من الضيم توصيف ما يجري في غزة بالأزمة، فالمصطلح لا يمكنه بأي شكل من الأشكال عكس معاناة المواطنين وبؤسهم المستمر في ظل انهيار مقومات الحياة الأساسية، ففي القطاع حَمض الماء وقُطعت الكهرباء وأُطبق الحصار الممنهج وأُغلقت المعابر من الجار المصري، فيما عمل الاحتلال الإسرائيلي جاهدًا على استئصال ما تبقى من مظاهر الحياة، لذلك يُمكن نعتها بالمحنة أو بالموت الإكلينيكي لشعب لا ظهير له.  

على أرض غزة الفلسطينية تتحقّق نبوءات المنظمات الدولية والعاملة في مجال حقوق الإنسان منذ 2012، فيما يخص بأنّ القطاع لن يكون صالحًا للعيش فيه بحلول العام 2020، دون أن يستجيب العالم لنداءات الاستغاثة ودعوات التدخل العاجل، من أجل مواجهة الكوارث البيئية والصحية التي تُهدد حياة المواطنين في تلك الرقعة المحاصرة.

يعيش القطاع بشكل متكرّر على وقع عدوان واعتداءات صلفة من قبل الاحتلال الإسرائيلي، كان آخرها قصف استهدف موقعين لحركة المقاومة حماس وأسفر عن أضرار مادية في ممتلكات المواطنين وفي البنى التحتية، وهو أسلوب دأب المحتل على سلكه طيلة أعوام الماضية، إضافة إلى الحصار والقيود الأخرى التي يفرضها على حركة الأفراد والبضائع بما فيها الموارد الطبية، فيما عمّق ارتفاع ضحايا مسيرات العودة التي انطلقت في شهر آذار/مارس 2018 من أزمة قطاع الصحة المنهار أصلًا.

 

ضعف منظومة الصحة

كافحت المرافق الصحية في قطاع غزة لأكثر من عام لاستيعاب الوفيات والإصابات جرّاء اعتداءات الاحتلال الإسرائيلي على المدنيين السلميين المطالبين بحق العودة وفك الحصار، ما أدى إلى ارتفاع أعداد الجرحى وطالبي الخدمة الطارئة والذي ساهم تلقائيًا في زيادة الضغوط والأعباء على كاهل المستشفيات التي تُعاني بدورها من قلة التجهيزات وضعف طاقة الاستيعاب، إضافة إلى النقص الفادح في الكادر الطبي المختص.

وبحسب تقارير لوزارة الصحة الفلسطينية نُشرت في وقت سابق، استشهد 313 فلسطينيًا بينهم 61 طفلًا و12 أنثى، في حين بلغ عدد الجرحى أكثر من 34 ألفًا، منهم أكثر من 18 ألفًا تلقوا العلاج في المستشفيات منذ بدء المسيرات.

 

ومن جانبه، أطلق المنسّق الإنساني بالأراضي المحتلة، جيمي ماكغولدريك، في وقت سابقٍ، صيحة فزع ومناشدة عاجلة لتقديم تمويل إضافي واللازم لتلبية احتياجات مصابي مسيرة العودة الكبرى، مشيراً الى الحاجة الملحة لتأمين 20 مليون دولار من أجل دعم النظام الصحي وتحسين المنشآت والمرافق المتردية.

وإضافة إلى ضعف طاقة استيعاب المستشفيات، فإنّ المرافق في القطاع تعرف نقصًا شديدًا في المعدّات والمستلزمات الطبية، هذا إلى جانب تعطّل الأجهزة الخدماتية بسبب عدم توفر قطع الغيار والتي لا يُمكن إدخالها إلى غزة، إلاّ بعد موافقة أمنية من جانب الاحتلال الإسرائيلي.

