اكتسبت الثورة الصناعية الرابعة بالفعل زخما لتصبح حديث الساعة.

ترجمة وتحرير نون بوست

لا بد أن نعترف بأننا نشهد بالفعل "الثورة الصناعية الرابعة" التي تثير قلق الكثيرين وتدفع العديد من الأشخاص إلى التفكير في مستقبل تحل فيه الآلات محل الإنسان. وسنقوم من خلال هذا المقال بمراجعة بعض التغييرات التي طرأت على الثورات الصناعية السابقة لمعرفة آثارها وكيف أصبحت جزءًا لا يتجزّأ من حياتنا اليومية في الوقت الحالي. وبعد ذلك، سننتقل إلى البعض من الاختراعات العديدة الكبرى التي وعدت بها الثورة الصناعية الرابعة لنتبيّن كيف أنه مع مرور الأيام اتضح أن هذا المفهوم الجديد يعتبر أمرًا إيجابيًا.

 

ما هي الثورة الصناعية؟

تعرف الثورة الصناعية بأنها فترة تاريخية تخلّلتها تغيرات كبرى على مستوى طريقة الإنتاج التي ساهمت تدريجيًا في تحويل معظم بلدان العالم إلى مجتمعات صناعية. وقد تميّزت هذه الفترة باستخدام التقنيات الجديدة التي تم توظيفها في عمليات الإنتاج الشامل.

أثارت تلك الأيام مخاوف لدى العديد من الأفراد لا سيما في ظل التغيرات والتطورات التي تحققت بفضل التكنولوجيا. ومع ذلك، بإمكاننا أن نلاحظ بوضوح أن جميع تلك التقنيات ساهمت في تحسين النمط الحالي لحياة الإنسان. وتعتبر الابتكارات الآتي ذكرها من أبرز الاختراعات التي رافقت الثورة الصناعية الأولية والتي أثّرت بشكل كبير على العالم.



الهاتف

يعزى فضل اختراع الهاتف في سنة 1876 إلى ألكساندر غراهام بيل. وتمثّلت مهمة هذا الجهاز في نقل الأصوات من خلال سلك بواسطة الإشارات الكهربائية. ويندرج الهاتف ضمن قائمة أهم الاختراعات نظرا للثورة التي أحدثها في عالم الاتصالات.



السيارة

في سنة 1885، عمل كارل بنز على تطوير أول سيارة تعمل عبر الاحتراق الداخلي على شكل دراجة ثلاثية العجلات. وقد جُهّزت هذه السيارة بمحرك صغير رباعي الأشواط، وأسطوانة واحدة أفقية، ومازج أو ما يعرف بالكربراتير علاوة على جزء يعمل بواسطة المياه ويقوم بتبريد محرك السيارة.



الطائرة

اخترع الأخوان رايت من الولايات المتحدة أول طائرة. ظهرت الفكرة في سنة 1899 وبحلول 17 كانون الأول/ ديسمبر 1903، قام الأخوان بالتحليق لأول مرة.



المصباح الكهربائي

في سنة 1809، اخترع همفري ديفي المصباح الكهربائي الأول الذي نجح في الإنارة لمدة 14 ساعة متتالية. وفي وقت لاحق، عمل توماس ألفا إديسون على تطوير هذا الاختراع إلى أن اكتشف المصباح طويل الأمد. كما ذُكر آنفا، أدت هذه التطورات إلى تعزيز جودة حياتنا اليوم. وقد بدأت الثورة الصناعية الرابعة أيضًا بتطوير تكنولوجيا جديدة من شأنها أن تُوظّف في عمليات الإنتاج. وفي هذه الحالة، من المتوقّع أن يكون جهاز الروبوت الصناعي والأجهزة المتصلة بإنترنت الأشياء من بين أهم التقنيات للثورة الصناعية الرابعة والتي تتمثّل في:

 

إنترنت الأشياء

 



 

