يصطدم الباحث في تاريخ المغرب الحديث بإشكاليات منهجية تُعيق فهم الأحداث وتُمكن من ضبط المنطلقات الفكرية لرواد الحركة الوطنية زمن الاستعمار، ويعود ذلك أولًا لاختلاف المدارس السياسية وتنوع اتجاهاتها، وثانيًا إلى عجز بعض المؤرخين والباحثين عن تأصيل كتاباتهم وبحوثهم على قاعدة الفهم وإعادة البناء واقتصارهم على النقل والمقارنة، فأُسقطت بذلك القراءة الموضوعية المتجردة من كل الحسابات الإيديولوجية والفئوية التي تُعيد الاعتبار لشخصيات سياسية طبعت مسار النضال الوطني والانعتاق من الاستعمار.

ويُعد محمد الحسن الوزاني من أكثر الشخصيات التي ظلمتها المقارنة والقراءة التاريخية المبتورة، حيث يتم تناول إرثه السياسي والفكري من منظور الصراع على زعامة الحركة الوطنية وحراكها الثوري ضد الاستعمار الفرنسي والإسباني، واقترن اسمه بمنافسه -حسب المؤرخين المغاربة- علال الفاسي.

بداياته

ولد محمد الحسن الوزاني في 17 من يناير 1910 بمدينة فاس ودرس بها حتى حلول سنة 1927، ثم هاجر إلى فرنسا أين حصل على شهادة الباكالوريا (الثانوية العامة)، والتحق بالمدرسة الحرة للعلوم السياسية، ليصبح بعدها أول مغربي يحصل على الإجازة في هذه العلوم، كما درس في تلك الفترة الصحافة والتاريخ.

في ثلاثينيات القرن العشرين توجه الوزاني إلى جينيف (سويسرا) والتقى الأمير شكيب أرسلان وعمل معه على القضايا الملحة كمقاومة المشاريع الاستعمارية في البلاد العربية، وأصبح فيما بعد عضوًا في هيئة تحرير مجلة الأمة العربية (ناطقة بالفرنسية) ونشط في جمعية نجم شمال إفريقيا بباريس وكان له دور في تأسيس جمعية طلبة شمال إفريقيا المسلمين بمساعدة تونسيين ومغاربة.

النضال

بعد عودته إلى المغرب، أسس الوزاني في أغسطس 1933 جريدة عمل الشعب وكانت صحيفة مغربية ناطقة بالفرنسية اختارها لمخاطبة المستعمر بلغته ومنافسة الصحف التي يُصدرها، نشر فيها عدد من الوطنيين مقالاتهم كأحمد الصفريوي وعمر بن عبد الجليل الذي كان يكتب مقالات يفضح فيها انتهاكات الحماية الفرنسية بحق الفلاحين.

شارك الوزاني في تأسيس كتلة العمل الوطني وصياغة وثيقة مطالب الشعب المغربي سنة 1934، إضافة إلى ترؤسه الوفد الذي أُرسل في يوليو 1936 إلى فرنسا لمقابلة وكيل وزارة الخارجية الفرنسية بول فينو، من أجل المطالبة بإصلاحات إدارية واقتصادية واجتماعية لصالح الشعب المغربي، إلا أنه سريعًا ما انسحب بسب ما رآه استفرادًا بسلطة من جانب علال الفاسي الذي استغل غيابه وعقد المؤتمر الأول لكتلة العمل الوطني يوم 25 من أكتوبر 1936 بالرباط، لتُحل الكتلة في 1937.

من جهة أخرى، مثلت حالة الانشقاق وتصاعد الخلاف بين الشخصيات الوطنية، إضافة إلى المقالات المحرضة على الاستعمار التي ينشرها الوطنيون ومنهم محمد الوزاني التي تعبر عن سخط الشعب وتذمره من السياسة الاستعمارية والانتهاكات المتواصلة للمعمرين، حجة لسلطات الحماية في إصدار قرار يمنع صدور الصحف في أكتوبر سنة 1937.

