طفل صومالي يحمل العلم التركي

في غمرة انشغالاتها الدولية التي لا تنتهي بل تتزايد وتتراكم وقد أضيف عليها الدعم الأمريكي المكثف للاتحاد الديمقراطي في شمال سوريا والاستفتاء المزمع في هذا الشهر من أجل استقلال شمال العراق و والتوتر مع ألمانيا التي أصبحت تركيا شغلها الشاغل ومتابعة أحوال مسلمي الروهينغيا وإرسال وفد مكون من وزير الخارجية و وزيرة العائلة وعقيلة الرئيس وابنه وعدد من رؤساء المؤسسات الاغاثية وأزمة قطر والقضية الفلسطينية وغيرها تابعنا خلال الأيام الماضية زيارة وكأنها بدت خارج حزام الأزمات وهي زيارة وزير الداخلية التركي سليمان صويلو للسنغال ولقاءه بالرئيس السنغالي ماكي سال حيث أعلن  أن زيارة الوزير جاءت في سياق حضوره لاجتماع اللجنة الاقتصادية التركية السنغالية المختلطة في دورتها الرابعة.

وربما جاء حضور وزير الداخلية لهذا الاجتماع وليس وزير الخارجية أو وزير الاقتصاد لوجود أجندة دبلوماسية تركية مزدحمة كما ذكرنا وكذلك الحال لوجود مواضيع تخص الملف الأمني وجماعة غولن وهي فرصة  لتعزيز التعاون الأمني في القارة الأفريقية وفي بلد فيه فرص كثيرة مثل السنغال .ومن أجل مواضيع أخرى.

إن زيارة الوزير للسنغال في ظل هذا الازدحام الدبلوماسي هو تأكيد على أن تركيا لا تريد أن تكون غائبة عن المنطقة وعن الفرص الموجودة فيها سواء في أفريقيا بشكل عام أو في السنغال بشكل خاص  "ومن المعروف أن تركيا تُبدي منذ سنوات اهتمامًا ملحوظًا بقارة إفريقيا عمومًا وبشرق القارة تحديدًا، وقد ظهر هذا في كثافة النشاط الذي تنفذه بشكل متزايد بمرور الأيام من خلال كافة أدوات السياسة الخارجية التركية. ويعد أحد الشواهد على ما سبق وصول عدد السفارات التركية في إفريقيا إلى 40 سفارة حيث تم افتتاح 27 سفارة فقط بعد 2009، فيما كانت أول سفارة تركية في إفريقيا في أديس أبابا وتم افتتاحها عام 1926 وهذا يعكس مدى الأولوية التي تفردها تركيا لإفريقيا ومع الاهتمام بالسنغال تؤكد تركيا على اهتمامها أيضا بغرب القارة ". مع الإشارة هنا إلى أن منطقة غرب القارة هي الأسرع نموا اقتصاديا وتليها منطقة شرق القارة بنسب نمو أعلى من 6%

 ترى تركيا أن علاقاتها مع السنغال كدولة مسلمة ربما يمنحها أولوية على الدول المنافسة الأخرى مما ينعكس إيجابيًا على زيادة الاستثمارات التركية

وفي الحقيقة انعكس هذا الاهتمام على شكل استثمارات و مشاريع وبرامج متعددة فقد ذكرت السفيرة التركية في السنغال قبل شهر تقريبا أنّ قيمة الاستثمارات التركية في السنغال وصلت 500 مليون يورو، وأنّ رئيسي البلدين يشرفان على علاقات الجانبين بشكل مباشر. ( وقد أحسنت تركيا إذ عينت سفيرة وليس سفيرا حيث أن المؤسسات السنغالية بما فيها البرلمان نصفه من النساء ويلاحظ وجود مشاركة عالية للمرأة السنغالية في كافة مناشط الحياة السياسية والاقتصادية)

وترى تركيا أن علاقاتها مع السنغال كدولة مسلمة ربما يمنحها أولوية على الدول المنافسة الأخرى مما ينعكس إيجابيًا على زيادة الاستثمارات التركية وقد أنجزت تركيا مشاريع تنموية حيوية عدة من الفنادق ومراكز المؤتمرات وصالات للألعاب الرياضية، ومعارض، وكان أبرزهذه المشاريع مطار دكار الدولي. ووفقا للسفيرة التركية فإن الخطوط الجوية التركية تنظّم كل يوم رحلة لداكار، وفي هذا الصدد فإن طائرات الشحن تساهم برفع مستوى التبادل التجاري بين البلدين إضافة إلى أن وكالة تيكا أنجزت أكثر من 100 مشروع في السنغال وحدها، في مجال الصحة والبنية التحتية والتعليم.

تركيا تثبت بالرغم من ازدحام وكثافة أجندتها الدبلوماسية قدرتها على متابعة الكثير من الملفات في أكثر من منطقة كما أن الاهتمام بالسنغال يأتي في عدة أبعاد وبشكل مدروس

وفي مجال التعليم وتحديدا فيما يتعلق بمكافحة تنظيم غولن الذي أسس المئات من المدارس في أفريقيا تحاول تركيا  مكافحة التنظيم ولعل هذا أيضا ربما يفسر وجود وزير الداخلية التركي على رأس الوفد وحاليا  تعمل على إيجاد بدائل لمدارس غولن. حيث أدرار تنظيم غولن في السنغال 15 مؤسسة تعليمية في خمس مناطق مختلفة، قدمت خدمة التعليم لأكثر من 2600 طالب وقد كان هناك تردد من السنغال في بداية الأمر تجاه طلب تركيا إغلاق هذه المدارس. لكنها لم تلبث أن أغلقتها. حيث أفاد وقف المعارف " إن وفدا من الوقف أجرى لقاءات مع الحكومة السنغالية وتم بنتيجتها توقيع مذكرة تفاهم بين الجانبين لتسليم إدراة 6 مدراس تابعة لجماعة غولن والتي يدرس فيها نحو 3 آلاف طالب، إلى وقف المعارف التركي".

أما فيما يتعلق بالمجال الزراعي والذي تتميز به القارة عموما فإن تركيا بدأت تصنع المبادرات في هذا المجال حيث استضافت ولاية أنطاليا التركية أواخر أبريل/نيسان الماضي، الاجتماع الأول لوزراء الزراعة في تركيا وإفريقيا، ومنتدى الأعمال الزراعية، بمشاركة قرابة 300 ممثل إفريقي، بينهم نحو 50 وزيرًا.

وبهذا يتضح لنا من هذه الزيارة عدة أمور أولها أن تركيا تثبت بالرغم من ازدحام وكثافة أجندتها الدبلوماسية قدرتها على متابعة الكثير من الملفات في أكثر من منطقة كما أن الاهتمام بالسنغال يأتي في عدة أبعاد وبشكل مدروس ومن هذه الأبعاد  الأمن والزراعة والمرأة والاستثمار ويأتي هذا الجهد في سياق التمدد في القارة الأفريقية من شرقها إلى غربها بعد أن ركزت على علاقات قوية مع الصومال وعدد من دول القرن الأفريقي. وختاما لابد أن يكون هناك إدراك أن كل الدول تبحث عن مصالحها ولكن عند مقارنة مصالح هذه الدول نجد أن الوجود التركي مفيد جدا كبديل أمام الأطراف الأخرى مثل إسرائيل التي تأجل مؤتمرها الأفريقي الذي كان مقررا عقده في توغو.