أصبحت مشكلة التفكك الأسري من المشاكل الاجتماعية الخطيرة التي أفرزها التغير الاجتماعي السريع

نالت الحرب من السوريين على مدى سبعة أعوام من الخراب والدمار الخارجي في البنى التحتية للأبنية السكنية، ولم تكتف بهذا وحسب بل كان لها أثر سلبي على المجتمع، فيما كان لأولى سنوات الثورة رهبة غريبة ونشوة من الحرية وعبقها لدى السوريين طعم آخر استطاع النظام بآلته البعثية تدمير المجتمع السوري من كل جوانبه لم يقف على الانحلال الأخلاقي فقط ولا ضياع أجيال، إنما تدمير مجتمع كامل للتنكيل به وتحطيم الأسرة ودورها فيه، وهو الدور الأبرز في مجتمعنا السوري المحافظ على أخلاقه وعقائده الدينية والفكرية والمنهجية حتى.

وما دفع النظام السوري أن يقدم على فعلته الشنيعة هو بساطة السوريين الشديدة التي أودت بمستقبل الحرية وفي قول أحد المستشرقين: "إذا أردت أن تهدم حضارة أمة فهناك ثلاث وسائل: الأولى هدم الأسرة، والثانية هدم التعليم، والثالثة اسقط القدوة"، ولكي تهدم الأسرة عليك بتغييب دور الأم بجعلها تخجل من وصفها "ربة منزل".

الواقع السوري بعد اشتداد قسوة الأيام وتفكك المجتمع عقليًا وفكريًا وأسريًا الذي أودى بحياة الثورة عن بكرة أبيها، لتنشئ حرب مناطقية ثم طائفية وأخيرًا تكفيرية وحتى فصائلية بين فصائل المعارضة

وفي الجانب الثاني لكي تهدم التعليم عليك بالمعلم، لا تجعل له أي أهمية لدى المجتمع واعمل على التقليل من شأنه حتى يحتقره طلابه، وفي الجانب الثالث عليك بإسقاط القدوة كالعلماء والفقهاء والمفكرين وقلل من شأنهم، وشكك بهم حتى لا يسمع لهم ولا يقتدي بهم أحد.

وتلك ثلاثة جوانب يركز عليها النظام السوري وغيره من الأنظمة المستبدة في دفع آليتهم التدميرية المتخفية ضد شعوبهم، فإذا اختفت الأم الواعية والمربية ضاعت الأسرة، وإذا لم يبق معلم مخلص يحفظ عمله ويصونه ضاع العلم والتعليم، وإذا سقطت قدوة المجتمع والمرجعية، ضاع الجيل بأكمله دون تدبير، وفي أحد الأمثال الدارجة في المجتمع "إلي مالوا كبير مالوا تدبير" أي "إن لم يكن لديك مرجعًا تستعين به لن يكون لدي رأي ولا مستقبل".

هذا ما لمسته في الواقع السوري بعد اشتداد قسوة الأيام وتفكك المجتمع عقليًا وفكريًا وأسريًا الذي أودى بحياة الثورة عن بكرة أبيها، لتنشئ حرب مناطقية ثم طائفية وأخيرًا تكفيرية وحتى فصائلية بين فصائل المعارضة بتخطيط فني للمخابرات العالمية التي عملت على ذلك بشكل مسبق.

التفكك الأسري لدى المجتمع السوري

دفع ضريبة الانتفاضة السورية كان إجباريًا علينا نحن كسوريين لم يبق حتى حجر على حجر ولا أسرة مرتبطة متكاملة، والغريب في ذلك أن الذي لم يدفع ضريبته كان من نصيبه هجرة اللجوء إلى دول أخرى حين ترى نصف عائلة في المنطقة وأخرى في دولة، جميعهم مشتتون في قاع الأرض لا يدرون متى يجتمعون.

والتفكك الأسري بشكل عام والطلاق بشكل خاص يؤثر تأثيرًا سلبيًا على توفير الرعاية اللازمة للأطفال في أسرهم الطبيعية، وأن ما يترتب على الطلاق من حرمان للأطفال من أحد أبويهم ومن غياب أسلوب معين للتعامل والرعاية يكون أكثر قسوة وتهديدًا في حالة عدم تعويض الطفل عن هذا الحرمان.

فاطمة 18 عامًا هي إحدى المطلقات السوريات التي عادت إلى أهلها بعد أن طلبت الطلاق من زوجها منذ عامين ونيف، قالت: "قررت الانفصال عن زوجي بعد أن أدمن شرب الحشيش والحبوب المخدرة من أصدقائه"، فاطمة تعلم أن زوجها في الطريق الخاطئ ولم تستطع إيقافه رغم أنهم لا يملكون المال لإطعام طفليهم، فهو يدفع كامل مرتبه ثمنًا للحبوب المخدرة.