وفي حال تعذّر على الكادر الطبي في غزة تقديم الخدمة الصحية اللازمة، فإنّ آلية تحويل المرضى للخارج تصطدم في كثير من الأحيان برفض المحتل، ما يُعرّضهم إلى مضاعفات تصل إلى حد الموت، إذ كشفت مصادر فلسطينية أنّ الجانب الإسرائيلي منع سفر نحو 8 آلاف مريض من قطاع غزة خلال عام 2019، أثناء محاولتهم التنقل للعلاج في مستشفيات الداخل أو الضفة الغربية، بما فيها القدس. فيما أكّد مسؤولون بقطاع الصحة أنّ نقص الخدمة في غزة وغياب بعض الأجهزة للعلاج إشعاعي للسرطان، تسبّب في فقدان 80% من الحالات المرضية أثناء نقلهم من مستشفى لآخر.

ووفق بيانات أصدرتها منظمة الصحة العالمية، تراجعت تصاريح العلاج في الخارج التي تصدرها سلطة الاحتلال الإسرائيلي من 92% عام 2012 إلى أقل من 60% في 2019.

الأدوية.. عقاب الداخل وحصار الخارج

تُعاني منظومة الصحة في غزة من نقص مزمن في بعض المستلزمات الطبية ومخزون الأدوية، بما فيها المضادات الحيوية وأدوية العلاج الكيماوي، فقد بيّنت وزارة الصحة في وقت سابق أنّ القطاع يحتاج سنويًا إلى قرابة 40 مليون دولار لتوريد الأدوية، مشيرةً إلى أنّ تراجع الاستجابات المختلفة من احتياجات المرضى تسبّب في حرمان 50% من مرضى قطاع غزة من العلاج.

وفرض الاحتلال الإسرائيلي قيودًا على توريد الأدوية لغزة، منذ بداية الحصار البرّي والبحري والجوي على القطاع عقب فوز حركة حماس بالانتخابات التشريعية عام 2006، فيما اتخذت قيادة السلطة في الضفة سلسلة من الإجراءات العقابية الجماعية على القطاع منذ إبريل 2017، شملت قطع رواتب آلاف الموظفين وإحالة آلاف آخرين للتقاعد، وتقليص رواتب البقية لأقل من 50%، ووقف موازنات تشغيلية وتخفيض حاد على التحويلات الطبية ومخصصات الأدوية، وغيرها من الإجراءات التي فاقمت الأزمة وتسبّبت في تردي الأوضاع الإنسانية.

 

ومن بين المتأثرين بالنقص الحاد وتذبذب التزويد بالأدوية، مرضى السرطان (توفر 63% من الأدوية)، ومرضى الأورام ومن يُعانون من أمراض الدم والمناعة والكلى، ولم تستثن الأزمة أيضًا الحليب العلاجي والأدوية العصبية والنفسية والأمراض المزمنة والحوامل والأطفال والرعاية الأولية.

وكشفت مصادر طبية بالقطاع أن خدمة صحة الأم والطفل تعد من أكثر الخدمات تأثّرًا بالعجز الدوائي، حيث وصلت نسبة العجز فيها إلى 69% مما يهدّد حياة أكثر من 450 مولود شهريًا للخطر، فيما يُساهم النقص الحاد في مقويات الدم للسيدات الحوامل والأطفال في تزايد معدلات فقر الدم لهذه الفئات.

مياه الحياة قاتلة

علاوة على الأزمات آنفة الذكر، يعيش القطاع أزمة حادة في أحد مقومات الحياة الرئيسية والمتمثلة في المياه المستخدمة سواءً للشرب أو بغرض النظافة، إضافة إلى غياب خدمات الصرف الصحي، ما أثّر سلبًا على البيئة وصحة المواطنين.

