يبدو أنّ تونس تسير تدريجيًا نحو الخروج من نفق الانقسام السياسي غير المسبوق بسبب تعطل تشكيل الحكومة منذ إعلان نتائج الانتخابات التشريعية قبل أكثر من ثلاثة أشهر، وذلك بعد اختلاف حاد بين الأحزاب حول ملامح وتركيبة فريق إلياس الفخفاخ المكلّف من قبل الرئيس قيس سعيد، وتضارب المواقف والتأويلات للفصلين (89 و97) من الدستور بين ساكن قرطاج ورئيس البرلمان (النهضة) صاحبة الأغلبية في مجلس الشعب في حال تعذّر التصويت عليها تحت قبة البرلمان.

تقديم رئيس الحكومة التونسي إلياس الفخفاخ المكلف من قبل الرئيس الجمهورية منذ 20 يناير كانون الثاني، لقائمة فريقه الوزاري الجديدة إلى قيس سعيد، جاء بعد توصله لاتفاق مع حركة النهضة التي عدلت في الساعات الأخيرة عن تمسكها بإشراك حزب قلب تونس وقرارها في وقت سابق بالانسحاب من مفاوضات تشكيل الحكومة، حيث دعت كتلتها البرلمانية لمنح الثقة لقائمة الفخفاخ، وقالت في بيان أورده مكتبها التنفيذي إنّ ذلك يعود إلى "تقدير للظروف الإقليمية الخطيرة والأوضاع الداخلية الاقتصادية والاجتماعية الصعبة".

 

وكانت النهضة أبدت في وقت سابق تحفظها على أسماء بعض الوزراء المرشحين (وزارة تكنولوجيا الاتصال) التي تم منحها بعد المفاوضات لشخصية مستقلة، إضافة إلى تحييد وزارتي العدل والداخلية، ومطالبتها بحقيبة سابعة تكون من نصيب قياديها لطفي زيتون.

الأزمة السياسية

لاحت الأزمة السياسية في تونس عقب فشل الحبيب الجملي مرشح حركة النهضة في نيل ثقة البرلمان بعد ثلاثة أشهر من الانتخابات التشريعية، وحصوله على 72 صوتًا مقابل 134 عارضوا منحه الثقة وامتناع ثلاثة نوّاب عن التصويت، وكان الجملي حظي بدعم من "حركة النهضة" و"ائتلاف الكرامة"، بينما صوتت أغلب الأحزاب ومن بينها "قلب تونس" و"تحيا تونس" برئاسة رئيس حكومة تصريف الأعمال يوسف الشاهد و"حركة الشعب" و"التيار الديمقراطي" و"الحزب الدستوري الحر" و"كتلة الإصلاح" ضد حكومته المقترحة.

وتصاعد الخلاف بين الأحزاب السياسية، بعد تكليف الرئيس التونسي قيس سعيد، إلياس الفخفاخ، بتشكيل حكومة جديدة، بإصرار حركة النهضة منذ بداية مشاورات على تشكيل الحكومة ذات حزام سياسي واسع وضرورة تشريك قلب تونس في إطار ما يسمى بحكومة وحدة وطنية، وهو الأمر الذي رفضه قيس سعيد وهدّد بحل البرلمان وإجراء انتخابات جديدة إذا ما فشلت محاولات تشكيل الحكومة.

 

وردت النهضة الفائزة بالانتخابات التشريعية الماضية (54 مقعدًا من أصل 217)، سريعًا بإعلانها إمكانية اللجوء إلى تفعيل الفصل 97 من الدستور وسحب الثقة من حكومة تصريف الأعمال برئاسة يوسف الشاهد وتكليف رئيس حكومة جديد تفاديًا للفراغ الحكومي، وسعيًا منها لاستعادة زمام المبادرة.

في مقابل ذلك، عملت شخصيات ومنظمات وطنية (اتحاد الشغل والأعراف) عبر مساعي الوساطة إلى إبعاد شبح حلّ البرلمان وإجراء انتخابات مبكرة، وهو السيناريو المخيف الذي تعمل عدد من الأحزاب على تجاوزه خاصة أنّ نتائجها لا تخضع لأيّ منطق أو أيّ ضمانات.

