الشعب الفلسطيني شعب مكلوم موجوع يؤلمه أي جرح في كف الإنسانية ويتأثر بأي ظلم يطال أصوات الحرية والديمقراطية

تابع الشارع الفلسطيني أحداث وتطورات قضية اغتيال الكاتب السعودي جمال خاشقجي داخل سفارة بلاده في إسطنبول بتركيا، وانشغل في متابعة مجريات التحقيق فيها وكشف ملابساتها وخفاياها، ودارت في منتدياته الشبابية وملتقياته الحوارية وعلى مسطبات الحَواري والأحياء العامة والمقاهي، نقاشات وحوارات وتفسيرات وتحليلات شتى، تناول فيها الفلسطينيون الموضوع من جوانبه المختلفة وأطلقوا مشاعرهم المتراكمة حنقًا وغضبًا جراء ما حدث للشهيد خاشقجي من استدراجه وقتله وتقطيع أوصاله وإخفاء جثته في سلسلة متواترة من الجرائم المقصودة مع سبق الإصرار والترصّد، فكيف وهو الرجل العروبي الشهم الذي لم ينل حقه في الحياة الكريمة الهادئة وموت طبيعي رحيم لا إجرام فيه، وتشييع ودفن وعزاء يليق بمقام كاتب ومفكر مثله.

لدى الشعب الفلسطيني ما يكفيهم ويشغل بالهم ويستحوذ على اهتمامهم ووقتهم فيما يخص ويتعلق بقضيتهم الفلسطينية وهمومها وما يعانون منه بشكل يومي من تبعات سياسات الاحتلال الإسرائيلي الإجرامية والعنصرية، لكنهم مع ذلك وجدوا وقتًا كافيًا من بين تلك الهموم والانشغالات للتضامن مع الشهيد خاشقجي والتنديد بجريمة قتله بهذا الشكل اللاأخلاقي واللاإنساني، وساهموا في نشر فضائله وترويج مواقفه وخطاباته ومقالاته التي انتصر فيها لمظلومية الشعب الفلسطيني وطالب بإنصافه وإحقاقه حقوقه ورفع الظلم عنه.

حث الشهيد خاشقجي مرارًا وتكرارًا في مواقف شجاعة وجريئة ومتزنة ولي العهد السعودي محمد بن سلمان بكف ماكينته الإعلامية عن مهاجمة الفلسطينيين وتشويههم

وقد استعرضت شبكة قدس الإخبارية بعض مواقف الشهيد موضحة أن القضية الفلسطينية لم تكن بالنسبة للصحفي السعودي جمال خاشقجي أمرًا عاديًا، بل دافع عنها وساندها منذ شبابه وحتى اللحظات الأخيرة لحياته، ولم تكن آراؤه مقتصرة على لقاءات تليفزيونية بل وثق النشطاء على مواقع التواصل الاجتماعي منشوراته التي تحدث عن فلسطين فيها قبل يومين فقط من اغتياله.

يَحفظ الإنسان الفلسطيني للشهيد المغدور جمال خاشقجي أنه لم يتوان للحظة في رفض سياسات محمد بن سلمان منذ توليه زمام القيادة في المملكة العربية السعودية وإجراءاته المتعلقة بالتطبيع مع "إسرائيل" وجناياته وتجاوزاته بحق الشعب الفلسطيني وقضيته، ويُقدّر الفلسطينيون جهود خاشقجي وعمله الدؤوب لكبح جماح الغزو الفكري والاجتماعي للدول العربية والخليجية على وجه الخصوص، الذي يهدف إلى تقبل دولة الاحتلال الإسرائيلي كجزء أساسي وطبيعي في المنطقة وتشريع بقائها بأرض فلسطين كأرض يهودية لهم فيها حق تاريخي وشرعي، وتغيير صورة "إسرائيل" في العقل الجمعي العربي من دولة عدو مغتصب قائم كيانه على التطهير العرقي للفلسطينيين ومتمكن بالمذابح والمجازر ضد المدنيين العزل، إلى صديق حميم مقبول في كل الصروح والمطارح، وجار متحضر لطيف ومأمون الجانب، وهذا إطلاقًا أكبر وأعظم المخاطر التي تواجه القضية الفلسطينية، وقد تطوع ابن سلمان ودشن هذه المرحلة وأسس لها والأدلة هنا أكثر من أن تذكر وإن كان يكفي الإشارة إلى الفيلم الوثائقي الذي عرضته قناة العربية مؤخرًا تحت عنوان النكبة.

