يعيش العالم العربي في العشرية الأخيرة أسوأ فتراته بتوسع دائرة العنف والحروب وتراجع مؤشرات الاقتصاد وارتفاع معدلات الفقر والبطالة، إذ تعمل كل هذه الظروف على حرمان المواطن العربي من أبسط حقوقه كالعيش الكريم والصحة بما فيها النفسية، وخلق مجتمعات موبوءة بالجريمة بأصنافها وارتفاع معدلات الانتحار.

وتتنوع الأمراض النّفسيّة بحسب الجنس والعمر ما بين الاكتئاب والقلق والهوس وانفصام الشّخصية والخرف، والإعاقة الذّهنية واضطراب التعلّم المحدّد والتّواصل وقصور الانتباه وفرط الحركة واضطراب الطّيف التوحّدي، حيث تُشير الإحصائيات الصحية للبنك الدولي إلى أن 7 بلدان من 10 تتصدر العالم في ظاهرة الاكتئاب لدى النساء هي بلدان في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا.

ويتصدر الاكتئاب بأنواعه (الذهاني وثنائي القطب) قائمة الأمراض النفسية وهو أيضًا المتسبب الرئيسي بحسب علماء النفس والاجتماع في 90% من حالات الانتحار التي بدأت تنتشر في العالم العربي بشكل واسع، ووفق بيانات منظمة الصحة العالمية، تفوقت مصر على الدول العربية التي تشهد نزاعات مسلحة وحروبا أهلية حيث شهدت 3799 حالة انتحار في عام 2016، تليها السودان بـ3205 حالة انتحار، ثم اليمن ثالثا بـ 2335 منتحرا، في حين جاءت الجزائر في المرتبة الرابعة بواقع 1299 حالة، ثم العراق بعدد 1128 حالة والسعودية في المرتبة الخامسة بنحو 1035 حالة، ثم بـ1013 حالة.

أزمة شاملة

يُرجح مختصون أن يكون المرض النفسي الأول في قائمة الأمراض التي تواجه البشرية بحلول عام 2030، وبما أنّ العالم العربي ليس بمعزل عما يدور من حوله وليس بمأمن عن مرض العصر، فإن المخاطر ستكون مضاعفة نظرًا لتوفر البيئة الملائمة على استشراءه وانتشاره.

في تونس، كشف رئيس قسم الطب النفسي بمستشفى الرازي للأمراض النفسية والعقلية (غرب العاصمة) وحيد المالكي أنّ عدد المرضى الذين يتعالجون في مستشفى تجاوز 200 ألف مريض سنة 2019، مسجلًا ارتفاع قُدّر بنحو 10 آلاف مقارنة بعام 2018 الذي سجّل 191 ألف و900 مريض.

وكانت إحصائيات رسمية تونسية صدرت عام 2016 أشارت إلى أنّ عدد المرضى الذين قصدوا العيادات الخارجية في مستشفى الرازي للعلاج وصل إلى نحو 150 ألفا، فيما سجّلت سنة 2012 نحو 146 ألف استشارة مقابل 136 ألفاً في عام 2011، فيما قاربت نسبة المصابين بالاكتئاب الـ20% من عدد السكان.

أما في المغرب، فقد دقت الجمعيات الأهلية والمنظمات الصحية نواقيس الخطر محذرةً من مخاطر الأزمة الصحية النفسية التي بات وقعها جليًا، وأشارت إلى أنّ 48.9% من المغاربة يعانون من اضطرابات نفسية، فيما كشف مسؤول سابق أنّ 160 طبيبًا يشتغلون لعلاج 8 ملايين شخص يعانون من الاكتئاب و3 ملايين يعانون من القلق المستمر و300 ألف يعانون من الفصام.

وتُعاني ليبيا التي تعيش فوضى واقتتال على السلطة منذ 2014 ارتفاع متزايد في نسب الأشخاص المعرضين لأزمات نفسية، حيث أعلنت ممثلة منظمة الصحة العالمية في ليبيا، إليزابيث هوف، في تصريحات إعلامية، أنّ "من المحتمل أن يحتاج واحد من كل سبعة ليبيين (أكثر من مليون شخص) إلى رعاية صحية نفسية لحالات مثل الاكتئاب والاضطراب الثنائي القطب واضطراب ما بعد الصدمة والقلق والفصام".

