جانب من اجتماعات أستانه لحل الأزمة السورية (أرشيفية)

بعد أن استطاعت الدول الإقليمية إخماد فوهات البنادق السورية عبر مسار أستانة، أصبح لزامًا على السوريين التعاطي مع الواقع السوري من منظور العقل وتفعيل دور الوعي الجمعي المدني لإجبار المجتمع الدولي على النظر لحرية السوريين والتأكيد على أنَّ ثوابت الثورة مسلمة يستحيل تجاوزها.

لم تمض ساعات قليلة على نهاية الجولة السادسة من أستانة في 15 من الشهر الحالي، حتى سارعت الحكومة التركية بإرسال تعزيزات عسكرية تتضمن دبابات ومدرعات وقوات خاصة تركية، انتشرت في ولاية هاتاي التركية الحدودية مع محافظة إدلب، تمهيدًا لخوض معركة قطع الشريان انطلاقًا من عفرين وصولاً إلى شمال غرب إدلب في القسم المطل على ولاية هاتاي التركية.

وفي ظل تأهب تركيا لدخول إدلب، أطلقت هيئة تحرير الشام الرافضة لاتفاق أستانة 6، معركة في ريف حماه استبقت بذلك الدخول التركي وأجلت المواجهة معها ريثما توسع الهيئة من نقاط سيطرتها، وتستميل عناصر من تنظيم الدولة في شرق حماه تتفق معها بالفكر لتشكل معها قوةً أحادية في شمال سورية، وتعوض النقص في مكامن الضعف، لا سيما بعد انفصال كبرى الفصائل عنها (جيش الأحرار وحركة نور الزنكي).

وبالفعل استطاعت تحرير الشام اللعب على عامل الوقت، وعززت من وجودها العسكري على جميع مداخل إدلب بالسلاح الثقيل، مما يوضح قرار الهيئة أنه محسوم في مواجهة معركة قد تعتبر مصيرية بالنسبة لها، في حال قررت تركيا فعلاً الدخول، وهو ما يبدو مستبعدًا في الوقت الحالي لاعتبارات عدة تنظر لها تركيا بعين الحذر والمراقب، لا سيما بعد عزم الرئيس مسعود برازني إجراء استفتاء لكردستان العراق، وإقدام الإدارة الذاتية في مناطقها المسيطرة عليها  شمال سوريا على إجراء انتخابات فيدرالية الإقليم لأول مرة منذ اندلاع الثورة في سوريا .

على الرغم من تهيئة المناخ العام لدخول الجيش التركي لإدلب، فالأمر ليس سهلاً لا سيما أن جبهة النصرة في إدلب غير راضية

وبالعودة إلى معركة إدلب مثل هكذا معركة لا يمكن معرفة من الرابح ومن الخاسر، فتركيا من جهة يبدو أنها مترددة بالدخول حتى بعد إقرار البرلمان التركي المصادقة على السماح ببقاء القوات التركية في سوريا والعراق لعام آخر، فالأخطار الأخيرة على الحكومة التركية يتحتم عليها عدم تجاهل أي خطر يهدد أمنها قومي، وبنفس الوقت التريث خشية المصائد التي ينصبها لها أعداؤها الرامين إلى إغراق تركيا في الرمال السورية خصوصًا من قبل خليفتها أمريكا الداعمة لحزب انفصالي كردي تعتبره تركيا إرهابيًا. وعليه فالعلاقات التركية الأمريكية الأخيرة هي الأسوأ بتاريخ علاقات البلدين منذ أكثر من 50 عامًا.

وعلى الرغم من تهيئة المناخ العام لدخول الجيش التركي لإدلب، فالأمر ليس سهلاً، خاصة أن جبهة النصرة في إدلب غير راضية وكانت قد عبرت عن رفضها لاتفاق الأخير معتبرة أنه لا يُلبي مصالح الثورة ويعزز من استرداد المناطق إلى نظام الأسد.

أستانة 6 تعقيد للواقع السوري

التطورات الأخيرة أفرزتها اتفاقيات أستانة 6 التي انعقدت على مدار يومين متتاليين في الـ14 من الشهر الحالي ونتج عنها اتفاق تركي روسي إيراني لضم محافظة إدلب لمناطق تخفيف التصعيد، لتكون المحافظة هي المنطقة الرابعة إلى جانب درعا وريف حمص والغوطة الشرقية. وبحسب نص الاتفاق فإن أبرز نقاط الإيجاب تمخضت في إنقاذ ثلاثة ملايين سوري جعلوا من إدلب موطنهم الأم بعد مسلسل تهجير قسري، وقد تبنت الفصائل التي ذهبت لأستانة هذا الطرح، وقبلت بالاتفاق على أن لا يكون لإيران أي وجود ضمن المنطقة الخاضعة تحت سيطرت المعارضة، كما أثنت الهيئة العليا للمفاوضات على الاتفاق باعتمادها على الضامن والشريك التركي.