المفاضلة في الشارع الفلسطيني بين ابن سلمان وجمال خاشقجي تتعلق في الدرجة الأولى بمواقف كل منهما من القضية الفلسطينية

وقد حث الشهيد خاشقجي مرارًا وتكرارًا في مواقف شجاعة وجريئة ومتزنة ولي العهد السعودي محمد بن سلمان بكف ماكينته الإعلامية عن مهاجمة الفلسطينيين وتشويههم، وربما يكون ذلك من مجموعة الأسباب التي سولت للنظام السعودي الإقدام على قتله، الكاتب الفلسطيني الدكتور مصطفى اللّداوي تساءل في مقال له "ألا يحق لنا نحن الفلسطينيين أن نتضامن مع جمال خاشقجي، وأن نقف إلى جانبه وندعو الله له، وأن نؤيده في قضيته وندافع عنه، وأن نتهم من تآمر عليه وغيَّبه، وأن ندين من غدر به واستدرجه، فقد والله سبقنا بمواقفه، وسلفنا بتضامنه، وقد جاء وقت الوفاء له والصدق معه".

https://twitter.com/saudibus222/status/1052925280954839040

المفاضلة في الشارع الفلسطيني بين ابن سلمان وجمال خاشقجي تتعلق في الدرجة الأولى بمواقف كل منهما من القضية الفلسطينية، فكلما ارتفعت قيمة ومكانة محمد بن سلمان في "إسرائيل" انخفضت في الشارع الفلسطيني، وعلى ذات المنوال يهيم الفلسطينيون حبًا وتعظيمًا في كل من يقف بجانبهم وينصرهم ولو بالكلمة، وكم تمنى الفلسطينيون أن ليت وقف ابن سلمان على الحياد لا هو مع فلسطين ولا مع "إسرائيل"، فالفلسطيني لا يغفر ولا يتسامح مع من يفرط في حقوقه أو يساوم عليها، ولا يخضع تفسير الفلسطيني للتطبيع مع الاحتلال الإسرائيلي لميزان القوى والأمر الواقع وضرورات المصالح الشخصية والفئوية، إنما مقياسه متجسد في سيل دمه النازف دون وطنه وتضحياته وصموده وصبره على القيد والعض على الجراح التي رافقت مسيرة حريته منذ فجر نكبته، ويمقت أن يذهبها شاب طامع في الحكم هباءًا منثورا!

الكاتب الفلسطيني ساري عرابي كتب تحت عنوان "جمال خاشقجي.. مصيرنا في مأساة شخص!": "أننا حينما نهتمّ بقضية جمال خاشقجي، نحارب دون أعمارنا، ودون أرزاقنا، ودون مستقبل أطفالنا، هذا ونحن في الوقت نفسه ننهض بوظيفة الإنسان في هذه الأرض، بتحقيق كرامته الآدمية حين تحريرها من العبودية لغير الله".

لم يقبل الشارع الفلسطيني موقف قيادة السلطة الوطنية الفلسطينية الداعم للسعودية في قضية خاشقجي

ومع ذلك تلمح في أحاديث الشارع الفلسطيني تأسفًا على ما حل بالمملكة العربية السعودية التي تحمل بين ضلوعها أقدس وأطهر بقاع الأرض، جراء سياسة ولي عهدها المتهور، وخشيتهم من أن يهوي بالمملكة إلى أردى الدركات.

الروائي والصحفي الفلسطيني ربعي المدهون، عبر في موقف مسؤول وشهم عن المشاعر الفلسطينية الرافضة للجريمة والمتضامنة مع الضحية بتقديمه استقالته من العمل في صحيفة الشرق الأوسط السعودية الصادرة في لندن ويعمل فيها منذ 18 عامًا على خلفية موقفها من قضية خاشقجي، وقد كتب في منشور له على حسابه في فيس بوك: "ما حدث بعد ظهر 2 من أكتوبر الحاليّ، وضع حدًا لكل شيء، كل شيء، قلب حياتي التي كانت ترتب خطواتها لتقاعد هادئ "آمن"، كان مقتل الصحفي السعودي جمال خاشقجي صادمًا. كان مفزعًا، مرعبًا، موجعًا، مفجعًا، مؤلمًا، بشعًا وغير مسبوق، يستحق كل من خطط لقتل جمال أو شارك في قتله، عقوبة بحجم الجريمة وطبيعة دوره فيها.. سلامًا جمال".

لم يقبل الشارع الفلسطيني موقف قيادة السلطة الوطنية الفلسطينية الداعم للسعودية في قضية خاشقجي واستهجن التصريحات التي عبر فيها الرئيس محمود عباس عن ثقته المطلقة بالمملكة العربية السعودية والملك سلمان بن عبد العزيز، وولي عهده الأمير محمد بن سلمان، مشددًا فيها على أن فلسطين كانت وما زالت وستبقى إلى جانب المملكة، وقد رفضوا تصريحات عباس واستاءوا منها واعتبروها وقوفًا مع ظالم، وبيعًا للرأي الفلسطيني تجاه قضية إنسان بريء، مقابل مبالغ مالية.

الشعب الفلسطيني شعب مكلوم موجوع يؤلمه أي جرح في كف الإنسانية ويتأثر بأي ظلم يطال أصوات الحرية والديمقراطية ويضايقه ملاحقة أصحاب الرأي والزج بهم في غياهب السجون أو إعدامهم بدم بارد، فتجده يبكي في كل محراب للحق وينوح في مواكب الأمل المتدلي على أعمدة الطغاة والجبابرة في شتى بقاع الأرض.