بدأ التعليم يفقِدُ قيمته في اليوم الذي أصبح جَلّ همّ الطالب هو الحصول على شهادة تؤهله الى وظيفة حكومية أو خاصة

يعتبر ملف التعليم في العراق من الملفات المهمة والحساسة جدًّا، خصوصًا في ظل تقلبات الواقع العراقي من احتلال وتدمير للبنية التحتية إلى حرب طائفية، وبعدها حرب داعش الأخيرة، كل هذا ألقى بظلاله على الواقع التعليمي، ونتيجة لأسباب متعددة أصبح التعليم في العراق في حالٍ لا يحسد عليه، من ضعف قدرات مديريات التربية على المساهمة في التطوير والبناء، وضعف قدرات الكادر التربوي والتعليمي مهاراتيًا ومعرفيًا، وغياب الجانب العملي والتطبيقي في المناهج الدراسية، مع ملاحظة ضعف شغف الطالب بالتعليم ورغبته بالحصول على المعرفة.

مديريات التربية ومساهمتها بتطوير المدارس

تعتبر مديريات التربية العصب الأساسي لإدارة المدارس وتنظيم الدوام وتوزيع المناهج، بالإضافة لعملها على تطوير المناهج الدراسية، وفيها قسم الإشراف الذي يقوم بزيارة المدارس للاطلاع على الواقع التعليمي وتقييم المدرسين من حيث الكفاءة العلمية والمهارية، وكذلك العمل على صيانة المدارس وتطويرها، هذا أهم ما يمكن أن تقوم به مديريات التربية.

في العراق ربما أصبح الأمر مختلفًا قليلًا، فمديريات التربية لا تقوم بكل هذه الأعمال، وأصبحت المدارس في حالٍ يرثى لها، فالبنايات المدرسية متهالكة وبعضها مضى عليه عقودٌ طويلةٌ جدًا ولم تحصل على صيانة أو إعادة بناء، فضلًا عن أن الصفوف أصبحت مكتظة بالطلبة، فالصف الذي لا يتسع لعشرين أو ثلاثين طالبًا، يدرس فيه ما يقرب من خمسين إلى ستين طالبًا، مما فاقم الأزمة في المدارس وأثّر على نوعية التعليم.

وحتى تساهم مديريات التربية بتطوير التعليم في المدارس عليها أن تتبع خطوات معينة:

1. إنسانية التعليم، أن تهتم المديريات برفع المستوى الإنساني والعمل على خلق جو من الراحة داخل المدرسة.

2. تقليل عدد الطلبة داخل الحجرة الدراسية، لا ينفع تعليم ممتاز ومنهج دراسي متميز في حجرة دراسية يتجاوز عدد الطلبة فيها الخمسين.

ينصبّ الاهتمام في مديريات التربية حول العالم على رفع مستوى المعلم والمدرس ليمتلك العديد من المهارات المتعددة التي تساعده على إيصال المادة الدراسية وفي نفس الوقت التركيز على الطالب والاهتمام

3. المنهاج الدراسي والعمل على تطويره وتقليل مفرداته لكي يستوعب الطالب المطلوب منه خلال العام الدراسي، ولا تكون المادة مجرد تراكم دون فهم واستيعاب.

4. الاهتمام برفع مستوى المعلمين والمدرسين مهاراتيًا ومعرفيًا، وتفعيل دور الإشراف التربوي ليقوم بتوجيه المدرس إلى مواطن الضعف والقوة والعمل على تقويتهما ورفع المستوى العام.

وتبقى لهذه النقاط المذكورة تفاصيل كثيرة لتتحول إلى مشاريع قائمة تنهض بالمدارس العراقية التي عانت كثيرًا وما زالت تعاني من نقص في مستوى التعليم والتعامل اللاإنساني.



صورة تظهر اكتظاظ الصف بالطلبة بإحدى المدارس في العراق

التربويون وإمكاناتهم المهارية والمعرفية 

ينصبّ الاهتمام في مديريات التربية حول العالم على رفع مستوى المعلم والمدرس ليمتلك العديد من المهارات المتعددة التي تساعده على إيصال المادة الدراسية وفي نفس الوقت التركيز على الطالب، فالتعليم إن لم يكن محوره الطالب فلا جدوى منه، يتفق مع هذه الرؤية الأستاذ مهند حازم المدرس في ثانوية الموهوبين، حيث قال: "التعليم حجر الزاوية في نهضة الدول ورقيها، فهو مؤشر مهم لحرية العقل واستثماره، حيث يمثل: المدرس والطالب والمنهج والبيئة، الأركان الأساسية للتعليم التي تكون تحت مركزية الإدارة العامة المتمثلة بوزارة التربية ومديرياتها العامة".  