ومؤخرًا صرح رياض حجاب بأن المعارضة تدعم العملية التركية العسكرية في محافظة إدلب ضد تحرير الشام، معتبرًا أنها جزء من القاعدة ويجب التخلص منها، تصريحات حجاب جاءت بعد أن أقدمت هيئة تحرير الشام على فتح معركة في ريف حماه الشمالي كضربة استباقية أولى عقبها اجتياح روسيا لريف إدلب الجنوبي دمرت مدارس ومستشفيات، كوسيلة ضغط لوقف تمدد النصرة ومنع فشل اتفاق تخفيف التصعيد، وقد اتهمت روسيا الولايات المتحدة بالقيام بعمليات تحريض لفصائل اعتبرتها إرهابية بفتح معركة حماه، حتى لا يكتب للاتفاق أي نجاح .

اجتياح روسيا والنظام لمناطق مشمولة باتفاق خفض التصعيد، وضع اتفاق إدلب على سفح ساخن، بين احتمالية الانهيار والصمود، فقد اتضح من خلال تبادل الاتهامات بين روسيا وأمريكا أن هناك أطراف لا ترغب في نجاح الاتفاق، فإيران كانت قد عبرت عن عدم الرضا لهذا الاتفاق، فقد صرح مسؤول إيران قبل عقد الاتفاق أن اتفاق إدلب لن يكتب له النجاح، وهو ما يصب في مصلحة إيران لأن استمرار التوتر والفوضى يعزز من نظرية استمرار تعويم نظام الأسد الذي يضمن لها وجود دائم في سوريا، غير أن الضغوطات الروسية مع تقديم بعض التطمينات لإيران أفضت إلى اتفاق ظاهره إيجابي وباطنه يفضي إلى تكريس مناطق النفوذ وتوزيع سوريا محاصصة بين دول أربعة (أمريكا -روسيا - إيران - تركيا).

لا يمكن تجاهل الدور الإيراني الداعم الأول للأسد في تقديم المال والسلاح وزج آلاف المليشيات، وبعد مرور أكثر من ست سنوات من حرب دولية، ترغب إيران في تعزيز وجودها السوري لأمد طويل

صحيح أن الاتفاق يحوي نقطة إيجابية عن مصير إدلب، لكن بنفس الوقت لا توجد أطراف دولية ضامنة لتحقيق الحياة المدنية، كما لم يخل الاتفاق من جوانب سلبية عدة على رأسها أنه يعطي شرعية لإيران للبقاء في سوريا،  حيث أتاح الاتفاق نشر 1500  جندي كقوات مراقبة في منطقة التصعيد الرابعة، مما يعني أن إيران تم اعتبارها دولة ضامنة للاتفاق، وهي مفارقة خطيرة ومرفوضة عند الشعب السوري، فلا يمكن لدولة احتلال مارقة تستبيح الدماء السورية منذ 2012 أن يتم القبول بها كدولة راعية لعملية السلام، يُضاف إلى نقاط السلب لأستانة الأخير عدم الحديث عن بنود العملية السياسية في جنيف، واكتفى بدعوة خجولة لإطلاق سراح المعتقلين.

السوريون في تحدٍ مع مصالح الدول الإقليمية في سوريا

على الرغم من كل الأبعاد الخطيرة على مستقبل سوريا، فإن اتفاقيات تخفيف التصعيد التي انطلقت في أيار الماضي أصبحت أمرًا واقعًا ولا يمكن اليوم إنكاره، والسؤال اليوم كيف يمكن تحويل السلب إلى إيجاب والاستفادة من الاتفاقيات الدولية لتصب في مصلحة الثورة وتحقق ذاتها وتكتسب شرعيتها رغمًا عن الدول المتآمرة على وأدها؟

السوريون وحدهم القادرون على فرض وانتزاع حقوقهم من ألسنة اللهب المشتعلة، والجواب البديهي لهذا هو التميز بين الثورة والحرب، فالغرب يعلم حقيقة المفارقة، ولكنه يتجاهلها ويظن أنه قادر على قتل الثورات إذا ما حولها إلى حالة حرب يريد أن تضع أوزارها متى شاء. بيد أن الحقيقة الماثلة في نفوس الثائرين تحتكم إلى استمرارية الثورة حتى بعد نهاية الحرب، ولن تنتهي إلا ببلوغها أهدافها وتحقيق النتائج الرامية لها استنادًا للمقدمات التي انطلقت منها.

