إيمان كامل بالثورة رغم حملات التشويه

لم تشهد ثورة مصرية حملة شعواء لتشويهها والإساءة إليها ومحاولة اغتيال رموزها كما شهدت ثورة 25 يناير 2011، تلك الثورة التي أسقطت الأقنعة عن الكثير من الوجوه التي نجحت على مدار سنوات طويلة في رسم صور مزيفة عن الوطنية والنزاهة والشرف والكرامة.

منذ الإطاحة بنظام مبارك في 11 من فبراير 2011 قاد فلوله بدعم من بعض القوى المحسوبة على المؤسسة العسكرية هجومًا حادًا على الثورة والمشاركين فيها، وأنها من بنات أفكار الاستعمار والمؤامرات الخارجية التي تستهدف تقويض الدولة وضرب استقرارها والنيل من مكانتها الإقليمية.

الأمر تعزز بصورة أكبر بعد الـ3 من يوليو 2013 حين أطبق عبد الفتاح السيسي - وزير الدفاع آنذاك - قبضته على المشهد، مدعومًا من الجيش والشرطة والقضاء والقوى المدنية والدينية بجانب فلول نظام مبارك وأنصار الثورة المضادة، حيث باتت ثورة يناير في مرمى نيران الاتهامات المتتالية.

وبين مصطلحات مستحدثة على غرار "نكسة يناير، 25 خساير" وتشويه رموز الثورة والزج بهم في السجون والمعتقلات، واستمالة آخرين جراء ضغوط هنا وهناك، وتحميل الثورة مسؤولية الفشل في العديد من الملفات الحساسة التي تمس أمن مصر القومي، باتت الثورة الأنصع بياضًا في التاريخ المصري الحديث في قفص اتهام محكم الغلق.

غير أن الأمر لم يكن كما يخطط له، فبعد 9 سنوات تقريبًا من انطلاق الموجة الأولى لهذا الحراك، ورغم حملات التشويه الممنهج المتواصلة طيلة السنوات الماضية، فإن الثورة لا تزال مفهومًا حسن السمعة بالنسبة للشباب صغير السن الذي تلقى عن الثورة ممن عايشوها جسدًا وروحًا، كما أنها لا تزال الأمل الذي لا بد أن يتحقق مهما طال أمده لدى المشاركين فيها والمؤمنين بها الذين تجرعوا مرارة الدفاع عنها.

السيسي وشماعة الثورة

رغم أنه جاء من رحم الثورة، وزيرًا للدفاع إبان عهد الرئيس الراحل محمد مرسي، ثم حاكمًا بعد الـ3 من يوليو في أعقاب الإطاحة برئيسه، فإنه لطالما حمّل 25 يناير مسؤولية الفشل في العديد من ملفات الأمن القومي، على رأسها ملف سد النهضة الذي يهدد مستقبل مصر المائي.

ففي 14 من سبتمبر/أيلول الماضي، وعلى هامش مؤتمر للشباب الذي عقده السيسي للرد على فيديوهات الفنان والمقاول المصري محمد عليّ الذي وجه اتهامات بالفساد إلى الرئيس وأسرته، قال: "لم نكن مستعدين عام 2011 لمواجهة التطورات الكبرى التي وقعت.. البلد تحركت صحيح، لكن السد كان قد أقيم بالفعل، وأؤكد هنا أن الشباب الطاهر الذي قاد الحراك أراد مصلحة البلاد".

لم يكد يجلس السيسي على كرسي الحكم بضعة أشهر، حتى شنت أذرعه الإعلامية بدعم من رئيس جهاز المخابرات الحاليّ عباس كامل، ذراع السيسي اليمنى، حملات مكثفة ضد نشطاء يناير

السيسي وقد بدت عليه علامات الغضب خلال حديثه أضاف "البلاد تدفع - وستظل تدفع - ثمن ذلك الخطأ الوحيد (ثورة يناير 2011)"، في إشارة إلى سد النهضة وذلك بعد إعلان الجانبين، المصري والإثيوبي، أن المفاوضات وصلت إلى طريق مسدود قبل أن يدخل الوسيط الأمريكي مؤخرًا.