ولادة عسيرة

تضم حكومة الفخفاخ التي تنتظر التصديق عليها في مجلس الشعب، أحزاب حركة النهضة وتحيا تونس والتيار الديمقراطي وحركة الشعب ومستقلين، مستثنيًا حزب قلب تونس الحزب الثاني في البرلمان، وكتلة ائتلاف الكرامة صاحبة المرتبة الرابعة، وتحتاج الحكومة الجديدة إلى دعم 109 من أعضاء البرلمان المكوّن من 217 عضوا كي تبدأ في ممارسة عملها.

وفي السياق ذاته، أعلنت كل من حركة النهضة وأحزاب التيار الديمقراطي وحركة الشعب وتحيا تونس نيتها منح الثقة للتشكيل المقترح، ما يعني سهولة حصوله على ثقة البرلمان بأغلبية مريحة.

ونجحت حركة النهضة بعد مفاوضات عسيرة في الحصول على سبع حقائب وزارية، يليه التيار الديمقراطي بثلاث حقائب، وحزب تحيا تونس بحقيبتين، وحزب نداء تونس بحقيبة واحدة، فيما تحصل المستقلون على باقي الوزارات وعلى رأسها السيادية، حيث رُشحت ثريا الجريبي على رأس وزارة العدل، وهشام المشيشي للداخلية، ونور الدين الري لوزارة الخارجية، وعماد الحزقي للدفاع.

وقال الفخفاخ إنّ تشكيلة الحكومة الجديدة ضمت 32 عضوًا، ما بين وزير ووزير دولة، وتكوّنت من "ائتلاف واسع يمثل معظم القوى السياسية في البلاد"، بهدف ضمان الاستقرار وإعادة الثقة للتونسيين، مضيفًا أنّها "حكومة لكل التونسيين والتونسيات، توحد ولا تفرق في خدمة الشعب والوطن.

نحو ترويكا جديدة

تُذكر حكومة الفخفاخ الجديدة بترويكا (2012) التي قادها حمادي الجبالي (حركة النهضة)، من خلال عودة بعض الوزراء المقترحين إلى المشهد أو من خلال ترشيحهم لذات المناصب التي تقلدوها في تلك الفترة على غرار عبد اللطيف المكي (حركة النهضة) المرشح لحقيبة وزارة الصحة وهو المنصب الذي شغله في حكومة الترويكا الأولى والثانية برئاسة حمادي الجبالي ومن بعده علي العرض، إضافة إلى محمّد عبو (التيار الديموقراطي) المقترح في منصب وزير دولة لدى رئيس الحكومة مكلف بالوظيفة العمومية والحوكمة ومكافحة الفساد، وشغل المنصب ذاته في 2012 (حكومة حمادي الجبالي)، كما يضم التشكيل الجديد أسماءً لقياديين من الصف الأول لبعض الأحزاب السياسية كلطفي زيتون وعماد الحمامي (نهضة) وسليم العزابي (تحيا تونس) وغازي الجريبي ومحمد الحامدي (التيار الديموقراطي).

 

وفي الجانب نفسه، أكّدت الصحافية التونسية أسماء البكوش في تصريح لـ"نون بوست"، أنّ حكومة الفخفاخ تتميز بتنوع مرجعياتها السياسية التي تُضفي على المشهد عامة نوع من الحركية والديناميكية الفاعلة شريطة أن تُحسن التواصل وتعمل على تقريب وجهات النظر فيما بينها لضمان الحد الأدنى من التوافق، مشيرةً إلى أنّ تصدّر قيادات الصف الأول للأحزاب السياسية قائمة الحكومة قد يُعطيها نوعًا من الثقل والصلابة، موضحةً أن شكل الحكومة بهذه الملامح يمكن أن يقود في وقت لاحق إلى "ترويكا" جديدة.

