأهم من هذا أن المخطط يهدف إلى تحويل الجزيرة لمنطقة خدمات مالية، على غرار جزيرة "مانهاتن" في مدينة نيويورك الأمريكية، بعد طرد وتهجير سكانها من البسطاء ومصادرة أراضيهم بزعم أنها مأخوذة بوضع اليد، على الرغم من امتلاك الأهالي لمستندات ملكية خاصة تثبت أحقيتهم في تلك الأراضي 

وتكلمت مصادر عن خطط لحكومة السيسي ترمي لتسليم 5 جزر نيلية لمستثمرين خليجيين أبرزها جزر الدهب والقرصاية والوراق ومحمد وبين البحرين، بعد إخلائها من سكانها عن طريق الجيش، وإصدار السيسي توجيهات لرئيس الهيئة الهندسية للقوات المسلحة اللواء كامل الوزير، بشأن تطوير الجزر النيلية بمحافظتي القاهرة والجيزة.

وفيما يبدو فإن المخططات والصراعات التي شهدتها تلك الجزر بين عامي 2010 و2012 للاستفادة منها عبر الاستثمار فيها، بين مؤسستي الجيش ورجال الأعمال من الطرف الآخر، بدأت تميل لصالح الجيش، ويقال إن الجيش استغل ضعف سطوة رجال الأعمال بعد اندلاع ثورة 2011، وبعد وصول السيسي إلى السلطة وهو ابن المؤسسة العسكرية ينوي إرضاء الجيش ورجال الأعمال معًا في تلك الجزر، من خلال إدخال الجيش كعنصر رئيسي في إدارة وتأجير أراضي الجزر بعد إخلائها، لصالح رجال الأعمال، عن طريق وزارتي الري والإسكان، بحسب الاتفاق بين الجهات الثلاثة على تقسيم الأراضي فيما بينها.

اعتُبر تطوير جزيرة الوراق نموذجًا للتنمية المستقبلية في القاهرة، لما تملكه من موقع مذهل على نهر النيل، ليدمج تصميم المدينة الجديدة مع نظيرتها التاريخية في قلب العاصمة

المحامي المصري محمود رفعت أشار في تغريده له على تويتر قائلاً إن مكتبinternational bright case  وجه إنذارًا قانونيًا لمكتب "آر إس بيه"، وهو المكتب الاستشاري الذي أعد الخرائط لدوره بهدم الوراق فيما يعد جريمة تهجير بعد توثيق صفحة المشروع بموقعه، وأضاف رفعت "‏هدم بيوت السكان في جزيرة الوراق يمثل جريمتي تهجير واعتداء، والمسؤولية الجنائية للجريمتين تتحملهم الإمارات كالشريك الفاعل السيسي".

إلى ذلك انتشر هاشتاغ الوراق بين المصريين معلقين ومنتقدين الأحداث الأخيرة في الجزيرة.

مساعدات الإمارات لمصر

تدعم الإمارات الحكومة المصرية منذ اعتلاء السيسي في يوليو/تموز 2013 للسلطة، وتعد الدولة الخليجية الثانية بعد السعودية في حجم تقديم المساعدات النقدية لمصر، حيث بلغت مساعداتها 18 مليار دولار في أقل من 3 سنوات، إضافة لمساعدات عينية ونفطية ضخمة ساهمت في استقرار سوق الوقود في مصر، وتوافر المشتقات البترولية من بنزين وسولار ومازوت، وغيرها.

وقدمت الإمارات ودائع نقدية تبلغ قيمتها ملياري دولار، لدعم سوق الصرف المحلية، وإيقاف الانهيار المتواصل في قيمة الجنيه المصري أمام الدولار قبل تعويمه في سبتمبر/أيلول العام الماضي، وكان الشيخ محمد بن راشد، حاكم دبي قد أعلن في شهر مارس/آذار 2015 خلال كلمته التي ألقاها في مؤتمر شرم الشيخ، عن تقديم بلاده مساعدات لمصر بقيمة 14 مليار دولار منذ يوليو/تموز 2013 وحتى موعد انعقاد المؤتمر، كما أشارت مصادر أن المساعدات الإماراتية النقدية المباشرة لها تجاوزت قيمتها 18 مليار دولار منذ 3 يوليو/تموز 2013.

الدعم المالي الإماراتي لمصر انقطع في العام الماضي لأسباب مختلفة، يتعلق بعضها بعدم رضى الإمارات عن نظام السيسي وأدائه

وحسب الشيخة لبنى بنت خالد القاسمي وزيرة التنمية والتعاون الدولي بالإمارات، فإن المساعدات التي قدمتها الجهات المانحة الإماراتية إلى مصر خلال عام 2013 وحده، بلغت 16.99 مليار درهم إماراتي، أُنفقت على 54 مشروعًا تم تنفيذه في مصر، ويمثل هذا الرقم نسبة 78.57% من إجمالي التمويل الإماراتي المقدم خلال عام 2013.

بالعموم تمثل الدعم الإماراتي لمصر اقتصاديًا في منح مالية وتشغيلية من خلال مجموعة واسعة من برامج التنمية الاقتصادية والاجتماعية، فضلاً عن دعم فني لخطة الإنعاش والتنمية الاقتصادية، إذ قدمت منحة مالية قيمتها مليار دولار ووديعة بقيمة ملياري دولار، وقدمت بعد ذلك 4.9 مليار دولار لإقامة مشاريع خدمية، إضافة إلى تمويل شراء كميات من الوقود لتأمين احتياجات مصر من الطاقة حتى 2015.

كما قدمت تمويل مبادرات ومشاريع متنوعة بهدف تعزيز التنمية الاقتصادية والاجتماعية، فوفقًا للبنك المركزي المصري تحتل دولة الإمارات العربية المتحدة المركز الأول من حيث الاستثمارات العربية المباشرة الموجودة بمصر، بقيمة 401.2 مليون دولار في العام 2013، ومن حيث الأهمية النسبية لحجم التجارة مع مصر، قال المركزي، إن الإمارات احتلت المركز الأول بنسبة 8.9% من إجمالي حجم التجارة مع الدول التي لديها تعامل تجاري معها.

الجدير بالذكر أن الدعم المالي الإماراتي لمصر انقطع في العام الماضي لأسباب مختلفة، يتعلق بعضها بعدم رضى الإمارات عن نظام السيسي وأدائه، وتأثر الإمارات كما دول الخليج سلبًا بهبوط أسعار النفط، وما نتج عنها من مراجعات في سياساتهم الاقتصادية.

كثيرة تلك المشاريع التي تعهدت الإمارات بتقديمها لمصر، إلا أن أغلبها لم يتم لأسباب كثيرة تتعلق ببنية الاستثمار في مصر الذي يصطدم بإمبراطورية الجيش، كما الظروف الاقتصادية الصعبة التي واجهها الاقتصاد المصري خلال السنوات الماضية، ويمكن سرد أهم تلك التعهدات:

- توفير 900.000 فرصة عمل جديدة ناجمة عن مشاريع التنمية والبنية التحتية.

- شريك في العاصمة الجديدة.

- إنفاق مليار ونصف دولار أمريكي لإنشاء 50.000 وحدة سكنية للأسر المصرية في مختلف المحافظات المصرية.

- تشييد 100 مدرسة في 18 محافظة تستوعب 67.000 طالب.

- ترميم وبناء 25 صومعة للقمح بسعة إجمالية 1.5 مليون طن.

- إنشاء 78 مركزًا صحيًا في 23 محافظة تخدم 780.000 مواطن.

- توفير الكهرباء من الطاقة الشمسية لأكثر من 30.000 منزل في 70 قرية.