الكثير من العائلات السورية تفككت وراح ضحيتها الأطفال الذين سيدفعون ضريبة خطأ والديهم حتى نهاية أعمارهم، ويترك الطلاق آثارًا عميقة في نفسية الصغار تتحول إلى ترسبات نفسية يمكن أن تنتج اضطرابات في الشخصية كرد فعل ضد الطلاق وما يرافقه في العادة من صراع

وأضافت "تزوجنا مع بداية الأحداث فهو كان موظف في أحد المصانع التابعة للدولة، وفور دخول الجيش السوري الحر إلى مدينة حلب في عام 2012، هربنا من القصف إلى معبر باب السلامة"، وأوضحت "هنا زوجي انخرط في صفوف الجيش السوري الحر وأصبح لديه شلة تأخذه إلى هنا وهناك ثم علمت أنه أدمن شرب الحبوب والحشيش من أحد أقاربه صبرت عامين ليقلع عنه لكنه زاد أكثر رغم أننا كثير من الأيام لا نجد طعامًا نأكله حتى طلبت الطلاق منه". 

وعلى هذا المنحى الكثير من العائلات السورية تفككت وراح ضحيتها الأطفال الذين سيدفعون ضريبة خطأ والديهم حتى نهاية أعمارهم، ويترك الطلاق آثارًا عميقة في نفسية الصغار تتحول إلى ترسبات نفسية يمكن أن تنتج اضطرابات في الشخصية كرد فعل ضد الطلاق وما يرافقه في العادة من صراع، أو تنتج أنواعًا من الانحراف والتشرد وخاصة عند غياب دور الوالدين الإيجابي للتخفيف من تأثير الطلاق في السنوات المبكرة من حياة الأبناء وبوصف أخص عندما يكون التفكك في الأسر من أوساط فقيرة، فالفقر والصراعات بين الآباء والأمهات والطلاق كلها أمور تؤثر على نفسية الطفل الحساسة. 

فيما لا يقتصر تأثير تفكك الأسرة على حرمان الطفل من الرعاية الأسرية الطبيعية، بل قد يترتب عليه آثار سلوكية سيئة، كأن ينحرف الأطفال عن السلوك السوي ويشكلون خطرًا على أنفسهم ومجتمعهم، والأطفال في الأسر المتفككة بالطلاق أو بوفاة الأب أو الأم أو وفاتهما معًا يكونون أكثر عرضة للانحراف، وأن كل هذه العوامل تعرض الطفل للإهمال والمتاعب التي لا نهاية لها.

ومن جانب آخر غياب المحاكم الشرعية في المناطق المحررة كالشمال السوري هو الكارثة العظمى التي تواجهنا في المستقبل الصاعد، ولتخطي هذه الخطوات علينا العمل من الآن على الجيل الذي سيبني سوريا حرة أبية تبتعد عن الطائفية تمتلئ سلمية شعبية لا بعثية.

الحرب وتشرد العوائل السورية كان نتاجًا لكل التفككات الاجتماعية وضيق أحوال السوريين واقتراب المجتمع الأنثوي من المجتمع الذكوري كان له السبب الأسمى خاصة في مخيمات اللجوء، وبالإضافة لغياب الضمير الجمعي وهو الأمر الذي أدى إلى ظهور قيم وعادات اجتماعية جديدة على حساب غياب عادات وقيم المجتمع الأصلية

وفاطمة هي إحدى الحالات التي حصلت إلا أن كثير من الأحيان تكون الأم هي التي أوقعت أسرتها في الجحيم بعد ترك عائلتها والهرب مع شخص آخر تعرفت عليه مؤخرًا في المخيمات.

وصبري 25 عامًا يعمل في إحدى المنظمات الإنسانية في ريف حلب الشمالي، يقول: "في إحدى الليالي تركتني زوجتي وهربت مع عشيقها من المخيم دون أي علم لي وهي أم لثلاثة أولاد"، علم صبري مؤخرًا أن زوجته ستهرب مع عشيقها وتتركه لكنها فعلت رغم أنه أسماها بأقاويل.

وأضاف "بحثت عنها كثيرًا لكنني لم أجدها في كل المنطقة، فأنا لدي عمل وثلاثة أولاد لا يمكنني تركهم في الخيمة وحيدين"، وأخبره أحد أقاربه أنها تزوجت من شخص يدعى كامل يعمل في أحد المصانع في تركية.

وأصبحت مشكلة التفكك الأسري من المشاكل الاجتماعية الخطيرة التي أفرزها التغير الاجتماعي السريع وما صاحبه من آثار سلبية أثرت على بناء وتركيبة الأسرة وأنماطها، كما أدى هذا التغير إلى تغير في الأدوار الاجتماعية لأفرادها خاصة وظيفة المرأة ومكانتها في المجتمع نتيجة خروجها للعمل ربما للحاجة، وربما أن الفقر الذي أجبرها.

وبالتالي الحرب وتشرد العوائل السورية كان نتاجًا لكل التفككات الاجتماعية وضيق أحوال السوريين واقتراب المجتمع الأنثوي من المجتمع الذكوري كان له السبب الأسمى خاصة في مخيمات اللجوء، وبالإضافة لغياب الضمير الجمعي وهو الأمر الذي أدى إلى ظهور قيم وعادات اجتماعية جديدة على حساب غياب عادات وقيم المجتمع الأصلية.

ويجب علينا كسوريين المحافظة على العوائل التي أصبحت عرضة لهذا الأمر والأخذ بهم لعدم وقوعهم في مشاكل تودي بجيل كامل منعدم أخلاقيًا ومتفكك اجتماعيًا.