ينادي الجزائريون بُعيد رحيل عبد العزيز بوتفليقة عن الحكم الذي استمر لـ20 عامًا، بضرورة إعادة النظر في المنظومة السياسية والاقتصادية والخدماتية استجابة لتطلعات المواطنين عبر تغيير التشريعات ووضع قوانين توافق المرحلة الجديدة التي تشهدها البلاد، وقطاع الصحة من أول المجالات التي تحتاج لإعادة الهيكلة والتطوير.

ورغم التطور الذي تشهده الجزائر في السنوات الأخيرة، فإن الرعاية الصحية في بلد المليون شهيد لا تزال بعيدة عـن المستوى المطلوب مقارنة ببعض دول الجوار، نظرًا للعديد من العوامل التي أثرت سلبًا علـى مسار تطورها، ومن أهمها ضعف الاستجابة لحاجات الأفراد وغياب الرقابة واستشراء الفساد، إضافة إلى غياب الرؤية الإصلاحية لواقع الاقتصاد عامة الذي يقوم أساسًا على النفط، ويتأتى ربع الناتج المحلي الإجمالي الجزائري من استغلال موارد النفط والغاز التي تمثل 95% من الصادرات وثلثي الإيرادات الضريبية.

وتعاني الجزائر من عدم قدرة الحكومات المتعاقبة على تمويل نفقات الصحة في ظل النمو الديمغرافي المتزايد واهتراء البنى التحتية للمؤسسات الاستشفائية، مما أفضى إلى عجزها عن توفير الحماية الاجتماعية للمواطنين الذين اختار جزء منهم التوجه إلى دول الجوار طلبًا لخدمات أكثر جودة.

"تسفير" المرضى وهجرة الأطباء

يطلق عادة مصطلح "التسفير" على عمليات تسهيل خروج المقاتلين من بلد ما إلى مناطق التوتر للمشاركة في الحروب بإشراف شبكات مختصة، فيما يعتمده الجزائريون لتوصيف أزمة الرعاية الصحية وما آلت إليه من انهيار وتقهقر.

وفي ذات السياق، كشف تقرير للرابطة الجزائرية للدفاع عن حقوق الإنسان، أن قرابة نصف مليون مواطن يعالجون في الخارج، ونقل عن مديرة مستشفى "ميدي ستات" بإسطنبول أسيل حاليت أن تركيا استقبلت نحو 450 ألف مريض جزائري، وفق إحصاءات رسمية.

وطبقًا لذات المصدر، بلغ عدد طالبي الخدمات الاستشفائية والصحية من الجزائريين في تونس نحو 100 ألف، فيما أوضح المتحدث باسم جمعية "تاج" للصحة بولاية وادي سوف، حمزة خلف، أن "نقص الخدمات وبطء المواعيد الطبية في الجزائر، يدفع آلاف المرضى للتوجه إلى تونس"، مؤكدًا أن الجمعية الجزائرية للصحة توجه 28% من المرضى إلى الجارة الغربية.

واتهم وزير الصحة الجزائري السابق عبد المالك بوضياف، ما أسماها "المافيا"، بالوقوف وراء تدهور القطاع عبر تهريب المرضى للعلاج في الخارج وخاصة إلى تونس، إضافة إلى بعض وسائل الإعلام المحلية التي تعمل كوسيط يروج لرحلات العلاج المنظمة.

ولم ينف دحمان (57 عامًا) القادم من مدينة عين توتة بمحافظة باتنة (شرق) رفقة زوجته المريضة بسرطان الثدي، لجوء الجزائريين إلى السفر للتداوي بعدما أعياهم الانتظار لأشهر من أجل أن يحين دورهم لإجراء الأشعة (scanner) أو الحصول على خدمة طبية متكاملة ومستعجلة.

وأضاف في حديث لـ"نون بوست" من أمام إحدى المصحات بالعاصمة تونس، أن جزائريين من كل ربوع البلاد لم يعد لهم خيار إلا السفر للحصول على خدمات طبية تلبي حاجياتهم، متابعًا: "مستشفياتنا تعيش أوضاعًا كارثية تنقصها أبسط المعدات، لا نلوم الكادر الطبي فهو يعاني مثلنا من غياب التجهيزات وقِدم المرافق الصحية، الإشكال الحقيقي في الدولة وفساد المسؤولين".