كما عجلت حادثة "بوفكران" في سبتمبر/أيلول من نفس العام والاحتجاجات التي عرفتها الأقاليم المغربية، تضامنًا مع المسجونين وضحايا رصاص الجيش الفرنسي، وأوامر الاعتقال والإبعاد التي طالت زعماء الحركة الوطنية المناهضة للاستعمار، بفرض الإقامة الجبرية على محمد الوزاني لمدة 9 سنوات بمنطقة أمازيغية في ضواحي إقليم الراشيدية، في حين كان مصير زعيم حزب الاستقلال علال الفاسي فيما بعد النفي إلى دولة الغابون وسط إفريقيا.

استغل الوزاني فترة الإقامة الجبرية في القراءة والاطلاع على تجارب الدول التي تعيش تحت وقع الاستعمار والتأمل في واقع بلاده وإمكاناتها في التخلص من "الحماية"، وتشكلت لديه قناعة أن بلاده تسير نحو الاستقلال والأجدى التفكير في دولة جديدة مرجعيتها الإسلام.

منذ الوهلة الأولى لمغادرته الإقامة الجبرية في مايو 1946، لم يضيع الوزاني الوقت وعمل على إنشاء حزب من أجل خوض معركته السياسية، فشد الرحال إلى مصر لمقابلة رواد الفكر الإصلاحي من المتنورين والليبراليين، وكذلك القوميين العروبيين، من أجل توحيد الجهود وتقوية عضد مقاومي الاستعمار في العالم العربي، والتقى الوزاني في رحلته إلى القاهرة نخبة من رجال الفكر والسياسة والإصلاح والصحافة والأدب، ناهيك عن زعماء سياسيين كالرئيسين جمال عبد الناصر والحبيب بورقيبة، مستلهمًا منهما طرق الوقوف في وجه المستعمر وتنويع المقاومة. 

الوزاني والاستقلال

أسس محمد الحسن الوزاني حزب الشورى والاستقلال سنة 1946، وكان يعتبره امتدادًا للحركة القومية العربية في المغرب، ويحمل رسالة النضال ضد الاستعمار ومقاومته، إضافة لكونه مشروع تنمية وتقدم في ظل نظام ملكي عادل يتخذ فيه من الزعماء الوطنيين أمثال علال الفاسي والمهدي بن بركة حاضنة نصح ومشورة.

ومن هذا الجانب، حرص حزب الوزاني على توحيد الجهود لمقاومة المستعمر من خلال مشاركته مع باقي الأحزاب في جبهة واحدة تكون أكثر فعالية وجدوى في فرض مطالبها والدفاع عن قضيتها العادلة، وتجسد ذلك في 9 من أبريل 1951 بتأسيس الجبهة الوطنية المغربية التي ضمت أربعة أحزاب وهي: حزب الوحدة المغربية وحزب الإصلاح الوطني وحزب الاستقلال وحزب الشورى والاستقلال.

بعد نيل المغرب استقلاله في 1956، عمل حزب الاستقلال بقيادة علال الفاسي على إقامة نظام الحزب الوحيد ومناهضة الأحزاب المعارضة له، واستطاع في 1958 تهميش "حزب الشوري" وباقي الأحزاب، فيما شدد الوزاني على ضرورة إرساء نظام ديمقراطي يكفل التعددية الحزبية ويحرص على مبدأ التشارك في بناء الدولة، وهو ما أكده موقف حزبه الذي رفض دعوة محمد الخامس في 1960 لإنشاء مجلس دستوري توكل له مهمة إعداد مشروع الدستور.

ويرى الوزاني أن الطريقة الطبيعية والديمقراطية في وضع أي دستور هو المجلس التأسيسي المنتخب انتخابًا حقيقيًا عامًا وحرًا ونزيهًا، وهو ما بينه في صحيفة الدستور بتاريخ 12 من نوفمبر 1962، كما حاول رئيس حزب الشورى من خلال تجربته السياسية بعد تقلده وزارة للدولة في الحكومة التي ترأسها الملك الراحل محمد الخامس، إلا أنه سريعًا ما قدم استقالته، ليُنتخب بعدها نائبًا عن مدينة وزان في أول تجربة برلمانية للمغرب عان 1964.

وكان الوزاني من الشخصيات التي شددت على أن الإشكال الحقيقي لا يكمن في إرساء دستور بقدر ما هو تأصيل لديمقراطية صلبة وواقعية، فالدستور قد يؤدي إلى ديمقراطية مزيفة أو صورية وشكلية، وأكد ضرورة أن يستند هذا الدستور إلى المبادئ الأساسية للديمقراطية التي تقوم على اعتبار "الأمة مصدر السلطات، وضامنة الحقوق والحريات للفرد والجماعة والفصل بين السلطات".