تعد إنترنت الأشياء من أولى الإنجازات التكنولوجية التي يُتوقع أنها ستميّز الثورة الصناعية الرابعة. ومن المحتمل أن تلعب هذه التكنولوجيا الناشئة دورًا رئيسيًا خاصة عند دمجها مع الاتصال بشبكة الإنترنت والأجهزة الالكترونية. ونظرًا لإمكانية التحكم عن بعد في الأجهزة ومراقبتها، تتوفر احتمالات لامتناهية تسمح بتطبيق إنترنت الأشياء في جميع قطاعات المجتمع. فعلى سبيل المثال، عندما يتعلّق الأمر بمجال البيئة والتنمية المستدامة، يمكن للأجهزة القائمة على تقنية إنترنت الأشياء، بما في ذلك أجهزة الاستشعار، أن تساعد بشكل كبير على الحد من تلوث الهواء.



من جهة أخرى، تسهّل إنترنت الأشياء الحياة الحضرية من خلال بناء مبان تتسم بمزيد الفعالية في توفير الطاقة وضمان الإنارة الآمنة في الشوارع. وتعتبر برشلونة في الوقت الحالي واحدة من أهم الأمثلة، حيث تعرف بمدينة الواي فاي نظرا لارتباطها ببرنامج منصة تحليل البيانات وأجهزة الاستشعار. لذلك، يساعد هذا الأمر على الإضاءة الآلية للشوارع، والري من خلال التحكم عن بُعد، وتكنولوجيا المياه الذكية، فضلا عن مواقف السيارات الذكية التي تعمل بالتحكم عن بعد، وطرق الحافلات الرقمية وغيرها.

 

الطباعة ثلاثية الأبعاد



تتمثّل الطباعة ثلاثية الأبعاد تقنية أخرى مثيرة للاهتمام يُرجّح أن تكون جزءا من الثورة الصناعية الرابعة. وتنطوي هذه التقنية على ترسيخ الأدوات التي تُدار بواسطة الحاسوب من أجل تصميم أغراض ثلاثية الأبعاد. وقد تُثبت هذه التكنولوجيا أنها بمثابة المنقذ الحقيقي في المستقبل إذ تُستخدم في العديد من التطبيقات المدهشة. كما يمكن أن تساعد الطباعة ثلاثية الأبعاد في جعل الثورة الصناعية الرابعة أكثر استدامة.



وفقًا لتقديرات المنتدى الاقتصادي العالمي، تتضمّن الثورة الصناعية الرابعة تحويلات رقمية بقيمة 100 تريليون دولار. وتحتل الطباعة ثلاثية الأبعاد الصدارة نظرا لقدرتها على إعادة تشكيل القطاع بأكمله والتخفيض من التأثير العام على البيئة والكوكب.



البيانات الضخمة

تعد البيانات الضخمة وسيلة ذات أبعاد عميقة إذ تسمح بالحصول على معلومات أكثر شمولا وبالكشف عن المعنى الحقيقي، إلى جانب توفير شرح لكميات هائلة من البيانات غير المنظمة. وعادة ما تستخدم هذه العملية في الوقت الذي لا توفر فيه العمليات التقليدية أداء يضاهي تقنيات المناولة وتعجز عن استخراج البيانات بشكل جيد.



من الجلي أن كلا من الهواتف الذكية والبيانات الضخمة تلعب دورا رئيسيا في الثورة الصناعية الرابعة باعتبار قدرة هاتين التقنيتين على تتبع استهلاك الجماهير لوسائل الإعلام وتعقب جميع بيانات التسوق الخاصة بهم بنجاح. وتعد البيانات الضخمة عاملا بالغ الأهمية في الثورة الصناعية الرابعة نظرًا لأن الاستخدام الفعال والمحسن لتحليل البيانات الضخمة من شأنه أن يحقق أرباحًا تبلغ مليارات الدولارات خلال السنوات القليلة المقبلة. ومن المتوقع أن يشهد المستقبل خلق فرص عمل جديدة تهدف إلى تسخير قدرة البيانات الضخمة واستخدامها على نحو مجد.