حدود الأزمة الصحية في الجزائر لم تقف حد خروج المرضى للتداوي في الخارج، إذ عرفت البلاد موجة من الهجرة طالت عصب القطاع وعماده (الكادر الطبي)، وكانت تقارير إعلامية محلية قد نقلت في وقت سابق عن رئيس اتحاد العام للمهاجرين الجزائريين بالخارج، السعيد بن رقية، أن نحو 40 ألف طبيب وجراح هاجروا البلاد في العقدين الماضيين، وأن نزيف "الأدمغة" والكفاءات ما زال متواصلًا.

في المقابل، يعلل الأطباء مغادرتهم البلاد بالتهميش الذي يعانون منه ورفض تسوية وضعياتهم الاقتصادية والاجتماعية، إضافة إلى انعدام فرص تطوير المسار المهني، كما أرجعوا تدهور القطاع الصحي إلى منظومة الحكم المهترئة القائمة على وزراء ومسؤولين غير أكفاء.

رغم إنفاق الجزائر لما يقارب 82 مليار دولار طيلة 16 عامًا ضمن مشروع "الإصلاح الاستشفائي"، فإن واقع الصحة في الجزائر راوح مكانه ولم يسجل أي تقدم ملحوظ، ويعزى ذلك إلى غياب الرؤية الإصلاحية الشاملة والإرادة السياسية وتفشي الفساد والمحسوبية.

الأدوية.. عصا اللوبيات

وفي سياقٍ ذي صلة، عمق اختفاء الأدوية من الصيدليات والمستشفيات وندرتها من جراح المواطنين الجزائريين الغائرة، وباتوا عاجزين عن ضمان الحد الأدنى من العلاج، بسبب تذبذب عمليات الاستيراد التي تتحكم فيها الحكومة ويتدخل في توزيعها الوسطاء والمحتكرون، وتطال عادة الأزمة الأدوية الموجهة للأطفال وتلك المخصصة لمرضى السرطان.

وتشير إحصاءات محلية لسجلات مرض السرطان أن نحو 44 ألف حالة إصابة جديدة تسجل كل سنة في الجزائر، وهي أرقام مرجحة للارتفاع إلى 60 ألف في غضون 2025.

من جانبه، أرجع عضو لجنة اليقظة بوزارة الصحة، مرغمي كريم، فقدان الأدوية إلى ما وصفه بالتجاوزات المهنية والممارسات غير الأخلاقية وغير القانونية لبعض المستوردين والموزعين الذين احتكروا الكميات المستوردة ولم يطرحوها في السوق، من أجل ضخ أنواع جدية منعدمة الفائدة، فيما كشفت دراسة جزائرية أوروبية في وقت سابق، احتكار 5 مجموعات متنفذة لسوق الأدوية في الجزائر، ما أثر سلبًا على نوعية وسعر ووفرة الأدوية.

البنى التحتية وحتمية التطوير

يُعرف النظام الصحي بأنه "الإطار الذي يُعرف من خلاله احتياجات السكان من الخدمات الصحية والعمل على توفيرها بعد إيجاد الموارد اللازمة وحسن إدارتها وتعزيزها لفائدة المواطن".

كما بينت منظمة الصحة العالمية أن النظام الصحي هو مجموع المنظمات والمؤسسات والموارد التي تعمل فيما بينها من أجل تحسين الصحة المواطنين، وتكون الحكومة المسؤولة الأولى عن توفير رعاية الصحية من خلال التغطية الشاملة والعادلة.

والجزائر كغيرها من الدول العربية تعاني قصورًا حادًا في منظومة الرعاية الصحية، حيث تعرف أغلب المؤسسات الاستشفائية (القطاع العام) اختلالاً هيكليًا خاصة على مستوى التغطية والتوزيع الجغرافي، في ظل النمو الديمغرافي المتزايد (أكثر من 43 مليون نسمة).

وتتركز بالدولة الواقعة في شمال إفريقيا، 56 مؤسسة صحية بالوسط تتكفل بتقديم خدمات لـ11 محافظة، وفي الغرب 55 منشأة لـ14 محافظة، في الشرق هناك 43 قطاع صحي تقدم خدماتها لـ11 محافظة، أما في الجنوب الغربي توجد 20 مؤسسة تغطي 7 محافظات، وفي الجنوب الشرقي 11 منشأة صحية تغطي 5 محافظات.

ووفق التوزيع الجغرافي للمنشآت والمرافق (80% بالشمال)، فإن القطاع يعاني من عقدة المركز والأطراف، حيث يحظى القريبون من العاصمة بأوفر الخدمات الصحية، فيما يتعسر على سكان المحافظات الداخلية الوصول إلى أبسط مرافق الرعاية الأساسية، وسط عزوف بعض الأطباء عن مزاولة مهنتهم في الجنوب ومنطقة الهضاب.

