تقف ليبيا التي تعرف صراعًا بين الحكومة المعترف بها دوليًا ومقرها طرابلس وقوات الشرق (طبرق) بقيادة اللواء المتقاعد خليفة حفتر، على شفا الانهيار في ظل تصاعد المخاوف من فشل المؤتمر الذي عُقد مؤخرًا في برلين في فرض وقف إطلاق النار واستعادة المسار السياسي، ما يعني استمرار الحرب وتداعياتها الكارثية على جميع مجالات الحياة، وفي القلب منها قطاع الصحة.

ورغم موارد البلد النفطية والطبيعية التي تجعله غنيًا وقادرًا على تحقيق نهضة وتنمية اقتصادية شاملة لكل القطاعات، فإنّ ليبيا الواقعة في شمال إفريقيا عانت من سوء استخدام مقدراتها وإيراداتها طيلة حكم العقيد معمر القذافي، وتعمقّت الأزمة بعد ثورة 17 فبراير على إثر الانقسام السياسي والحرب الداخلية المستمرة منذ 2014.

أزمة الصحة

كغيرها من القطاعات الحيوية، فإن النظام الصحة في ليبيا عرف تقهقرًا وتدنيًا في مستوى الخدمات بسبب غياب الأمن وصراع الفرقاء على السلطة، ولم تعد المستشفيات والمرافق الطبية قادرة على توفير الرعاية الصحية اللازمة للمواطنين بسبب نقص الأجهزة والمعدات وكذلك المستلزمات الطبية.

ويشتكي الليبيون من ضعف الخدمة الطبية المسداة في ظل النقص الفادح في الكادر الطبي وشبه الطبي إضافة إلى التعطل المستمر للأجهزة نتيجة غياب الصيانة وتجديد قطع الغيار، ما دفعهم إلى السفر للدول المجاورة وخاصة تونس ومصر والأردن وتركيا لتلقي العلاج والرعاية الضرورية رغم تكاليفهم المشطة.

في تصريح لـ"نون بوست"، قال رئيس اللجنة الوطنية لحقوق الإنسان الليبية، أحمد حمزة: "النظام الصحي منهار بشكل كامل وخير دليل على ذلك ما تُعانيه مرافق الصحة (القطاع العام) من ضعف التشخيص والعلاج المقدم للمرضى، ونقص الأجهزة والمعدات والقدرات الطبية التي تمكن من رفع الأداء، لذلك يُخير الليبيون اللجوء لدول الجوار".

وأوضح حمزة أنّه رغم المبالغ الضخمة المرصودة للقطاع، فإنّ وزارة الصحة فشلت في إرساء منظومة رعاية توفر الحد الأدنى من الأساسيات التي يحتاجها المواطن على مستوى الإسعافات الأولية والأمراض المستعصية الأخرى التي يُعاني منها الليبيون كالأورام والسرطانات.

ويعود النقص الواضح في الموارد البشرية كالأطباء والممرضين في المستشفيات إلى غياب الأمن وانعدام الاستقرار، كما دفع النزاع المسلح العاملين في القطاع الصحي من الأجانب الذين يمثلون 20%، منهم ما يُقارب 3 آلاف فلبيني، إلى مغادرة ليبيا.

من الغرب إلى الشرق، تعرف مستشفيات ليبيا تراجعًا على مستوى البنية التحتية وتطوير المنشآت بفعل انشغال الحكومات المتعاقبة بالملف الأمني والمعارك بشأن النفط المصدر الرئيسي للموارد، إضافة إلى ما عرفته المرافق من استهداف مباشر بسبب النزاع الدائر في البلاد.

وأفضى الصراع وما نجم عنه من إصابات في صفوف المدنيين إلى اكتظاظ المستشفيات التي باتت غير قادرة على استيعاب العدد الكبير من طالبي الخدمة الطبية (نقص الأسرة)، إضافة إلى انخفاض مخزونها من المستلزمات الضرورية لمعالجة باقي المرضى.

وفي السياق ذاته، أكّد محمد الجرناز أحد المرضى الوافدين إلى إحدى المصحات الخاصة بتونس العاصمة، في حديث لـ"نون بوست" أنّ مستشفيات الليبية أصبحت غير قادرة على تقديم أبسط الخدمات نظرًا إلى تقادم بناها التحتية وغياب الأجهزة الضرورية والمتقدمة خاصة تلك الموجهة لأمراض السرطان والأورام، والنقص الفادح للأدوية والمستلزمات الطبية. 

وأضاف الجرناز "قطاع الرعاية الطبية هُمش في عهد القذافي باعتماده على الكفاءات والعملة الأجانب، وقُضي على ما تبقى منه في ظل الحرب الدائرة منذ 6 سنوات"، مشيرًا إلى أن "الليبيين يُخيرون اللجوء إلى تونس رغم مخاطر السفر برًا ومشقته خاصة في الفترات التي تُغلق فيها المنافذ كرأس أجدير والذهيبة، على البقاء في انتظار الموت البطيء".