وفي الاحتفالية التي أقيمت بمناسبة الذكرى الـ46 لحرب أكتوبر/تشرين الأول، قال السيسي أيضًا "لو مكنش 2011 (في إشارة إلى ثورة 25 يناير) كان هيبقى فيه اتفاق قوي وسهل يراعي مصلحة الطرفين.. لكن لما البلد كشفت ضهرها - وأنا آسف - وعرَّت كتفها، فأي حاجة تتعمل بقى (أي إنها أصبحت فريسة سهلة لكل من يريد أن يتلاعب بها)".

استخدم الرئيس هذا التوصيف الجريء الذي أثار استنكار المتابعين حينها في محاولة لإلقاء اللوم على ثورة يناير في تمكُّن إثيوبيا من بناء سد النهضة دون مراعاة مصلحة مصر وأمنها المائي، وهو ما وصفه السيسي نفسه من على منبر الأمم المتحدة، في سبتمبر/أيلول الماضي، بأنه "مسألة حياة أو موت".

حملات إعلامية ممنهجة

لم يكد يجلس السيسي على كرسي الحكم بضعة أشهر، حتى شنت أذرعه الإعلامية بدعم من رئيس جهاز المخابرات الحاليّ عباس كامل، ذراع السيسي اليمين، حملات مكثفة ضد نشطاء يناير، حيث وصفتهم البرامج الحوارية التي تبث على الفضائيات الحكومية والخاصة بأنهم "خونة" و"جواسيس" و"عملاء لدول أجنبية".

وكان من أشهر من تبنى هذه الحملات، النائبين: عبد الرحيم علي ومصطفى بكري، بجانب الإعلامي المقرب من السيسي، أحمد موسى، حيث نشرووا ما يسمونها تسريبات تدين نشطاء الثورة باعتبارهم عملاءً لقوى ودول أجنبية، وذلك رغم تجريم بث مثل تلك التسريبات قانونًا، لكن لا أحد تحرك لمنع هذه المخالفات.

بجانب ذلك سيطرت الشركات التابعة للجهات السيادية الأمنية الداعمة للنظام على خريطة الإعلام في مصر، على رأسها شركة "إعلام المصريين" وغيرها من الكيانات الوليدة التي فرضت كامل سيطرتها على وسائل الإعلام بأنواعها كافة، وبين افتتاح وسائل جديدة ودمج القديمة وغلق الأخرى، بات الإعلام كله في قبضة تلك المؤسسات، تتحكم فيما يبث شكلًا ومضمونًا.

هذا بخلاف حجب المواقع الإخبارية التي تغرد على غير هوى النظام، فمنذ مايو 2017، تم حجب نحو 500 موقع على الإنترنت حسب مؤسسة حرية الفكر والتعبير المصرية غير الحكومية التي أكدت أن العدد في ارتفاع مستمر، وشمل المنع مواقع محلية ومدونات ومنظمات حقوقية على غرارالشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان ومنظمة "هيومن رايتس ووتش" التي نشرت تقريرًا عن التعذيب في السجون المصرية.

وترى المؤسسة أن ممارسة الحكومة المصرية منذ 24 من مايو 2017 حتى الآن، تمثّل استمرارًا للإرادة السياسية للسلطات المصرية لفرض السيطرة على المجال العام الذي بدأ بحزم من القوانين التي تسعى لغلق المجال العام والسيطرة على المنصات المختلفة لحرية التعبير وللسيطرة والحد من تأثير الإعلام والصحافة، وما زالت الهيمنة والسيطرة تتمدد بعودة أسامة هيكل وزيرًا للإعلام من جديد.

حتى في السينما

لم تقف حملات التشويه للثورة عند حاجز الإعلام والسياسة وفقط، بل تجاوز ذلك إلى صناع السينما والدراما المصرية الذين سايروا الموجة كذلك عبر صناعة بعض الأعمال المشوهة لصورة الثورة، في محاولة للتشكيك في أهدافها والطعن في نقاء سيرتها، بالإضافة إلى محاولة تحسين صورة الشرطة والجيش.

فعلى سبيل المثال تدور أحداث فيلم "عيار ناري" الذي عرض ضمن فعاليات مهرجان الجونة السينمائي العام الماضي، حول جريمة قتل وقعت في أثناء أحد الاشتباكات في الثورة، إلا أن طبيب التشريح يقرر أن الضحية ماتت برصاصة قريبة، مما يستبعد احتمال مقتله على يد رجال الشرطة، بينما يصر شقيق الضحية على أن أخاه من الشهداء.