الذكاء الاصطناعي

من المحتمل أن تواصل تقنية الذكاء الاصطناعي حل المشاكل العالمية المتفاقمة إثر الثورة الصناعية الرابعة. وفي الوقت الحاضر، بلغت هذه التكنولوجيا مرحلة متقدمة من التطور. لقد أصبح من الواضح جدًا أن تقنية الذكاء الاصطناعي ستطبّق على مجموعة واسعة من الصناعات القائمة على التطبيقات التجارية والاجتماعية والصناعية. من هذا المنطلق، يعتبر الذكاء الاصطناعي المحرك الرئيسي للثورة الصناعية في نسختها الرابعة.



تظهر آثار الذكاء الاصطناعي بوضوح في كل من العمليات السياسية والشركات وكذلك المنازل، إذ تُستخدم هذه التقنية في مجالات متعددة بما في ذلك في توفير الرعاية لكبار السن، والتخزين في المستودعات والسيارات ذاتية القيادة. علاوة على ذلك، يتمتع التقدم السريع في التعلم الآلي ونظام الذكاء الاصطناعي بالقدرة على التأثير على الحياة اليومية للبشر وتعزيز الشفافية والمساءلة والخصوصية.



الروبوتيات



من المرجح أن يقدّم مجال الروبوتيات أداء رائعا في الثورة الصناعية الرابعة، حيث بإمكان الروبوتيات الحلول محل البشر وإنجاز جميع الأنشطة البشرية في المستقبل. ويُتوقع أن تقوم هذه التكنولوجيا المبتكرة بإنجاز العمل نيابة عن ذوي المهارات المحدودة وأتمتة الوظائف في جميع أنحاء العالم. وقد تساهم الروبوتات أيضا في تحقيق توازن أفضل بين العمل والحياة الخاصة للأشخاص في سبيل أن يتمكن البشر من إنجاز مهام مبتكرة بدلا من تلك المتكرّرة. وتشكل الروبوتات جزءًا أساسيًا من الثورة الصناعية إذ باشرت العمل بالفعل على تقديم الرعاية لكبار السن والإحاطة بالشباب.

 

الواقع الافتراضي والواقع المعزز

تَعِد الثورة الصناعية الرابعة بترسيخ كل من الواقع الافتراضي والواقع المعزز. وفي الحقيقة، قد تعمل هذه التكنولوجيا على تعزيز جميع النظم الفيزيائية الإلكترونية وتوفير قيمة ممتازة للعملاء في إطار مجموعة متنوعة من المجالات والقطاعات. وتشير التوقعات إلى أن هاتين التقنيتين قد تساعدان في التحول الرقمي للمجال الصناعي. ويضطلع كل من الواقع الافتراضي والواقع المعزز بدور أساسي في الثورة الصناعية الرابعة، حيث لا يقتصر هذا الدور على الترفيه والألعاب فحسب، بل يخوّل أيضا إلى طلبة الطب مزيد التعلّم عن الجراحة دون الحاجة إلى وجود جسم مادي.



ستحلّ متاجر البيع بالتجزئة محل غرف تغيير الملابس والقواعد التقليدية من خلال مرايا الواقع المعزّز. وبالتالي، تؤثر هذه التقنيات على تجارة التجزئة والرعاية الصحية والسفر والتعليم والعقارات والرياضة وجميع أنواع القطاعات في الوقت الحاضر. كما نجحت هذه التقنيات بالفعل في ترك بصمتها في جميع أنحاء العالم، إذ تُستخدم على نطاق واسع في مجالات عدة. بالمختصر، تحدد هذه التكنولوجيا ملامح مستقبلنا الذي لا مفر منه.



في حال كنت ترفض البقاء عالقًا في الماضي، فإنه ينبغي عليك أن تتأهب لما سيحدث مستقبلا. ويجدر بك البدء بتعلم طريقة دمج التقنيات الجديدة في العمليات التجارية الخاصة بك، وكيفية التواصل رقميا مع العملاء، فضلا عن الاطلاع على طرق تبنّي استراتيجيات الثورة الصناعية الرابعة وما إلى ذلك.