إذًا كلما حاول الغرب قتل الثورة بفعل أدوات حرب مفتعلة، استمرت الثورة في التمدد لتندفع نحو أهدافها، ولِعلم السوريين يقينًا بالنتائج أصبح لزامًا عليهم قراءة الواقع السوري كما هو والتعامل معه بعين العاقل المنضبط وليس بعين العاطفي المنفعل، لمعرفة مكانهم ضمن هذه المعادلات المتناقضة، حتى يتنسى لهم نزع الحقوق من أفواه الطغاة.

 لا يمكن تجاهل حقيقة تحقيق التغيير الديمغرافي على يد إيران وتوطينها في دمشق، حيث القرار بات إيرانيًا، ولا يمكن تجاهل نهاية مكونات الدولة السورية بعناصرها الثلاث

وعند الحديث عن الواقع السوري، فبعد سبع سنوات لم يعد بالإمكان تجاهل حقيقة احتلال روسيا لسوريا، فبوتين عطل كل قرارات مجلس الأمن لمنع السوريين من تقرير مصيرهم، وبوتين أول من أخرج مسرحية إعادة إنتاج النظام بعد مجزرة الكيماوي في 21 من أغسطس 2013 في الغوطة الشرقية، وفرض نظام الأسد كطرف رئيس في محاربة الإرهاب، واستطاع إقناع الغرب والدول الأوروبية بضرورة حماية الأسد لضمان الاستمرار في محاربة الإرهاب، وتعاونت معه الأمم المتحدة وقدمت له مدينة حلب أواخر 2016 لتبدأ بعدها مرحلة الاستثمار السياسي للانتصارات العسكرية الروسية في سوريا التي حمل وزرها السوريون في شمال وجنوب ووسط البلاد.

كما لا يمكن تجاهل الدور الإيراني الداعم الأول للأسد في تقديم المال والسلاح وزج آلاف المليشيات وبعد مرور أكثر من ست سنوات من حرب دولية، ترغب إيران في تعزيز وجودها السوري لأمد طويل أقله الوجود المنظم بضمان طريق بري يصل طهران بيروت مرروًا بالعراق وسوريا، وهو ما يعمل عليه بوتين بلعب دور محترف ووسيط مع "إسرائيل" لإقناعها ببقاء وجود إيران في سوريا من دون السماح لها ببناء قواعد عسكرية أو جوية، بمعنى آخر وجود إيراني منزوع السيادة، وبشكل متفق عليه يضمن إزالة كل الأخطار عن مناطق النفوذ الإسرائيلي. دلالة هذا الكلام التصريحات الأخيرة لرئيس الوزراء الإسرائيلي، حيت ذكرت صحيفة يديعوت أحرنوت الإسرائيلية أن نتنياهو لن يسمح بإقامة قواعد جوية أو عسكرية لإيران في سوريا، مما يشير إلى استنتاج مباشر أن "إسرائيل" قد تقبل بوجود إيران في سوريا على أن لا يتم بناء قواعد ومطارات خاصة لإيران، فالحسم الإسرائيلي واضح وقد تكررت الرسائل لإيران من سوريا آخرها استهداف موقع في المزة بدمشق على مقربة ضيقة من مطار دمشق الدولي في 22 من سبتمبر 2017 .

على السوريين فرض تيار مدني ثوري داخل مصالح الدول المتناقضة، وتفعيل الوعي الجمعي المدني وتقبل الآخر، وأخيرًا الصبر على المصاب وعدم السماح لليأس بالتسلل لأنفسهم

كما لا يمكن تجاهل حقيقة تحقيق التغيير الديمغرافي على يد إيران وتوطينها في دمشق، حيث القرار بات إيرانيًا، ولا يمكن تجاهل نهاية مكونات الدولة السورية بعناصرها الثلاث، ولا يمكن تجاهل حقيقة نضوج مصالح الدول على حساب ثورة السوريين، عقب استثمار مرحلي في الثورة بدأ من مرحلة فرض السلاح إلى صنع وتصدير الإرهاب، وصولاً لمرحلة وأد المشاريع الإسلامية لنصل اليوم إلى مرحلة قطف الثمار.

وعلاوة على ما سبق فإن مسار أستانة الذي انطلق منذ سقوط حلب، هو السلاح الروسي الوحيد لشرعنة جرائمها واحتلالها لسوريا، لذا يحتم ضميرنا القول إن فصائل أستانة أسهمت بشكل أو بآخر في إعطاء الشرعية للمحتل الروسي، على إسكات الجبهات وإخمادها، وتفعيل الهدن والمصالحات مع النظام، واستكمال تهجير بقية المناطق آخرها حي القدم في جنوب دمشق، ولا يمكن تجاهل هذه الحقيقة الواضحة عبر خسارات المعارضة، فعقب كل جولة من أستانة خسر السوريون مناطق كانت صمام أمان لثورتهم، من وادي بردى، إلى قدسيا والهامة والمعضمية وداريا وحلب ودير الزور والبادية السورية، حتى وصل الأمر بفصائل أستانة أن يبرروا خسارتهم بالركيز فقط على إنقاذ إدلب وهو الاتفاق الذي لم يكتب له النجاح حتى اليوم.