ويشكو المواطنون من ظروف الاستقبال السيئة وغياب التوجيه والعناية الصحية، إضافة إلى طول الطوابير أمام تجهيزات التشخيص والأشعة التي تعاني بدورها من أعطال مستمرة، وكذلك نقص الأدوية، ما يدفعهم إلى اللجوء للعيادات الخاصة التي تكلفهم مبالغ كبيرة.

ويتداول الجزائريون على مواقع السوشيال ميديا بين الفينة والأخرى فيديوهات تنقل صورًا قاتمة عن أوضاع مؤسسات الصحة بالبلاد المزرية، ومعاناة المواطنين ممن تقطعت بهم السبل بين أقسام أمراض السرطان والقلب والشرايين والولادة، حيث تفترش النساء الأرض انتظارًا لمخاضين: الحصول على سرير والولادة بأمان.

الأزمة الاقتصادية وتداعياتها

يرتبط قطاع الصحة والرعاية الاجتماعية للمواطنين بصفة عضوية بالمنوال التنموي الذي تسلكه الدولة، فإذا كان الاقتصاد مستقرًا ومتنوعًا وصلبًا أمام التقلبات، انعكست النتائج مباشرة على حياة الأفراد من خلال حالة الرفاه والرضا على تدخل الحكومة بصفتها دولة رعاية.

والجزائر من الدول التي تعرف هزات على مستوى الاقتصادي نظرًا لارتكازها أساسًا على سوق النفط المتقلب، ومن المتوقع أن ينمو الاقتصاد 1.8% العام القادم، انخفاضًا من 2.6% متوقعة للعام 2019، وفي ظل المطالب الشعبية التي رافقت سقوط حكم بوتفليقة وما صحبه من المناخ الضبابي للمستثمرين الجزائريين والأجانب، اضطرت الحكومة الجديدة لتخفيض الإنفاق الإجمالي 9.2% في ميزانية 2020، مع الإبقاء على الدعم (وقود مواد غذائية أدوية) دون تغيير عند 8.4% من الناتج المحلي الإجمالي.  

كما شملت الموازنة الجديدة خطة حكومية للاقتراض الأجنبي في العام المقبل، لمحاولة التأقلم مع الضغوط المالية الناجمة عن تراجع إيرادات الطاقة الحيوية للبلاد.

وفي هذا الإطار، من المتوقع أن يتواصل تجميد بعض المشاريع الحيوية في الجزائر نظرًا لتراجع إيرادات الخزينة العمومية والمحافظة على ذات المنوال الاقتصادي (تعزيز قدرات العسكر)، حيث أكد نائب مدير الميزانية في وزارة المالية عبد الجبار قويدري، في وقت سابق أن 5 مستشفيات جامعية كبرى بموازنة فاقت ملياري دولار أدرجت في موازنة 2015، جمدت لأربع مرات متتالية، وتتأكد الفرضية بمحافظة وزارة الصحة على مخصصاتها من الموازنة الجديدة التي تقدر بـ408 مليارات دينار دون زيادة، فيما تصدرت وزارة الدفاع الوطني قائمة توزيع الاعتمادات المالية لسنة 2020، بما يتجاوز 1000 مليار دينار، بينما زادت ميزانية وزارة المجاهدين 60 مليار عن السنة الماضية لتصل إلى أكثر من 230 مليار دينار.

ويحذر خبراء من دخول الاقتصاد الجزائري في السنوات المقبلة في حالة ركود وانكماش بسبب التآكل المستمر لاحتياطات الصرف (68 مليار دولار) بعد خسارتها ما يقارب ملياري دولار شهريًا في 2019، ليتواصل التراجع إلى 51 مليار دولار في 2020 و33.8 مليار دولار في 2021.

بالمحصلة، يتطلع الجزائريون بعد انقضاء عصر بوتفليقة إلى مرحلة جديدة عنوانها الأبرز تركيز منظومة صحية متكاملة تكفل العلاج اللائق لجميع المواطنين ورعاية صحية تقوم على مبدأ العدالة، وتبدأ أولى الخطوات وفق المختصين، بدراسة كيفية رفع حصة قطاع الصحة في الناتج المحلي الإجمالي وحسن توظيفها لتحسين البنى التحتية المتداعية وتدريب وتطوير الكوادر، والأهم من ذلك كله تعزيز رافعات النمو الأخرى لمواجهة الأزمات الاقتصادية والاجتماعية.