بدوره، عزّز بشر الترهوني، وهو مريض آخر بمصحة بالعاصمة الليبية، ما ذهب إليه الجرناز بالقول: "ليبيا بلد غني ويحظى بموارد تجعله في مراتب متقدمة تُضاهي بعض دول الخليج ولكن النظام السابق عجز عن إرساء نظام رعاية صحية متطورة تهدف إلى تقديم خدمة طبية ذات جودة، بل عانى القطاع في عصره مآسي إنسانية لن ينساها العالم كقضية أطفال الإيدز والممرضات البلغاريات"، متابعًا "الوضع كاد أن يتغير في ليبيا بعد الثورة غير أن الساعين إلى السلطة كحفتر يريدون العودة بليبيا إلى دائرة الصفر: دولة شمولية تدور حول كوكب الرئيس ولا حق فيها للمواطن".

نقص الأدوية

على غرار البنية التحتية الهشة للمرافق الصحية، فإن ليبيا تُعاني من نقص فادح للأدوية بأنواعها، ويعيش المرضى رحلات مكوكية يوميًا بين المستشفيات التي نضبت مخازنها بفعل نقص الإمداد والصيدليات التي خلت رفوفها، لتأمين بعض حاجياتهم ولو بالمقدار اليسير، فيما يضطر آخرون إلى جلبه من الخارج ويتطلب ذلك أيامًا ما يعرض بعض المرضى للخطر.

يرى جرناز أن أزمة الدواء التي تعرفها ليبيا في السنوات الأخيرة لا يجب قصرها على نقص الإمداد وتراجع الموارد المخصصة للاستيراد، فالدواء كالعملة تُسيطر عليه مافيا الاحتكار التي تتحكم في السوق ومسالك التوزيع، ولكن الأخطر من فقده هو ضخ أدوية منتهية الصلاحية ومقلدة، موضحًا أن بعض التجار ينشطون في تهريب الدواء والمضاربة فيه من أجل تحقيق الربح السريع دون مراعاة الجانب الإنساني وظروف المرضى القاسية.

ودأبت وزارة الصحة التابعة لحكومة الوفاق الوطني على إصدار نشرات تحذيرية من استخدام أدوية منتهية الصلاحية يجري تداولها بشكل كبير في السوق، إضافة إلى مكملات غذائية خاصة بالأطفال غير مطابقة لمواصفات الاستهلاك، وتصل بعض الأدوية المدعومة من بعض دول الجوار (تونس ومصر) وهي أدوية رخيصة الثمن بالمقارنة مع ليبيا، وبحسب مسؤولين محليين فإن طريقة جلبها تتنافى مع مواصفات التوزيع والحفظ.

تعاني المستشفيات الليبية من نقص حاد في أدوية السرطان والأورام وغسيل الكلى، إضافة إلى أنواع أخرى حيوية كتطعيمات الأطفال (الحصبة والشلل).

الحرب والصحة

من جهتها، عمّقت المجموعات المسلحة المنتشرة في ليبيا من أزمة الصحة، باستهدافها لمرافق الرعاية وتهديدها للأطقم الطبية وسلبها للمعدات واللوازم الطبية، الأمر الذي حّد من فرص حصول المدنيين على خدمات صحية جيدة، ويعزو بعض المراقبين إلى أن المسلحين يعمدون إلى سرقة الإمدادات الطبية وتحويلها إلى المستشفيات الميدانية التابعة لهم قصد معالجة جرحاهم الذين سقطوا في المعارك.

وكان مسؤول بقطاع الصحة يعمل في مستشفى الجلاء ببنغازي كشف أنّهم اعتادوا الخرق المتواصل للمسلحين واعتداءاتهم المستمرة على المرافق الصحية وسرقة معدات وأجهزة المستشفى واستعمالها في أثناء القتال دون إعادتها، بينما أكدت منظمة الصحة العالمية توثيقها لأكثر من 41 هجومًا على العاملين في مجال الصحة والمرافق طوال الفترة 2018-2019 في جميع أنحاء البلاد.

وفي الإطار ذاته، فإن الاستهداف المتكرر لفرق الإسعاف سواء بالقصف الجوي أم عن طريق الأسلحة الخفيفة أعاق عملية إجلاء المصابين من المدنيين ووصولهم السريع لأقسام الطوارئ، فيما شكّلت البوابات ونقاط التفتيش معضلة أخرى أمام المواطنين المحتاجين لخدمات طبية عاجلة كالنساء الحوامل ومرضى الكلى والقلب.