ويضيف حازم "مع التغيرات الكثيرة والسريعة في واقعنا، برز التعليم بصورة مشوهة نوعًا ما، بدايةً بقرارات لا تحاكي التجارب الناجحة، فتظهر صورها بشكل قبول الأساتذة للتعليم بالاعتماد على درجاتهم وسنوات تخرجهم وزواجه من عدمه وما له من أولاد، مستثنين من كل ذلك إمكانية خضوع الأساتذة إلى امتحان للقبول يتضمن المواد المعرفية والمهارية (نظرية وعملية)".

بدأ التعليم يفقِد قيمته في اليوم الذي أصبح جل هم الطالب هو الحصول على شهادة تؤهله إلى وظيفة حكومية أو خاصة

ويتابع حازم: "ثم صورة أخرى تظهر بمنهج لا يضاهي التغييرات العملية الحديثة المتطورة، يعتمد الجزء النظري ويفتقد إلى المختبرات والتجارب واستخدام الوسائل والأساليب الحديثة، بالإضافة إلى تخبطات القرارات وعدم توفير الاحتياجات ومستلزمات المدارس بشكل وافٍ وعدم وجود مدارس بمواصفات رصينة، كل ذلك وأكثر ألقى ظلاله على تدني مستوى الأستاذ في التدريس، مما جعل التعليم مجرد باب لكسب الرزق فقط".

ويلفت حازم النظر إلى أن المدرس: "أصبح منشغلاً بعدد الأيام لكسب الراتب، أو بالتدريس الخصوصي أو بعدم تطوير معارفه ومهاراته، معتمدًا على ما يملكه من ذلك منذ تعليم الكلية فقط، فاقدًا شغفه بذلك ليصبح دون رسالة".  



معلمة تعطي درسًا لطلابها في الصف

مدى شغف الطالب بالتعليم

بدأ التعليم يفقِد قيمته في اليوم الذي أصبح جل هم الطالب هو الحصول على شهادة تؤهله إلى وظيفة حكومية أو خاصة، وأصبح الطالب يحرص على التعليم لأجل أداء الاختبارات والنجاح، متناسيًا كل شيء تعلمه بعدها، الأستاذ مهند حازم يعلل السبب قائلًا: "من كل ما سبق كان للطالب نصيبٌ منه، فالحافز المفقود، والواقع غير مطمئن ومستقبل وأمن مجهول، لا يستطيع الطالب أن يظهر فيه كل مكنوناته ليعيش هنيئًا بوظيفةٍ أو عمل، دفعت الطالب للانكفاء على ذاته ومحاولة تجاهل هذا الحال بالابتعاد عن الدراسة والبقاء لساعاتٍ طويلة على شبكات التواصل الاجتماعي، والانشغال بالألعاب والبحث عن عمل مبكرًا من أجل توفير لقمة العيش".

التعليم ضرورة ملحة في المجتمعات وسبيل من سبل النهضة وتقدم الأوطان، وكل جهد يبذل في هذا المجال يلقي بظلاله على تحسين واقع المجتمع ورفع مستوى المسؤولية

ويضيف حازم: "يفتقد الطالب للتحفيز، بينما يعيش الأستاذ صراع المظلومية من جهة، ويلقي اللوم على غيره من جهة أخرى"، ويتابع: "قلة المتابعة وإقامات دراسات إستراتيجية توصّف الحال، وتبين المشكلة وتعرض الحلول وتفعّل تطبيقها وتقييمها، وتقوّم حالها، مما جعل التعليم يسير في زوبعة ريح".



اختبارات للطلبة في إحدى المدارس العراقية

إن التعليم ضرورة ملحة في المجتمعات وسبيل من سبل النهضة وتقدم الأوطان، وكل جهد يبذل في هذا المجال يلقي بظلالها على تحسين واقع المجتمع ورفع مستوى المسؤولية، فالاهتمام بالكوادر التربوية تدريبًا وتعليمًا وتثقيفًا، والعناية بهم وتوفير أرزاقهم بشكل كافٍ، يعطي الأستاذ الراحة ويجعله أكثر إنتاجية، بالإضافة إلى الاهتمام بالبيئة التربوية وجعلها ملائمة لوجود الطلاب من حيث سعة الصف لعدد جيد من الطلاب، والعناية بالمرافق الأخرى من وجود حمامات صحية نظيفة ومختبرات وساحات للرياضة، والتركيز على مهارات الطالب وتنمية مواهبه وتطويرها، ويبقى ملاحظة المناهج الدراسية وتطويرها باستمرار لتكون متواكبة مع التغيرات المستمرة، وكذلك التركيز على الجانب العملي منها، فالاهتمام بهذه الثلاثية (الأستاذ، البيئة والمنهج، الطالب)، يعطي تعليمًا منتجًا يساهم في البناء والنهوض بالبلد.