لذا فمن المعيب على أي إنسان عاقل تجاهل كل هذه الحقائق وما هذه النتائج إلا حصاد أخطاء حدثت في سنوات الستة الماضية بفعل معارضات سياسية وعسكرية زادت من المعاناة، وهانت عليها تضحيات جمّة على حساب مصالها الخاصة.

السؤال اليوم: ما العمل لضمان الحصول على استحقاق السوريين بعدما قدموا الغالي والنفيس؟ فلم يبخل السوريون يومًا في تقديم المزيد من أجل الوصول إلى شاطئ الحرية، مليون شهيد و60 ألف معتقل استشهدوا، هو رصيد ثوري يمثل الحقيقة الأقوى من كل ما ذكرنا أعلاه، ولا يمكن تجاهلها حتى لو اضطر ذلك لفناء البشرية، لا يمكن ولن يسمح السوريين بتجاهلها. هذه الحقيقة التي يجب أن يعمل على تأكيدها السوريون أناء الليل وأطراف النهار، ومن دونها لن تحقق الدول مصالحها وإن فرضتها اليوم فلن تهنأ بها غدًا ولن يكون هناك استقرار، دون أخذ الاعتبار لحرية السوريين، فإذا ما أرادت الدول الضالعة في قتل السوريين وضع حد للفوضى، عليها أولاً التجاوب مع السوريين أنفسهم وليس مع العملاء، والحل واضح يتمثل في تطبيق العدالة ومحاسبة المجرمين ونهاية مسرحية تعويم الأسد.

ما ظهر مؤخرًا من مبادرات مدنية في الشمال السوري يشكل نواة ولبنة أولى نحو الاتجاه الصحيح، فهي مبادرات من شأنها تهيئة الأرضية والظروف الموضوعية لإدارة المنطقة بكيان مدني له هيئات سياسية منظمة

على الشعب السوري العمل على تأكيد رصيدهم الثوري، وبث الروح به كل يوم، فهو خير لهم من معارك خاسرة لا تأكل إلا أبناءها. على السوريين تحويل السلبي إلى إيجابي ومحاولة الاستفادة من الاتفاقيات الدولية، وجرها لصالح مطالب ثورتهم والضغط والتمسك بثوابت ثورتهم، وعودة الحراك المدني وتفعيل دور إدارة مناطقهم المدنية من قبل أصحاب الكفاءات، فهم أصحاب المعرفة في طبيعة العمل المدني وقادرة على إنجاحه.

على السوريين فرض تيار مدني ثوري داخل مصالح الدول المتناقضة، وتفعيل الوعي الجمعي المدني وتقبل الآخر، وأخيرًا الصبر على المصاب وعدم السماح لليأس بالتسلل لأنفسهم لأنه غاية نظام الأسد المحتفل بتحقيق التجانس على حساب السيادة السورية.

وما ظهر مؤخرًا من مبادرات مدنية في الشمال السوري يشكل نواة ولبنة أولى نحو الاتجاه الصحيح، فهي مبادرات من شأنها تهيئة الأرضية والظروف الموضوعية لإدارة المنطقة بكيان مدني له هيئات سياسية منظمة، وصحيح أن خلافًا داخليًا شاب هذه المبادرات المتعددة الأطراف، إلا أنه يعتبر خلاف واختلاف مرحلي مؤقت، لأن الأمر قد يتغير كليًا إذا ما حسمت تركيا خوض معركة مباشرة مع النصرة داخل محافظة إدلب.

وإذا ما ثبت أن هيئة تحرير الشام تدفع باتجاه تشكيل حكومة مدنية في إدلب لتقف وراءها أو لتحتمي بها، فلا شك أنه سيتم وضع نهاية لكل الفعاليات المشكوك بها والتي لا تلبي مصالح السوريين وسيستطيع الشرفاء من إطلاق حكومة جديدة تضم كل الهيئات والفعاليات والمجالس لتشكل في نهاية المطاف نتاج مجتمع مدني متعدد السلطات يمارس الديمقراطية المدنية وهذا أكثر ما يؤلم النظام في دمشق، فخروج إدلب عن سيطرة النظام بقرار دولي يعني بداية سقوطه لاحقًا.