وأشارت بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا في وقت سابق، إلى أن حصار مسلحين يتبعون اللواء المتقاعد خليفة حفتر لمدينة درنة وتقييد حركة المواطنين ومنعهم من تخطي نقاط التفتيش، أثّر سلبًا على مساعي حصولهم على خدمات صحية، وأسفرت إحدى الحوادث عن وفاة امرأة في المخاض وطفلها وهم في طريقهم إلى مستشفى الوحدة.

الهجرة والنزوح

زادت الهجرة غير الشرعية في استنزاف نظام الرعاية وتردي الأوضاع الصحية في ليبيا، وكان مدير المركز الوطني لمكافحة الأمراض بدر الدين بشير النجار، قد كشف في وقت سابق أن انتشار الأوبئة في ليبيا كان نتيجة تدفق المهاجرين من دول موبوءة بالأمراض المعدية الخطيرة، وضعف الميزانيات المخصصة للتطعيمات والأدوية، وغياب رقابة صحية في ضوء الوضع الأمني المتردي.

وتُمثل الأمراض السارية خطرًا حقيقيًا تسعى الحكومة الشرعية بمساعدة المنظمات الدولية، إلى مكافحته ومنع انتشاره خاصة أن ليبيا أصبحت بيئة ملائمة لتفشيه بعد تعرّض شبكات المياه للهجمات المكثفة والانهيار الوشيك لأجهزة إدارة النفايات، وهي عوامل تزيد من فرضية توسع خطر الأمراض المنقولة عن طريق المياه، ومن بينها الكوليرا.

كما تُعد مراكز إيواء الفارين من القتال هي الأخرى، بيئة ملائمة لانتشار الأمراض المعدية في غياب خدمات المياه النظيفة والصرف الصحي وتكدس الوافدين.

وفي سياق ذي صلة، كشفت مصادر محلية أن توقف برامج مكافحة الأوبئة وانتشارها بشكل نهائي بسبب الصراع الدائر في ليبيا، أدى إلى تكاثر وانتشار الأمراض المعدية والأوبئة ومنها اللشمانيا بنوعيها الجلدية وتستوطن في شمال غرب البلاد والحشوية (جنوب وشمال شرق)، مرجحةً وصول عدد الإصابات إلى نحو 10 آلاف.

الصحة.. خلل وفساد

إلى جانب تداعيات الحرب، فإن قطاع الصحة بليبيا يُعاني من أزمة هيكلية بنيوية عميقة تتمثل في وفرة الموارد البشرية وقلة المردودية، ما أدى إلى ارتفاع نفقات المرتبات بسبب تجاوز التعيينات الجديدة 107% دون شمولها الفنيين والممرضين والأطباء.

ويُقدر عدد العاملين في وزارة الصحة والجهات التابعة لها بنحو 263 ألف موظف حكومي، فيما بلغ إنفاق المرتبات 139.23 مليار دينار (102 مليار دولار) خلال السنوات الـ6 الماضية، أي ما يُعادل 50.2% من الإنفاق الحكومي خلال تلك الفترة. وتصرف ليبيا سنويًا نحو 4 مليارات دينار (2.85 مليار دولار) على الصحة والأدوية.

كما تُعاني الدولة من سوء الإدارة وتفشي الفساد خاصة فيما يُعرف بملف الجرحى بالخارج الذي يعتبره بعض المراقبين من أكثر الملفات استنزافًا للموارد ولمخصصات الوزارة، وقدّر ديوان المحاسبة الليبي (حكومي) في التقرير السنوي لعام 2018، الديون المتراكمة على العلاج في الخارج بـ1.4 مليار دينار (مليار دولار).

وتبلغ ديون الحكومة الليبية لدى المصحات التونسية نحو 83.3 مليون دولار، ويتلقى 320 ألف ليبي سنويًا العلاج في تونس برقم معاملات قارب 166 مليون دولار.

وأعلنت حكومة الوفاق في وقت سابق تورط بعض المسؤولين في شبهات فساد مالي فيما يتعلق بعلاج المرضى في الأردن، وأوضحت أن قيمة الفواتير المقدمة من المستشفيات والمصحات الأردنية (600 مليون دولار) تم تقليصها إلى 56 مليون دولار، بعد رصد مبالغة مقصودة في الأسعار، فيما كشف الصحفي المقرب من اللواء خليفة حفتر، محمود المصراتي، عن فساد مالي وتلاعب في ملف جرحى القوات الشرق في تونس من عدد من أعضاء مجلس النواب من "برقة".

بالمحصلة، فإن حل أزمة قطاع الصحة في ليبيا بتشعباته وتداعياته المباشرة على حياة المواطن سيبقى رهين الحل الجذري لحالة الانقسام التي تعيشها البلاد، وفي إطار مصالحة شاملة تهدف إلى إعادة بناء دولة المؤسسات التي تحمي الحقوق الأساسية للمواطنين وتوفر لهم الرعاية الصحية والحيطة الاجتماعية دون تمييز.