مع التحاق فرنسا واليابان وكوريا الجنوبية بالدول التي أعلنت ظهور فيروس كورونا في أراضيها مثل سنغافورة وتايلند والولايات المتحدة وفيتنام والهند ونيبال، وبالتزامن مع تقارير تؤكد أن أعداد المصابين والوفيات جراء السلالة الجديدة يفوق بكثير ما اكتشفته السلطات الصينية، ازدادت حالة القلق والمخاوف الدولية من انتشار المرض بشكل واسع في رقع أخرى من الكرة الأرضية، واتخذت الحكومات إجراءات عاجلة في المطارات والموانئ لرصد الفيروس والتعامل معه قبل تفشيه.

هلع دولي

رغم إعلان منظمة الصحة العالمية أنه من السابق لأوانه اعتبار فيروس كورونا الجديد الذي ظهر في الصين وبدأ بالانتشار في العالم، "حالة طوارئ صحية عامة على نطاق دولي" (PHEIC) أي أنه حدث استثنائي يشكل خطرًا على الدول الأخرى من خلال انتشار المرض ويتطلب استجابة دولية منسقة، فإن بعض الحكومات سارعت باتخاذ إجراءات عاجلة.

وفي السياق ذاته، دعت كل من الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا رعاياهما بتوخي الحذر أو تجنب السفر إلى مدينة ووهان الصينية عقب انتشار فيروس كورونا الجديد، فيما أعلنت أنقرة اتخاذ إجراء وقائي بفحص جميع الوافدين جوًا من الصين، إضافة إلى إيقاف رحلات شركة خطوط جوية صينية من مدينة ووهان إلى إسطنبول (3 رحلات أسبوعيًا).

بدوره، رفع المركز الأوروبي للوقاية من الأمراض ومكافحتها تقييمه للمخاطر الناجمة عن زيادة انتشار فيروس كورونا الجديد وإمكانية وصوله إلى أوروبا من درجة "منخفض" إلى "متوسط"، وذلك في وقت أعلنت فيه باريس تسجيلها لثالث إصابة مؤكدة.

عربيًا، أعلنت كل من الإمارات والكويت ومصر أنه سيتم إخضاع جميع المسافرين القادمين على متن رحلات مباشرة من الصين للفحص الحراري، فيما أكدت السلطات العراقية خلوها من الإصابات واستمرارها في فحص الوافدين من الصين والدول التي سجلت حالات إصابة فيها.

في مقابل ذلك، رفض مسؤولون سعوديون، وفق شبكة سي إن إن الأمريكية، التعليق على تأكيد وزير الدولة الهندي للشؤون الخارجية فيلامفيل مريدالهاران، اكتشاف إصابة ممرضة هندية بفيروس كورونا، بعد فحص نحو 100 ممرضة هندية معظمهم من كيرالا، يعملن في مستشفى الحياة بمحافظة العسير السعودية.

وتُعاني المملكة منذ 2012 من متلازمة الشرق الأوسط التنفسية (MERS) هو مرض تنفسي فيروسي وأحد سلالات كورونا.

الصين.. الفيروس والأرقام

اتخذت الصين إجراءات صارمة لمجابهة الفيروس خوفًا من تحوله إلى وباء قاتل بعزلها أكثر من 40 مليون مواطن وإغلاقها لمدينتين تقعان في مركز انتشار "كورونا" الجديد وهما ووهان ويقطنها 11 مليون نسمة وهوانغانغ المجاورة 7 ملايين شخص، وطالبت سلطات بيكين الساكنين بعدم المغادرة، إضافة إلى إيقاف جميع وسائل النقل فيما لا يقل عن عشر مدن واقعة في مقاطعة هوبي (وسط) يقطنها نحو 33 مليون شخص.

وفي الإطار ذاته، أعلنت مقاطعة شنغهاي إغلاق المزار السياحي "ديزني لاند" للمساعدة في منع انتشار فيروس كورونا الجديد القاتل، وأُغلقت أقسام من سور الصين العظيم، ومواقع كمقابر "مينغ"، كما منعت الاحتفالات برأس السنة الصينية (القمرية) التي تبدأ اليوم 25 من يناير وتمتد لأسبوع ويُشارك فيها أكثر من 400 مليون شخص من مختلف أنحاء العالم.