قراءة في التشكيل الوزاري

في تصريح لـ"نون بوست"، أشار الصحافي والمحلل السياسي التونسي صالح عطية، إلى أنّ حكومة الفخفاخ ستُواجه مصاعب وعوائق خلال ممارستها الحكم كونها تتضمن فسيفساء مختلفة من الأطياف والقوى الحزبية والمرجعيات الإيديولوجية، مضيفًا أنّ المماحكة ستغلب على أدائها وستطغى التجاذبات السياسية والأيديولوجية في تحديد خياراتها الاقتصادية والثقافية والاجتماعية وحتى التربوية، خاصة مع ترشيح محمد الحامدي (التيار الديموقراطي) لوزارة التربية الذي يُرجح أن يعمل على تغيير المناهج الدراسية.

من جهة أخرى، أضاف عطية أن "تمثيل حركة النهضة في التشكيل الجديد اقتصر على الوزارات الاجتماعية ما يطرح عدد من الأسئلة أهمها: هل أنّ الحزب الأول في البرلمان اختار طوعًا مواجهة الملفات الاجتماعية العصيبة لتحقيق انجازات تدعم من خلالها رصيدها الانتخابي بعد تراجعه في السنوات الماضية أم أنّه فخ وضعه رئيس الحكومة المكلف من أجل توريطها وحشرها في الزاوية؟"، مضيفًا: " من المعلوم أنّ في السياسة هناك جهة تعمل على إضعاف خصومها عبر توريطهم في ملفات معقدة أو تركة ثقيلة".

إضافة إلى ذلك، قال الصحافي التونسي إنّ مستقلين كانوا العنوان الأبرز في الحكومة الجديدة بـ11 أو 12 وزيرًا، ينحدرون من عائلات سياسية أخرى لم يمنحهم الناخب التونسي أيّ صوت في الانتخابات تمكنهم من التموقع في البرلمان أو في مؤسسة الرئاسة، ما يعني أنّ بعض الأسماء عادت إلى المشهد السياسي من باب الخلفي وهي سابقة في تاريخ الحكومات التي تتشكل عادة من الفائزين وليس المنهزمين.

ويرى صالح عطية أنّ التكنوقراط سيشكلون نقطة ارتكاز في حكومة الفخفاخ الجديدة وسيكونون سندًا له طيلة فترة رئاسته من حيث تحديد البوصلة العامة لتوجهاتها، ومعولًا لهدم طرق تسيير الإدارة القديمة من حيث الأوامر الوزارية والقرارات.

وأوضح عطية أنّ من يعتقد أن دور رئيس حكومة تصريف أعمال يوسف الشاهد في المشهد السياسي فقد جانب الصواب، فالحكومة الجديدة بقيادة الفخفاخ تضم على الأقل 4 وزراء تابعين له، إضافة إلى قيامه بـ900 تعيين في الإدارة والوزارات في الفترة الماضية، ما يعني أنّ الشاهد سيُساهم في تشكيل المشهد السياسي وصنع القرار من وراء ستار، مشيرًا إلى أنّ الرئيس قيس سعيد له تمثيل قوي في هذه الحكومة عبر 4 وزارات سيادية، الأمر الذي يوحي بصراع مؤجل بينهم وبين حركة النهضة وباقي الأحزاب، مرجحًا أنّ لا تصمد حكومة الفخفاخ كثيرًا وأنّ مآلها الفشل بسبب التجاذبات القوية وحالة التنافر السياسي.

وفي سياق متصل، يرى بعض المتابعين للشأن السياسي أنّ حكومة الفخفاخ (حكومة الرئيس) لم تأت بنفس ثوري كما رُوج لها في البداية ولن تكون أيضًا حكومة الحرب على الفساد حينما استثنت حزب قلب تونس، وأشاروا إلى أنّ تركيبتها ضمت أعضاءً تحوم حولهم شبهات فساد.

 

حزام سياسي وأزمة اقتصادية

من جانبه، قال المحلّل السياسي صلاح الدين الجورشي في تصريح لـ"نون بوست" إن "ما يميز الحكومة التونسية الجديدة هو تنوعها بين وزراء سياسيين وتكنوقراط مستقلين، إضافة إلى توسع حزامها السياسي بعد التنازلات التي قدّمها إلياس الفخفاخ إلى حركة النهضة وهو ما سيجعلها ترى النور بعد التصويت عليها في البرلمان"، مؤكدًا على أنّ التحدي الرئيسي الذي سيواجهها في الفترة القادمة لن يكون سياسيًا بل اقتصاديًا بامتياز.