كشفت دراسات ميدانية لسلطة المياه بالقطاع، أنّ حوالي 97% من مياه غزة غير صالحة للشرب، وأنّ مستودع المياه الجوفية في طريقه إلى النضوب، حيث قُدّر حجم العجز المائي بـ 150 مليون متر مكعب، إضافة إلى انخفاض مستوى جودته بسبب تسرّب مياه البحر وارتشاح مياه الصرف الصحي، فيما أعاقت القيود التي فرضها الاحتلال والنظام المصري على حركة البضائع ومنها المواد ذات الاستخدام المدني مثل المعدات الفنية كالمضخات والمواد الكيميائية اللازمة لتنقية المياه، وعمليات الإصلاح وصيانة المنشآت المتضررة.

 

إذ وصلت نسبة الملوحة بالمياه الجوفية إلى 1500 مليغرام، فيما قّدر معدل تلوث مياه البحر بـ73% من إجمالي شواطئ قطاع غزة.

بدورها أدت أزمة الكهرباء في القطاع إلى الإضرار بإمدادات المياه ومعالجة مياه الصرف الصحي وعمل المستشفيات، فيما تسبّب نقص الوقود اللازم لتشغيل المولدات خلال انقطاع التيار الكهربائي لمدة تتراوح بين ثماني ساعات وساعتين يوميًا في إغلاق جزئي لعدة مرافق صحية، ويؤكد مسؤولون بالقطاع أنّ المستشفيات بحاجة إلى 450 ألف لتر من الوقود شهريًا.

الوجه الآخر للأزمة

يقول الغزيون إنّ المصائب لا تأتي فرادى وأنّ الأزمة الخانقة في القطاع تدحرجت ككرة الثلج، واتسعت دائرتها لتشمل باقي مناحي الحياة الاقتصادية والاجتماعية، وأصبحت تُنذر بما هو أسوء، فالصدمات المتتالية والشلل التام لعجلة التنمية، أفرز مجتمعًا شبه معطوب تُثقله تداعيات الحروب وتبعاتها ومن بينها: ارتفاع نسبة الأفراد الذين يرزحون تحت خط الفقر إلى 85% والبطالة التي تُعد المعضلة الثانية بعد الصحة، إلى 53% (300 ألف)، 67% منهم من فئة الشباب.

 

وفي السياق ذاته، فإنّ ارتفاع نسبة الأسر التي تُعاني من نقص حاد في مستويات الأمن الغذائي إلى 70%، و93% من الأسر غير القادرة على تلبية احتياجاتها الضرورية من السلع والخدمات، إضافة إلى تزايد الاعتماد على المنح والمساعدات الإغاثية بنسبة 80%، عدا عن المؤشرات التي نتجت عن تقليص وكالة "الأونروا" لخدماتها ومساعداتها والتهديد بإنهائها بشكل كامل.

تضيق الأرض بأهلها في غزة نتيجة للحصار وتدهور البيئة وارتفاع نسب التلوث وتراجع مستويات البنية التحتية بسبب قصف طيران الاحتلال الإسرائيلي المستمر، ما انعكس سلبًا على صحة الفرد النفسية وأدّى إلى ظهور أعراض جديدة كالقلق المزمن والاكتئاب، كما ضاعفت عدد حالات ذوي الاحتياجات الخاصة إلى 44 ألف حالة.

 

بالمحصلة، يمكن إرجاع الأزمات المتعددة التي تُعاني منها غزة إلى عاملين لا يُمكن تقديم أحدهما على الآخر، فالاحتلال يشدّد خناقه وتضيقه على القطاع ويمنع عنه توريد أبسط حاجياته من خلال تحكمه في المعابر والمنافذ، إضافة إلى العمليات الهجومية والعدوانية، أمّا سلطة رام الله فهي العنوان الأبرز لحالة الانقسام وغياب الرؤية السياسية الفلسطينية الجامعة للشتات، لذلك تبقى المصالحة والوحدة الرهان الأقوى لترتيب البيت الداخلي ومن ثم تحقيق التنمية المستدامة وتعزيز دفاعات الصمود والمقاومة.