احتلت الصناعة مكانة ريادية وشكلّت أولوية قصوى لدول العالم من أجل تحقيق قفزات اقتصادية باعتبارها رافدًا أساسيًا من روافد التنمية وسبيلًا لتحقيق الاكتفاء الذاتي والازدهار والرفاه الاجتماعي، ونجحت الدول الغربية في تحقيق تقدم هائل بفعل الثورة التي شهدتها في القرن الـ18، ونتيجة للحراك الفكري والأدبي والعلمي الذي عاشته القارة العجوز في القرن السادس عشر، فيما بقيت الدول العربية منذ استقلالها إلى الآن تتلمس الطريق لإيجاد منوال تنموي بعد تجارب عديدة باء أغلبها بالفشل.

وفي هذا الملف (الصناعة العربية) سيحاول "نون بوست" تسليط الضوء على بداية التصنيع في العالم العربي والوقوف على بعض التجارب وأسباب فشلها في تحقيق نهضة صناعية قائمة على إنتاج محلي 100% يكون أنموذجًا تسير على منواله كل دول المنطقة.

بذرة الصناعة الحديثة

بدأت المعالم الأولى للثورة الصناعية في بريطانيا حين اكتشفت الآلة البخارية في ستينيات القرن الثامن عشر، وبفضلها تسارعت وتيرة ازدهار صناعة النسيج والصلب (أهم الصناعات في ذلك الوقت)، لينتقل اعتماد الآلات إلى باقي أرجاء أوروبا ثم أمريكا الشمالية في مطالع القرن التاسع عشر.

وفي أواخر القرن الـ19، تفجرت الثورة الصناعية الثانية بعد اكتشاف الباحث الأمريكي تومس إديسون للكهرباء والمصباح الكهربائي الذي شاع استعماله اعتبارًا من عام 1880، كما رافق هذا التحول الهائل اكتشاف البترول والطفرة الكبيرة في الصناعة الكيميائية التي صاحبت إنتاجه، وتوالت الإنجازات العلمية بابتكار طرق لتكثيف الموجات الصوتية وظهور التليفون والإذاعة والطائرة، لتتعزّز هذه الطفرة بإطلاق مشاريع الفضاء والبث التلفزي الفضائي والإنترنت، ولم ينقطع سيل الاكتشافات حيث ينتظر العالم طفرات صناعية أخرى قد تشكل نقطة تحول في حياة البشرية.

العالم العربي

أمّا في عالمنا العربي، فقد بدأت الصناعة في مطلع القرن التاسع عشر وكانت على نحو كبير من التأخر عن ركب النهضة الغربية، وكانت تقتصر على توفير الضروريات الأولية من الغذاء والملابس وبعض الأدوات المنزلية، ولم يكن العرب في ذلك الوقت يستخدمون الآلات المعقدة الصنع أو المحركة التي تتطلب قوى الدفع، بل كانت أعمالهم تقوم على القوّة البدنية والمواشي خاصة في الزراعة كالحرث ونقل المحصول، ولم تكن لديهم أيّ صناعات تحويلية للمواد الخام.

ومع صعود محمد علي باشا إلى الحكم في مصر، بدأت عملية تنشيط الصناعة لأغراض عسكرية حربية، فأدخل مصانع حديثةً لإنتاج ما يحتاجه الجيش من ملابس ومعدات حربية، كما أسّس العديد من المعامل التي تمّ تشغليها بأحدث الماكينات والآلات في تلك المرحلة، فشيّدت مصانع النسيج والسكر وعصر الزيوت والرز، وكذلك السفن والمواد الكيمياوية والأثاث.

وفي تلك الحقبة كان لسوريا تجارب مماثلة حيث أنشأت عددًا من المصانع في العاصمة دمشق، وكشفت وثائق في كتاب (سورية العثمانية وأسرارها)، عن افتتاح أول المصانع في دمشق وضواحيها من البرجوازية السورية الصاعدة كافتتاح مصنع لغزل القطن يعمل بجريان المياه في عام 1888، ومصنع للسكر يعمل بالبخار في جوار دوما عام 1895، ومصنع للثلج في دمشق والقدس 1896.