 

احتمالات ظهور ثورة صناعية رابعة

لم يكن مسار كل من الثورات الصناعية السابقة سهلا أو مباشرا فقد عرفت طبيعة الأعمال تحوّلات عدة وتسببت المكننة إلى جانب عملية الإنتاج الشامل في انتقال ملايين الأشخاص من المجال الزراعي إلى العمل في المصانع والمدن. بالإضافة إلى ذلك، سمح استخدام أجهزة الحاسوب وتطوير وسائل النقل بإنشاء سلسلة من الإمدادات الشاملة التي تتسم بمرونة أكبر، والتي نجحت في عبور الحدود وتحويل الأسواق المحلية إلى أسواق عالمية.



مع الأخذ بعين الاعتبار جميع هذه العوامل، دارت محادثات حول ظهور ثورة صناعية رابعة تقوم على التحول الرقمي. في الواقع، انتقلت البشرية من محرك البخار إلى الطاقة الكهربائية والإنتاج بالجملة، لتمرّ لاحقا بمرحلة تكنولوجية ذات طابع آلي، أو ما أسماه بعض الخبراء بمجتمع ما بعد الصناعة، لتبلغ العصر الرقمي الذي نشهده اليوم. تتسبب هذه المرحلة الجديدة في حدوث تغيرات فائقة السرعة في المجال الصناعي وعلى مستوى الطريقة التي تتعامل من خلالها الشركات مع الأسواق والعملاء والطلب على منتجاتها.

بعبارة أخرى، ينجر عن هذا التحول مجموعة من التغيرات المدمرة فيما يتعلّق بالتطور العلمي والتكنولوجي، نتيجة تقارب أداء التقنيات الرقمية والفيزيائية والبيولوجية. كما ذُكر سابقا، تقوم الثورة الصناعية الرابعة على الأتمتة الكاملة للتصنيع، ما يُتوقّع أنه سيعود بالنفع على العديد من الأشخاص من جهة وسيتسبّب في ظهور جملة من المخاطر من جهة أخرى.



تتطلب الثورة الصناعية الرابعة التفكير بشكل أفقي من أجل توحيد الصناعات والتخصصات التي سبق أن تم تحديدها بطريقة دقيقة. ويجدر بعلماء الأحياء الآن أن يضطلعوا بدور المبرمجين والإحصائيين في حال رغبوا في استغلال إمكانات علوم الجينوم. وحاليا، تقوم الشركات المالية بما في ذلك البنوك وصناديق الاستثمار، بتوظيف متخصصين في الجوانب الكمية لتكنولوجيا والقادرين على دراسة كم هائل من البيانات بحثًا عن معلومات حول سلوك العملاء وفرص الاستثمار.



لقد تسببت الثورات الصناعية التي شهدتها البشرية في السابق في ظهور تغيرات هائلة وملموسة على مستوى العمليات الاقتصادية والاجتماعية والتكنولوجية. لذلك بالحديث عن ثورة صناعية، يجدر التمعّن في التصدعات الناجمة عن التقدم العلمي والتكنولوجي الذي يؤدي إلى تحول الإنتاج وتعديل الاقتصادات في أشكال جديدة من العرض والطلب.



لقد ثبت على مدى التاريخ أنه بمجرد اندلاع الثورات الصناعية، يشهد العالم تغيرات فائقة السرعة. ويقوم رواد الأعمال بتحويل الاختراعات إلى ابتكارات تجارية ينتج عنها ظهور شركات جديدة سريعة النمو. كما يزداد اقبال المستهلكين على منتجات وخدمات حديثة من شأنها أن تعزز جودة حياتهم، ما يتسبب في ظهور تحولات صناعية واقتصادية ومجتمعية بسرعة قياسية.

المصدر: إنترستنغ إنجنيرينغ