ويُرجع مختصون ارتفاع نسب المعرضين لأزمات نفسية في ليبيا إلى انعدام الاستقرار الأمني وحالة الانقسام والفوضى التي تعرفها البلاد منذ ثورة 17 فبراير، وغياب آفاق التسوية السياسية، كما تُعد الحرب من الأسباب الرئيسية لتفشي الأمراض كالكآبة والقلق والخوف المزمن الذي يستهدف خاصة من تعرضوا للنزوح وحملات التهجير القسري.

ولم يختلف الوضع كثيرًا في اليمن، حيث يعرف البلد انهيارًا شبه تام للمرافق الأساسية وشلل اقتصادي ومعيشي بسبب الحرب التي عرّضت معظم سكانه إلى خسائر بشرية مرعبة ولّدت صدمات وأمراض نفسية خطيرة وضغوطات معيشية متواترة سواء على مستوى انعدام الأمن الغذائي أو تفشي الأمراض والأوبئة.

وكانت منظمة الصحة العالمية كشفت في وقت سابق أنّ "1 من 5 أشخاص في مناطق الحرب يعانون من الاكتئاب أو القلق أو اضطرابات ما بعد الصدمة أو الاضطراب ثنائي القطبية أو انفصام في الشخصية، فيما يعاني كثير منهم من أشكال حادة من هذه الأمراض العقلية"، وينطبق الأمر على اليمن والعراق وسوريا.

وفي السياق ذاته، أورد تقرير لرابطة علم النفس الأمريكية، أن 60% من اللاجئين السوريين يعانون من "اضطراب ما بعد الصدمة"، فيما ترجح تقارير ارتفاع الضحايا وخاصة منهم الأطفال مع استمرار القتال وسقوط البراميل المتفجرة.

والأمر ذاته في غزة المحاصرة، حيث يُعاني القطاع من تداعيات استهداف الاحتلال، حيث ذكرت منظمة الصحة العالمية أن 210 آلاف شخص في قطاع غزة يعانون من اضطرابات نفسية وخيمة أو متوسطة، أي أكثر من 10% من عدد السكان.

أسباب متنوعة

يعود تزايد حالات الإصابة بالاضطرابات النّفسية إلى أسباب متنوعة ومتداخلة وإلى عوامل ملائمة لتفشي الأزمة أكثر فأكثر، ففي ظلّ الأزمات المتلاحقة التي يعرفها العالم العربي والتغيرات السياسية وتداعياتها الاجتماعية والاقتصادية باتت فرص تعرض المواطن العربي لمخاطر الأزمات النفسية عالية.

كما تُشكّل الحروب والصّراعات بيئة حاضنة للأمراض وانتشارها نظرًا لمخلفاتها وتداعياتها على الصحة النفسية، فسكان بؤر التوتر يتعرضون بشكل متكرر للعنف ويفتقدون للأمن ويُعانون الأمراض المتنوعة دون الحصول على علاج، إضافة إلى الفقر المتفشي وانعدام الغذاء، كما تُعاني مجتمعاتهم من تفكك الروابط الاجتماعية بفعل الموت أو التهجير.

كما يؤثر غياب جهود الحكومات في التّعاطي مع الأزمة بجدية وغياب الاستراتيجية الواضحة للوقاية في ارتفاع نسب المصابين، وبحسب منظمة الصحة العالمية، فإنّ البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل (منها الدول العربية) لم تستجب بشكلٍ كافٍ حتى الآن لعبء الاضطرابات النفسية، مشيرةً إلى أنّ هناك ما بين 76% إلى 85% من المصابين بأمراض نفسية لا يتلقون أي علاج لحالتهم.

وفي الإطار ذاته، فإنّ تداعيات تراجع اقتصاديات الدول العربية وما أفرزته من انخفاض حاد في مستوى المعيشة وارتفاع غير مسبوق في نسبة المواطنين الذين يعيشون تحت خط الفقر ومعدلات البطالة، زادت من تردي الوضع الصحي للإنسان العربي وحالات الاكتئاب ومحاولات الانتحار.

كما يُعدد الانهيار القيّمي والأخلاقية الّتي تعيشها الإنسانية نتيجة المتغيرات السّريعة والتطور التكنولوجي واتساع دائرة العولمة المتوحّشة من بين الأسباب الرئيسية لارتفاع نسب المصابين بأزمات نفسية، فالإمارات العربية لا تُعاني من أزمات اقتصادية كالتي تشكو منها بعض الدول العربية، إلاّ أنّ ارتفاع نسب الأمراض النفسية دفعها إلى استحداث وزارة للسعادة.