خطوات بيكين لم تقف حد آلية "الحجر الصحي"، بل أعلنت إنشاءها لمستشفى بطاقة استيعاب تقدر بألف سرير لعلاج مرضى الفيروس تنتهي أشغاله في الـ3 من فبراير، ما يعكس ارتفاع الإصابات في الأيام القليلة الماضية، وشدة مخاوف المسؤولين من انتشاره.

ووسط دعوات المجتمع الدولي وحراك الداخل بضرورة التعامل بشفافية أكثر من أجل متابعة المنحنى الوبائي للفيروس، حينت الصين بياناتها الرسمية وأعلنت لجنة الصحة الوطنية أن عدد الوفيات جراء كورونا المستجد بلغ 41 شخصًا مع ارتفاع في عدد الإصابات المؤكدة إلى 1300حالة.

ويُتهم الحزب الحاكم في الصين بالتعتيم على حجم وتداعيات انتشار فيروس "سارس" الذي شهدته عام 2003، ما أعاق الجهود الدولية في رصد ومكافحة المرض.

في مقابل ذلك، تؤكد التقارير الدولية أن الإحصاءات التي أفصحت عنها سلطات بيكين أقل بكثير من الواقع ومن حجم الإجراءات التي أخذتها الدولة الآسيوية، حيث أوضح باحثون في جامعة "إمبريال كوليدج لندن" أن الفيروس أصاب ما لا يقل عن 1723 حالة بالمرض بحلول 12 من يناير، مرجحين وصول العدد إلى 4500 حالة.

كورونا المستجدة

يؤكد مسؤولون بمنظمة الصحة العالمية أن الإشكال الحقيقي في التعامل مع السلالة المستجدة لكورونا يكمن في التفاصيل الدقيقة للمرض من حيث شدته وسرعة وطريقة انتقاله، ويذهب المدير العام لمنظمة الدولية تيدروس أدهانوم غيبريسوس إلى أبعد من ذلك بالقول إنهم لا يعرفون مصدر هذا الفيروس ولم يصلوا بعد إلى تحديد مدى سهولة انتقاله وخصائصه السريرية.

وتنتمي السلالة الجديدة من الفيروس إلى العائلة الموسعة من "كورونا" (عددها 6) التي تستهدف الإنسان مباشرةً وتتسبب في عدد من الأمراض تتراوح حدتها وتتنوع من نزلات البرد إلى الأمراض الأكثر خطورة، مثل متلازمة الشرق الأوسط التنفسية ومتلازمة الالتهاب الرئوي الحاد الوخيم "سارس".

وهو أيضًا من الفيروسات التاجية التي اكتُشفت في أواسط الـ60 وهي فيروسات اٍيجابية ذات حمض نووي ريبوزي أحادي السلسلة (RNA) بشكل يشبه الاٍكليل أو التاج بغلاف مكون من بروتينات سكرية بنيوية، وتُهاجم الفيروسات التاجية على عمومها الجهاز التنفسي (قصور تنفسي حاد والارتشاح الرئوية) والقناة الهضمية للثدييات والطيور.

أعراض الفيروس

كغيرها من الفيروسات المستجدة والغامضة، فإن كورونا الجديد يمكن أن يصبح قاتلًا لفئة معينة من الأشخاص وخاصة من يعانون من ضعف أجهزة المناعة والرضع وكبار السن، لذلك يتوجب الحيطة والحذر ومراقبة الأوضاع الصحية وبوادر أعراض المرض التي يُمكن تلخيصها في الآتي:

  • ضيق وصعوبة التنفس
  • السعال
  • الصداع في الرأس
  • التهاب رئوي
  • فشل على مستوى أداء الكلى

وتُعد الحمى من أكثر الأعراض الشائعة في معرفة مرض كورونا وتعمل الدول وأجهزتها على رصد درجات حرارة الإنسان لاكتشاف المصابين، غير أن بعض ضحايا الفيروس المستجد لم يظهر عليهم أعراض بالحمى، الأمر الذي يُعيق جهود اكتشافه ورصده.

