إذا كان انهيار قطاع الصحة في بعض البلدان العربية يعود إلى فشل المنوال التنموي (الاقتصادي) الذي تنتهجه الحكومات وضعف أدائها واختلال التوازنات المالية في ظل نقص موارد الدولة وتزايد الاحتياجات، فإن الرعاية الصحية في اليمن تعيش واقعًا آخر، وباتت كلمة أزمة غير قادرة على توصيف الوضع "المريع".

لم يكن اليمن قبل الحرب التي تدخل عامها السادس في أحسن أحواله ولم يكن وضع قطاع الصحة يختلف كثيرًا عن باقي المجالات، غير أن وطأة النزاع والدمار الذي ألحقته الاشتباكات في كامل أرجاء البلاد، عمقت من تردي الوضع الإنساني ومعاناة اليمنيين.

في اليمن، حروب فوقية تدور رحاها بين القوى المتنازعة تختلف مسمياتها حسب الوضع الميداني وجولات الانتصار، فمرة كسر العظام وأخرى الأرض المحروقة، وفي القاع مشهد آخر وحروب أخرى يخوضها اليمنيون بحثًا عن حياة بين طعام مفقود ومأوى مهدم والأهم من ذلك كله دواء يصعب الوصول إليه.

مرافق على حافة الانهيار

مع تواصل الحرب الأهلية الوحشية في اليمن وغياب أي آفاق للتسوية السياسية باستثناء الإعلانات المتقطعة لوقف إطلاق النار (اتفاق الحديدة)، يُرجح خبراء أمميون أن يزداد الوضع سوءًا إذا لم يُكبح جماح العنف وينتهي الحصار المفروض من التحالف العربي بقيادة السعودية والحوثيين.  

وبحسب تقارير دولية، دمرت الحرب معظم البنية التحتية للبلد بما في ذلك المرافق الصحية وشكلت عائقًا أمام حصول المواطنين على أبسط الرعاية الأساسية، خاصة تلك التي تتعلق بالخدمات الطارئة للتوليد والأمومة وبعض الأمراض الأخرى، وأوضحت أن الاقتتال تسبب بصورة مباشرة في تعريض حياة مئات الآلاف لمخاطر جمة.

وأشارت مصادر طبية محلية إلى أن 40 ألف مريض بالسرطان لا يلقون عناية طبية كافية في مناطق سيطرة جماعة الحوثي، حيث يلقى 50% منهم حتفهم نتيجة تعطيل جهاز الإشعاع الخاص بعلاج الأورام وعدم توافر الأدوية أو الإهمال، فيما يُكافح مرضى الفشل الكلوي الذين يحتاجون إلى عمليات الغسيل بشكل متواصل، من أجل الحصول على الرعاية في ظل توقف الأجهزة بسبب أزمة المشتقات.

وتُشير الإحصاءات إلى أن نحو 50% من المستشفيات والمرافق الصحية في اليمن ما زالت خارج الخدمة أو تعمل بشكل جزئي، وقرابة 95% من المعدات والتجهيزات انتهت صلاحياتها أو لم تعد تعمل.

وتتعرض المرافق الطبية ومراكز الصحة الأساسية بشكل متواتر إلى هجمات وغارات جوية أو أرضية، حيث ألحق الاستهداف المباشر أضرارًا جسيمة بالمنشآت وعطل الخدمات فيها، فيما يتعرض الأطباء والممرضون والعمال إلى القتل والاختطاف والإخفاء القسري وعمليات الترهيب من المجموعات المسلحة.

يموتون مرتين

في اليمن إنْ نجا المواطنون من القنابل وأيادي الإخفاء القسري والتعذيب سيطاردهم الجوع والفقر حتى يفتك بهم، ووفقًا لتقارير أممية فإن نحو 24 مليون شخص أو 80% من السكان يحتاجون إلى مساعدات، فيما بينت المؤشرات الصادرة عن منظمة الصليب الأحمر أن 3.2 مليون طفل وامرأة مصابون بسوء التغذية الحاد، كما يعاني 50% من الأطفال من التقزم الدائم.

وصدرت تقارير سابقة عن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي كشفت أن الحرب الدائرة في اليمن تسببت في تراجع التنمية البشرية بمقدار عشرين عامًا، وتسببت منذ اندلاعها عام 2014 في مصرع نحو 250 ألف شخص بسبب الاقتتال أو لانعدام الرعاية الصحية وشح الغذاء.

ووصلت نسبة الفقر إلى 75% مقارنة بـ47% قبل بدء الحرب في العام 2014، ورجح ذات المصدر أن تصل في عام 2030، نسبة الفقر المدقع إلى 78%، فيما سيُعاني 84% الأطفال من التقزم، محذرةً من أن في حال استمرت الأزمة إلى 2022 سيُصنف اليمن كأفقر بلد في العالم.

حدود الأزمة لم تقف عند الفقر والجوع، بل أرغمت الحرب اليمنيين على النزوح من ديارهم والاحتماء بمخيمات تفتقر إلى أبسط مقومات الحياة، حيث قدرت منظمات تنشط في مجال الإغاثة عدد النازحين بـ3.3 مليون مواطن.

الأوبئة تحصد الأرواح

وفي سياقٍ ذي صلة، فاقمت الأوبئة والأمراض المستجدة التي عرفت انتشارًا خلال عام 2019 من معاناة اليمنيين، في ظل استمرار تردي الحالة الاقتصادية وارتفاع معدل الانتهاكات، وكشفت بيانات منظمة الصحة العالمية زيادة في عدد الإصابات بالكوليرا، حيث بلغ عدد المصابين نحو 2.2 مليون شخص توفي منهم نحو ثلاثة آلاف و750 شخصًا، يمثل الأطفال دون سن الخامسة نسبة 25.5% منهم، وتوزعت خريطة تفشي الوباء في 305 من أصل 333 مديرية في اليمن.