ومع أحداث الفيلم الذي يعد الإنتاج الأول لرجل الأعمال نجيب ساويرس، نكتشف أن هذا الشاب الذي حصل على لقب شهيد هو شاب فاسد مستهتر يحاول أن يستولي على ملك والدته وشقيقه من أجل الزواج بحبيبته التي حملت منه سفاحًا، ومع احتدام الموقف بينه وبين شقيقه يقتله دون قصد، ومن ثم يقرر مع أسرته والشارع أن يتم نقله للأحداث وادعاء أنه شهيد.

"ثورة يناير هي صرخة ضمير كل مصري ومصرية دفاعًا عن إنسانيتهم وحقوقهم وحريتهم، ثورة أظهرت أجمل ما فينا، غيرتنا إلى غير رجعة، وأعطتنا الأمل فى مستقبل أفضل ولو بعد حين" محمد البرادعي

وفي محطة أخرى نجد الجزء الثاني من فيلم "الجزيرة" للممثل أحمد السقا، حيث تدور أحداثه في بدايته عن ثورة 25 يناير، ولكن استخدام الثورة في الأحداث لم يكن تأريخًا لها، لكنه سبب في اقتحام السجون، مما يساعد على هروب منصور الحفني الذي يؤدي دوره السقا والمحكوم عليه بالإعدام ليعود مجددًا لتجارة المخدرات، أما المتظاهرون في الفيلم فيتبين لاحقًا أنهم من الجماعات التكفيرية.

وحرص صناع السينما على إنتاج أعمال تسعى لتحسين صورة رجال الشرطة وتشويه صورة الثورة، كما لعبت الرقابة دورًا مهمًا في منع الأعمال التي تسيء إلى السلطة أو الشرطة أو الجيش، حيث اعترضت الرقابة مؤخرًا على أحد الأدوار المشاركة في مسرحية "3 أيام في الساحل" للفنان الكوميدي محمد هنيدي.

جدير بالذكر أن سيطرة شركة "إعلام المصريين" التابعة للمخابرات العامة المصرية، بوصفها شرطي الدولة في صناعة الفن، على نصيب الأسد من سوق الفضائيات المصرية، وتحكمها في الأعمال المنتجة وفي الشخصيات المشاركة أيضًا، بالإضافة إلى شروطها في كتابة السيناريوهات التي تنص على عدم التعرض لرجال الشرطة أو الجيش بما يسيء لهم أو ينتقص من هيبتهم، أسهمت كلها في رسم الصورة التي تود لها السلطة في مصر أن تكتمل عن المرحلة الماضية في البلاد. 

لكنها ستبقى أيقونة الكرامة والحرية

لم تثن تلك الحملات الممنهجة لشيطنة الثورة، الشباب، عن الولع بها والإيمان بمكتسباتها والتعهد بالسير على دروبها لحين تحقيق أهدافها كاملة، وهو ما تترجمه تغريدات الشباب على منصات السوشيال ميديا، حتى من طالتهم يد التنكيل سواء بالاعتقال أو الإقامة الجبرية أو الهروب خارج البلاد ما زالوا يرفعون شعار الثورة كخيار وحيد للنهوض ببلادهم.

وبينما تعزف منصات الإعلام الموالي للنظام أو الداعم للثورة المضادة على أنغام التشويه والإساءة كان الشباب في الجانب الآخر يطربون الأذان بأغاني الثورة في ميدان التحرير، وهي المعادلة التي أثارت حفيظة الكثيرين من المتخوفين من موجة ثورية جديدة، إيمانًا منهم أنها هذه المرة ستكون مغايرة تمامًا، في الإستراتيجيات ووسائل التنفيذ، مع بقاء ذات الأهداف.

"الإيمان بهذا الحراك أكبر من محاولة التشكيك فيه بحملات معروف الغرض منها ودوافعها الحقيقية بعيدًا عن أي تبريرات أخرى" نشطاء الثورة

محمد البرادعي، نائب الرئيس المصري السابق، علق هامش إحياء الذكرى التاسعة للثورة قائلًا: "25 يناير هي أجمل ما فينا، وأحدثت تغيرات أدت بنا على طريق لا رجعة فيه"، مؤكدًا أن أهدافها وإن لم تتحقق بعد إلا أن يومًا ما سيأتي ليرى المشاركون فيها حصاد حراكهم وتضحياتهم.