وإضافة إلى رفضه لهيمنة حزب الاستقلال، كان للوزاني ذات الموقف المبدئي في معارضة تجربة تأسيس حزب ملكي، ودعا إلى القضاء على الفساد السياسي الذي ينخر كيان الدولة والمجتمع، محذرًا من أنه قد يقود إلى عدم الاستقرار السياسي على غرار الانقلابات العسكرية التي عرفتها بعض البلدان في المنطقة العربية، وهو الأمر الذي تحقق في انقلاب الصخيرات، بالقصر يوم 9 من يوليو/تموز 1971 وأصيب على إثرها الوزاني برصاصة في كتفه الأيمن ما أدى إلى بتر يده اليمنى.

فقد السياسي المغربي يده التي خط بها أفكاره ومبادئه، غير أن عزيمته القوية وحرصه على مواصلة تدوين فكره، ساعدته على تطويع يده اليسرى على الكتابة، وبقي بذلك سيل حبره يجرف المعارف لمن يُنشدها.

فكر الوزاني

دعا المفكر والسياسي المغربي إلى ضرورة اقتران الاستقلال بالديمقراطية، إضافة إلى دعوته إلى التأصيل لمفهوم الحرية في الإسلام من خلال تجديد القراءة الدينية والتاريخية يكون الغرض منها التخلص من التكلس الفكري والإبداعي والانفتاح على العالم الجديد، وكذلك تغيير النظرة السلبية السائدة عن الإسلام، يرى الوزاني أن "حرية الرأي من أقدم الحريات وأقدس الحقوق الإنسانية، التي يجب على السلطة الحاكمة أن تصونها صيانة أمينة دائمة".

كما انفرد الوزاني بمحاولة ترسيخه للفكر الليبرالي ونشره بين مكونات نخب الدولة والمجتمع من خلال دعوته إلى تبني المفاهيم السياسية الحديثة في الفكر السياسي المغربي كالقومية والديمقراطية والتعددية الحزبية، إضافة إلى أنه رائد التنظير لشكل نظام الحكم وطبيعة السلطة ومصادر شرعيتها، ومن أقواله: "لا سبيل إلى هذه الممارسة العملية الصحيحة التامة للسيادة من طرف الأمة إلا إذا كانت هذه الأمة سيدة نفسها، ومالكة زمام أمرها، وقادرة على التصرف في شؤونها".

من جهة أخرى، فإن الوزاني أصل لمفهوم سياسي جديد قوامه أن التعددية الحزبية لا تتناقض مع مفهوم وحدة الأمة الذي ينص عليه الإسلام، خاصة إذا كان هذا التعدد يستند إلى تعاقد سياسي بين الأمة وقيادتها.

الإرث المنسي

يقول الكاتب والمفكر المغربي إدريس الكنبوري في تصريح لـ"نون بوست"، إن الوزاني شكل استثناءً في تلك المرحلة التي ضمت سياسيين متشبعين بالفكر السلفي وخريجي التعليم الأصيل الذين كانت جامعة القرويين حاضنة له، حيث كان يؤمن بضرورة اقتران الاستقلال بالديمقراطية والتأصيل السياسي المتدرج لبناء أسس الدولة المتينة.

وأضاف الكنبوري أن النزعة الليبيرالية للوزاني التي استقاها من ثقافة الغرب ومن النخب الفرنسية كصحافيين وسياسيين كانت وراء عدم انتشار فكره بشكل كبير في ظل مجتمع محافظ يستمد ثقافته من المراجع الدينية في تلك الفترة، إضافة إلى العراقيل التي وضعها حزب الاستقلال المسنود من الزاوية الفاسية (فاس)التي تحظى بنفوذ قبلي وديني تقليدي، في مساعيه للتقرب للسلطان والتحكم فيه.

وأشار المفكر المغربي إلى أن طرح محمد الوزاني (ربط الاستقلال بالديموقراطية) وجد معارضة قوية من حزب علال الفاسي والاستعمار الفرنسي.