بدوره، أكّد نائب البرلمان عن حركة الشعب (مشاركة في الحكومة)، حاتم البوبكري، في حديث لـ"نون بوست" أنّه لا يمكن توصيف ما تعيشه تونس في هذه المرحلة بالأزمة وإنما هي ولادة عسيرة لحكومة في ظل الرهانات الصعبة التي تستوجب حكومة قوّية ببرامج إصلاح واضحة المعالم تُعيد حضور مفهوم الدولة لدى المواطنين.

وأشار البوبكري إلى أنّ الحديث عن انتقال سياسي ناجح لا يستقيم دون إجراء إصلاحات هيكلية جذرية على المستوى الاقتصادي، مثل كبح جماح التضخم والتحكم في نفقات الدولة والتقليص من الاستيراد والتقليل من المديونية الخارجية والأهم من ذلك وضع تصور لحكم يقوم على رؤى جديدة، أساسها الخط الاجتماعي والنهوض بالأفراد، مشدّدًا على أنّ إعادة الانتخابات أفضل بكثير من تشكيل حكومة لن تقوى على التغيير.

وصبّت الحكومات المتعاقبة بعد ثورة 14 يناير/كانون الثاني اهتماماتها على الجانب السياسي وتأمين الانتقال الديموقراطي، فيما جابهت الضغوطات الاقتصادية والاجتماعية (تشغيل وتحسين رواتب) بإصلاحات سطحية وغير عميقة.

ويسود الشارع التونسي حالة من الاحتقان خصوصًا مع ارتفاع سقف المطالب الاجتماعية بسبب تضخم الأسعار وارتفاع معدلات البطالة وتراجع مستوى الخدمات، وتحديدًا بعد التصريحات الأخيرة لمحافظ البنك المركزي التي أكّد فيها أنّ تونس ستشهد في الفترة الممتدة ما بين 2020 و2025 سلسلة من الضغوط المالية جراء حلول أجال السداد السنوي لأصول رقاعية واستحقاقات لقروض صندوق النقد الدولي.

 

وتبعث المؤشرات الاقتصادية على القلق في ظل غياب منوال تنموي قادر أن ينعش الوضع الاقتصادي والاجتماعي في البلاد، حيث لا تزال نسبة البطالة في مستوى مرتفع قُدرت في الربع الرابع من 2019 بـ14.9%، في حين وصلت نسبة التضخم إلى 5.9% خلال يناير/ كانون الثاني الماضي، ونسبة نمو بـ1% خلال سنة 2019، بينما يبلغ العجز في الموازنة 3.5%من الناتج المحلي الإجمالي، فيما بلغ العجز التجاري لتونس 346.6 مليون دولار.

وفي الإطار ذاته، تستقر نسبة الديون عند مستوى 74% وبلغت 7% في العام 2018 من حجم الناتج الإجمالي وفقاً لصندوق النقد الدولي الذي منح العام 2016 قرضاً بقيمة 2.9 مليار دولار لتونس صرف منها 1.6 مليار دولار على أربع سنوات مقابل القيام بإصلاحات اقتصادية واسعة على أن يتم سداده اعتباراً من 2020.

وتونس مطالبة في 2020 بخلاص أصل قرضين رقاعيين بمبلغ 250 مليون دولار في شهر أبريل/ نيسان، و400 مليون أورو في يوليو/ تموز، ولكنها تعتزم أيضًا التوجه إلى السوق الخارجية العام القادم للحصول على قروض جديدة بحسب مشروع الموازنة.

بالمحصلة، يمكن القول أنّ تونس خطت خطوة أولى لا يمكن التقليل من قيمتها في هذه المرحلة الدقيقة، ولكن الاتفاق الذي توصلت إليه الأحزاب بعد جولات مارطونية من المحادثات والمناكفات لإخراج الحكومة الجديدة إلى النور، بحاجة إلى خارطة طريق سياسية وبرامج عمل حكومية تشمل جميع المجالات وعلى رأسها قطاع الاقتصاد، والأهم من ذلك إعادة ثقة التونسيين في النخب والأحزاب التي تآكلت بفعل صراع التموقع في الحكم.