المدير العام الأسبق للوكالة الدولية للطاقة الذرية كتب على حسابه على تويتر يقول: " ثورة يناير هي صرخة ضمير كل مصري ومصرية دفاعًا عن إنسانيتهم وحقوقهم وحريتهم، ثورة أظهرت أجمل ما فينا، غيرتنا إلى غير رجعة، وأعطتنا الأمل فى مستقبل أفضل ولو بعد حين".

لم تكن تلك التغريدة الوحيدة التي علق بها البرادعي على الثورة، فقد غرد في عدة تدوينات سابقة عن تحركات الشعوب بالقول: " تنتفض الشعوب عندما تُغلق أمامها وسائل التغيير السلمي.. رأيناها في ثورات الشعوب ضد الأنظمة الفاشية والقمعية، وما زلنا نراها في ثورات الربيع العربي. فتح منافذ التغيير السلمي من مجتمع مدني إلى إعلام حر واحترام حقوق الإنسان هو صمام الأمان".

وأضاف أن احترام حقوق الإنسان ليس ترفًا أو خيارًا أو تفضلًا، الإنسان الآمن على نفسه، المطمئن على احتياجاته الأساسية، القادر على التفكير والتعبير بحرية، هو الإنسان الذي يمتلك أدوات الابتكار والإبداع وبه تنهض الأمم والشعوب، منبهًا إلى أن هناك فارقًا عظيمًا بين نُبل الثورات وسمو أهدافها وسوء إدارتها ومحاولات اختطافها، منوهًا أن التاريخ يعلمنا أن الثورات لا تسير دائمًا فى خط مستقيم وإنما فى النهاية تنتصر لإرادة الشعوب.

فيما أشار أحمد ثابت، أحد المشاركين في ثورة يناير، إلى أن أجواء الثورة لم تغب عن المشاركين فيها يومًا واحدًا رغم السنوات التسعة التي مرت عليها، لافتًا إلى أن الإيمان بهذا الحراك أكبر من محاولة التشكيك فيه بحملات معروف الغرض منها ودوافعها الحقيقية بعيدًا عن أي تبريرات أخرى على حد قوله.

وأضاف الناشط في تصريحات أدلى بها لـ"نون بوست" "التنكيل بشباب الثورة والزج بهم في السجون أو دفعهم للهروب خارج البلاد زاد من إيمانهم بالثورة وأهدافها"، موضحًا أن الفكر الثوري فكر ممتد ومرحلي ومستمر، ولا يتوقف عند حاجز معين، فالثورة - على حد وصفه -  فكرة لا تموت بالتنكيل ولا تفنى بالتقادم ولا تشوه بالحملات.

أما أسماء يحيى فأكدت أنها منذ 2011 وحتى اليوم تلقن ولديها ( 10 و14 عامًا) دروس الثورة يومًا تلو الآخر، زارعة فيهما معاني الأمل والكرامة والإنسانية والحرية والديمقراطية، مؤكدة أنها وإن فشلت وجيلها في تحقيق تلك الأهداف فإن الأجيال القادمة هي المخولة بمواصلة الطريق حتى تحقيق كامل أهداف الثورة.

وأضافت في حديثها لـ"نون بوست" أن الأمل - رغم تضاؤله عامًا تلو الآخر، لم يخفت ضوءه، وأن شمس الثورة رغم محاولة طمس هويتها لن تتوارى خلف ستائر العجز والفشل، وأن الحياة قصرت كانت أو طالت ستشهد معارك تلو الأخرى، لتبقى الثورة الهدف الأسمى الذي ينشده الكثيرون رغم خيانة البعض لها ولأهدافها.

المتابع لمنصات السوشيال ميديا قبل ساعات قليلة من الذكرى الـ9 للثورة، يشعر أن الأجواء تبدو مشابهة لتلك التي كانت نهاية 2010، نفس النشاط وذات الهمة، ورغم محاولات التشويه الممنهج ما زالت الثورة مصطلحًا حسن السمعة لدى الجيل الجديد من الشباب في ظل سهام التجريح والإساءة الموجهة من كل حدب وصوب.