الداء والدواء

وفي سياق ذي صلة، فإن سياسات الأنظمة الحاكمة في العالم العربي التي لا تستند لحواضن شعبية والقائمة أساسًا على التسلط والعنف، أثرت سلبًا على صحة الأفراد النفسية نظرًا لانعدام الحريات الأساسية وسلب الحقوق وتضييق آفاق الإبداع والخلق.

وباستثناء تونس، تقع بعض بلدان الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في أسفل قائمة مؤشّر الديمقراطية عالميا، ويعمل القائمون على السلطة فيها على تهميش الأفراد وإخضاعهم إلى التضييق والمراقبة ومصادرة حقوقهم كالتعبير الحر، وعادة ما يتعرض المواطنون في تلك البلدان خاصة في المظاهرات إلى أبشع صور التعذيب والإذلال (سحل، فحص شرجي، إخفاء قسري)، وهي انتهاكات لها تداعيات على صحة الفرد والمجموعة ويولد فيهم شعورًا بعدم الأمان.

وعجزت معظم الدول العربية تقريبًا على إيجاد مقاربات تتعامل مع المخاطر الجديدة التي تُهدد حياة المواطنين واستبدال المنظومات الحالية القائمة على تهميش قطاع الصحة من خلال رصد موازنات ضعيفة لا تُساعد على تغطية الحاجيات وتطوير الخدمات المسداة (جودة الرعاية) كتدريب الكادر الطبي وتحديث الأجهزة وحتى البنى التحتية، ففي كثير من الدول العربية تُعد المستشفيات النفسية هي الأخرى مراكز احتجاز يفتقد فيها المريض للمعاملة الإنسانية (شد في الأسرة وضرب).

 

وتفوّت أغلب الدول العربية عن نفسها تقليص أعداد المصابين والحد من انتشار المرض النفسي، بعدم استغلالها التكنولوجيا الحديثة كوسائل التواصل الاجتماعي لتحسيس مواطنيها وتوسيع حملات التوعية بمخاطر الأمراض النفسية وطرق الوقاية والتعامل مع المرضى.

إلى جانب نقص خدمات الرعاية الصحية الموجهة لهذه الفئة من المرضى، يغيب الدعم الاجتماعي والمساعدة في الوصول إلى برامج الرعاية التي تلائم احتياجاتهم، وفرص توظيف التي تمكنهم من العيش الكريم وإعادة الاندماج الفعلي في مجتمعاتهم.

في المقابل، لا يُمكن بأي حال من الأحول تحميل الدول المسؤولية الكاملة عن تفشي الأمراض النفسية المستعصية داخل المجتمعات، فالمواطنون يتحملون نصيبًا لا بأس به يتمثل في  سوء فهمهم لهذه الأمراض وتشخيصها ذاتيًا وفق موروثهم وعاداتهم، فيوصف المريض النفسي بـ"الممسوس" و"الملبوس" وعند أهل المغرب العربي يُقال عنه "من تحت إيديهم" (مسحور)، فيما يُخير المرضى الصمت وعدم زيارة الطبيب خوفًا من وصمهم بالمجانين.

 

وتلتجأ عائلات المرضى إلى ما يُسمونه الطب البديل (الشعبي) والرقاة، وعادة ما تزيد تلك الزيارات في معاناة المرضى وتعكير حالتهم الصحية في ظل غياب رقابة أجهزة الدولة على مزاولي تلك المهن العشوائية.

 

بالمحصلة، من المؤكد أنّ الحيطة الاجتماعية تُعد أول مراحل العلاج والوقاية من بعض الأنواع الحادة للمرض النفسي، فالأسرة (غير المفككة) تكون حاضنة وسدًّا منيعًا يحمي الأفراد، فيما تعد الرعاية الصحية الحلقة الثانية في برنامج المتابعة تبدأ من حسن التشخيص وتقديم العلاج المناسب، غير أنّ الدولة وهي سلطة الرعاية تحمل الواجب الأكبر في الحفاظ على صحة رعاياها الجسدية (الأمراض العضوية) والنفسية، بتوفيرها الرفاه الاجتماعي والاقتصادي وحرصها على توزيع خدماتها الأساسية بشكل عادل ومناسب لحاجيات مواطنيها.