وكانت لجنة الصحة الوطنية الصينية قد كشفت أن 5 من بين 17 شخصًا قضوا بسبب فيروس كورونا الجديد أظهروا أعراضًا أخرى غير الحمى كضيق الصدر والسعال وفقدان الوعي والقيء والإرهاق والشعور بالضعف.

لقاح

يؤكد المختصون في مجال الأمراض والأوبئة المستجدة أنه لا يوجد في الوقت الراهن علاج للمرض الذي يسببه فيروس "كورونا" الجديد كما لا تتوافر التطعيمات اللازمة للوقاية منه، وبحسب تأكيدات التحالف العالمي للقاحات والتحصين، فإن عملية تطوير لقاح ضد الفيروس المستجد يحتاج على الأقل عامًا كاملًا.

وفي السياق ذاته، شدد المدير التنفيذي للتحالف سيث بيركلي، على صعوبة تقييم مخاطر الفيروس ومدى احتمال حدوث طفرة فيه ومن ثم انتشاره في العالم، لكنه في المقابل لم يُخف أمله في أن تتوصل المنظمات الدولية المختصة من البدء في تطوير لقاح مضاد بعد أن تمكن العلماء من فك الشفرة الجينية للفيروس ونشرها للدوائر المختصة.

يؤكد مختصون في الأمراض السارية والمعدية أنه بالإمكان معالجة بعض أعراضه إذا توافر التشخيص والرعاية المركزة المبكرة ما يعني أن العلاج الناجع مرتبط بالحالة السريرية للمريض، كما يُنصح عادةً الأشخاص في مثل هذه الحالات باتخاذ التدابير الوقائية للحماية من الفيروسات كالحفاظ على نظافة اليدين والنظافة التنفسية والممارسات الغذائية الصحية من مصادر آمنة وتفادي الاقتراب قدر الإمكان من أي شخص تظهر عليه أعراض السعال والعطس.

الصين بلد الأوبئة؟

عرفت الصين إضافة إلى فيروس كورونا المستجد فيروسات أخرى وأمراض ارتقت في التصنيف إلى الأوبئة ومنها:

  • انتشار الإنفلونزا الآسيوية في فترة ما بين شتاء 1957 وربيع 1958 ورجحت التقديرات الوفيات بين مليون و4 ملايين شخص.
  • إنفلونزا هونغ كونغ 1968 و1969 أسفر عن مقتل ما بين مليون ومليوني شخص وهو أول وباء تم التنسيق على مكافحته عالميًا.
  • "سارس" أو متلازمة الالتهاب التنفسي الحاد ظهر في إقليم غوانغدونغ وانتشر في عدد من بلدان العالم عام 2002 أوقع أكثر من 8000 مصاب وأكثر من 800 وفاة منهم 350 في الصين.
  • إنفلونزا الطيور "إتش 5 إن 1" ظهر في هونغ كونغ وأسفر عن وفاة 300 شخص

هذا الرصد لقائمة الفيروسات التي ظهرت في الصين لا يمكن اعتماده كاستنتاج واضح على أن هذه الدولة تعد بؤرة ومصدرًا للأوبئة، ففيروس زيكا مثلًا ظهر في 2015 بمناطق في أمريكا الجنوبية كالمكسيك وأمريكا الوسطى ومنطقة البحر الكاريبي، وانتشر الإيبولا (EVD) في الزائير وغرب إفريقيا وتسبب في مقتل أكثر من 11 ألف شخص بين 2013 و2015.

إلى ذلك، في ظل تقارير علمية تؤكد أن ثعبان "كرايت" الصيني ذا الأشرطة المتعددة والكوبرا الصينية قد يكونان المصدر الأصلي للعدوى بفيروس كورونا المستجد الذي أدى إلى سقوط عدد من الضحايا، تخرج روايات أخرى مفادها أن الفيروس صُنع في مختبرات سرية بأوروبا، وما هو إلا إعلان لحرب بيولوجية تُستهدف فيها بلدان بعينها، وهي روايات يحلو للمؤمنين بنظرية المؤامرة تسويقها مع كل وباء جديد.