وفي سياق متصل بقضية إرث الوزاني، يقول علي حسني في مؤلفه "محمد حسن الوزاني وإشكالية البناء الديمقراطي": "للزعيم محمد حسن الوزاني مفهوم للسياسة، مغاير لما تمارسه النخبة الوطنية فلربما كان خطأه أنه مارس التفكير والممارسة السياسيتين بصوت مسموع، لقد كان صريحًا أكثر من اللازم، فخرج عن طبيعة الممارسة السياسية السائدة بالمغرب".

من جانبه، ذهب أستاذ العلوم السياسية المغربي عبد العالي حامي الدين بعيدًا إلى القول إن محمد بن الحسن الوزاني ظلمه التاريخ المغربي مرتين: الأولى حين لم يلق العناية الكافية في الكتابات التي تعرف به مثل المفكرين الآخرين الذين عاصروه أمثال علال الفاسي، والثانية حين صنف ضمن دائرة المفكرين وتناسوا فكره ذا المرجعية الإسلامية، ومحاولاته تجديد الخطاب والفهم الديني من خلال قراءة عصرية تواكب التطورات.

من جانبه قال الصحفي المغربي عبد السلام الكوارحي في حديث لـ"نون بوست": "الوزاني شخصية وطنية مغربية معروفة بإسهامها في الحياة السياسية وكذلك الفكرية والثقافية، ورغم إنشاء مؤسسة تعرف بموروثه الفكري (كتابات ومقالات صحفية)، لم تصل أفكاره إلى الأجيال اللاحقة ولم تطبق أفكاره على المستوى السياسي باعتباره أكثر سياسي نظر لأسس الدولة الحديثة القائمة على مبدأ الديمقراطية والتعددية الحزبية الضامنة لبناء نظام عدالة شامل، وكانت له رؤية استشرافية رائدة في نظام الحكم وأصوله".

وأشار الكوارحي أن الوزاني استطاع بفكره المتنور أن يمزج بين الأصالة المتمثلة في الموروث الديني والمرجعية الإسلامية والفكر الليبرالي ومنها الاجتماعي والاقتصادي، فقراءته كانت حديثة خاصة تلك المثيرة للجدل (الفقهية)، كما انفرد عن باقي السياسيين ومرجعياتهم الأصولية كالسلفية والماركسية والإسلامية، وترسيخه لفكر جديد يُرسخ لبناء نظام حكم يقوم على الديموقراطية والتشاركية.

في مقابل ذلك، أكد الصحفي المغربي أن المسؤولين والقائمين على السلطة يتحملون المسؤولية في عدم إحياء إرث محمد الحسن الوزاني من خلال المقررات المدرسية ومناهج التعليم، وهي رؤية دولة في عدم تبني مثل هذه الأفكار والتأصيلات، لذلك لا يصل فكر الوزاني إلى الشباب المغربي، مشيرًا أن الإعلام يتحمل أيضًا المسؤولية في عدم نفض الغبار عن شخصيات بحجم الوزاني.

يُذكر أن منزل المفكر المغربي، الذي كان مقرًا لاجتماع أعضاء المقاومة وجيش التحرير، عُرض في وقت سابق للبيع في مزاد علني بعد عجز عائلته عن تسديد تكلفة ترميمه، ما أثار حفيظة بعض المهتمين بتاريخ الحركة الوطنية.

بالمحصلة، فإن الدارس لسيرة الوزاني وإرثه الأدبي سيُلاحظ حتمًا قدرة هذه الشخصية الوطنية على قراءة الواقع واستشراف المستقبل من خلال منهجية فكرية ومقاربة تحليلية تنم عن التجربة الواسعة التي اكتسبها سواء من اطلاعه الكبير على الثقافة الغربية (الفرنسية) أم من خلال انتمائه القومي العروبي ومخالطته لروادها، والوزاني حذر في جل أعماله تقريبًا من أي اختلالات قد تُصيب العملية الديموقراطية في بلاده المغرب خاصة والعالم العربي عامة، ومنها غياب التنافسية الحزبية وقلة النضج السياسي وانتشار الفساد، وهو ما سقطت فيه أغلب الأقطار العربية التي لم تُفرز إلى الآن أنظمة سياسية ديمقراطية حقيقية.