وعقب وفاة 78 طفلاً تحت سن 16 عامًا بسبب انتشار مرض مرتبط بحمى الضنك وتسجيل أكثر من 52 ألف حالة اشتباه بالإصابة بالمرض في أنحاء البلاد أغلبها بـ(الحديدة وعدن)، حذرت منظمة "سيف ذا تشلدرن" من انتشار الوباء.

ويشهد اليمن تفشي أمراض مثل اللشمانيا والتهاب السحايا، إضافة إلى تسجيل 4 آلاف و541 حالة يشتبه إصابتها بالدفتيريا مع وجود 257 حالة وفاة بالمرض.

وفي الإطار ذاته، كشف مسؤول بوزارة الصحة التابعة لجماعة الحوثي أن حالات الإصابة بالملاريا خلال 2019 فاقت المليون وعشرين ألف حالة إصابة واشتباه، تأكدت المرافق الصحية من إصابة 150 ألف حالة بعد إجراء الفحوصات، فيما بلغت الإصابات بوباء إنفلونزا الخنازير أكثر من 650 حالة توفي منها 125 حالة في عموم المدن اليمنية.

ويُرجع المختصون تفشي الأوبئة وتنوعها إلى تردي الخدمات الصحية وتكدس النفايات بكميات كبيرة في شوارع وأحياء والمدن وعجز الدوائر البلدية عن تصريف المياه الملوثة والراكدة، إضافة إلى ضعف كبير في التجهيزات الطبية وشح شديد في اللقاحات.

اقتصاد الحرب

قبل تصاعد الأزمة في اليمن، كانت البلاد تستورد من 80 إلى 90% من احتياجاتها الغذائية، إلا أن إغلاق المنافذ كمطار صنعاء وحصار الموانئ قلل من تدفق المساعدات، وازداد الوضع سوءًا بفرض التحالف العربي الذي تقوده السعودية والإمارات قيودًا على الواردات الطبية والشبه الطبية، فيما شدد الحوثيون قبضتهم على قطاع الصحة وأحكموا سيطرتهم على مسالك توزيع الأدوية التي باتت سوقًا للتهريب والاحتكار لوفرة عائداتها، وذلك بعد تعطيل دخول شحنات الأدوية التي تسيرها المنظمات الأممية والإغاثية.

وبحسب تقارير محلية فإن سوق تهريب الأدوية يشكل 60% من حجم سوق الدواء اليمني لكن التقديرات تشير إلى ارتفاعه إلى 80% خلال فترة الحرب، ويعمل أتباع جماعة الحوثي الناشطون في المجال على إنشاء سوق موازية بعد تأسيس شركات توريد وضخ أدوية بديلة مقلدة.

وغير بعيد عن قطاع الدواء الذي يمثل البعدين الإنساني والاقتصادي، فإن رفض الحوثيين لتداول العملة المطبوعة الجديدة من الحكومة المؤقتة المعترف بها دوليًا، شكل عبئًا آخر على المدنيين المنهكين والعاجزين على توفير حاجياتهم الأساسية.

قال وزير الإعلام اليمني معمر الإرياني في وقت سابقٍ، إن حظر الأوراق النقدية حرم 40 ألف متقاعد من تلقي معاشاتهم في المناطق التي يسيطر عليها الحوثيون، مضيفًا "حظر الحوثيين تداول العملة وسحبها من الجمهور لشرائها بالدولار في السوق السوداء، هو دليل على سياسة الإفقار والجوع ضد المواطنين".

من جانبه، قال الخبير الاقتصادي اليمني مصطفى نصر، في تصريح لـ"نون بوست": "هذا القرار كارثي على كل المقاييس الإنساني والاقتصادي والسياسي، وسيؤدي إلى مزيد من الركود الاقتصادي والمضاربة بالعملة وزيادة الكلفة التشغيلية للسلع والخدمات، وبالتالي مزيد من ارتفاع الأسعار ناهيك عن أنه يفتح بابًا واسعًا للابتزاز والنهب وتنشيط السوق السوداء في تداول العملة وتحويلها".

وأضاف الخبير "القرار يمهد لفصل خطير في التعامل الاقتصادي بين مناطق سيطرة الحوثيين ومناطق سيطرة الحكومة كما يمهد الطريق لعودة ظاهرة السوق السوداء بقوة"، مبينًا أن إقحام الملف الاقتصادي في الصراع الدائر في اليمن يضاعف الأزمة الإنسانية ويقود إلى مزيد من التدهور على كل المستويات، لا سيما أن اليمن وفقًا للمؤشرات الدولية ضمن الثلاث دول الأعلى من حيث مخاطر المجاعة".

بالمحصلة، فإن الحرب في اليمن اختيارٌ للأطراف المتصارعة للسيطرة على البلاد ومقاليد الحكم، وإيقافها رهين لإرادة الرعاة الإقليميين واللاعبين الدوليين، ومن المؤكد أن المدنيين الأبرياء من ستوكل إليهم دفع تكلفة هذه الحرب التي أفرزت اقتصادًا منهارًا ونظامًا صحيًا معطوبًا، والأهم من ذلك أجيالًا ستُرافقها عاهات بدنية ونفسية.