وعرفت الصناعة في العالم العربي بعض التطوّر خاصة مع دخول الاستعمار الذي جلب معه المعدات الثقيلة والآلات الحديثة، ومن المعلوم أنّ غايته لم تكن نقلها إلى تلك الأوطان وتعليم أبناءها تفكيكها وتصليحها ومن ثم صناعة نماذج تُحاكيها، وإنما عمل على استعمالها في استغلال الثروات الطبيعية واستخراج كنوزها المدفونة التي عجز الأهالي عن الانتفاع بها، في مقابل ذلك عمد إلى تهميش  الصناعات المحلية التي بدأت في ذلك الوقت ترى النور وعوضها بأخرى من صنيعه بعد أن سوّق لجودتها مقابل المحلية "البدائية"، فكسدت السوق وتدهورت الظروف الصناعية.

الاستقلال والتصنيع

قبل أفول الاستعمار، عرفت الصناعة في البلاد العربية نوعًا من الانتعاش بسبب الحرب العالمية الأولى وتداعياتها، فارتفع الطلب على المنتجات العربية نتيجة لحاجة الأسواق العالمية لكثير من السلع والبضائع، فعملت الحكومات في تلك الفترة على تركيز مصانع وشركات جديدة مثل تأسيسها مطبعة مصر، وشركة مصر للغزل والنسيج بالمحلة الكبرى (1927)، تلتها شركات مصر للملاحة البحرية، ومصر لأعمال الإسمنت المسلح التي ساهمت في بناء السد العالي، ومصر للصباغة، ومصر للمناجم والمحاجر، ومصر لتجارة وتصنيع الزيوت، ومصر للمستحضرات الطبية، ومصر للألبان والتغذية، ومصر للكيمياويات، ومصر للفنادق، ومصر للتأمين.

وبعد ثورة يوليو المصرية عام 1952، بدأت مصر في عهد جمال عبد الناصر بإرساء مشروعات رائدة من الصناعات الثقيلة مثل الحديد والصلب والصناعات التعدينية والبترولية والصناعات الكيماوية والسيارات، بالإضافة إلى صناعات الغزل والنسيج والصناعات الغذائية.

كما أُنشئ بحلوان أوّل مصنع متكامل باستخدام تكنولوجيا الأفران العالية وبمعدات من ألمانيا لصهر خامات الحديد المستخرجة من أسوان (منخفضة الجودة وعالية الشوائب) مع فحم الكوك المستورد إلى زهر سائل ومن ثم صبها يدويًا، وتشغيلها إلى منتجات صلب نهائي.

أما في سوريا، وبعد صدور قرارات التأميم لبعض المنشآت الصناعية عام 1963-1965، تم إصدار قرارات خاصة بتطوير الصناعة في سوريا من القطاع العام وخاصة في مجال صناعة الجرارات والآلات الزراعية والإسمنت والمحالج والزيوت والزجاج والغزل والنسيج القطني والصوفي والحريري، وصناعة السجاد والألبسة الجاهزة.

وفي سياق ذي صلة، عاشت الجزائر هي الأخرى منذ الاستقلال معركة حقيقية ودخلت في سباق مع الزمن من أجل تنمية اقتصادية مستدامة والتقليل من التبعية للأسواق الخارجية، فأرست مؤسسة الحديد والصلب 1964، وكانت من الدول المغاربية الأربعة الأكثر إنتاجًا لهذه المادة إضافة إلى تونس والمغرب وموريتانيا في السنوات 1950 1978، كما تمكنت من صناعة أول جرار فلاحي سنة 1974 بعد دخولها طور الصناعة الثقيلة وعملت على تصدير إنتاجها إلى إفريقيا والعالم العربي، وركزّت مصنعًا لتركيب الشاحنات الثقيلة (أول شاحنة في 15 من أكتوبر 1958)، لتدخل بعدها في تصنيع الحافلات الصغيرة والكبيرة من خلال المؤسسة الوطنية للصناعات الميكانيكية سوناكوم (1967).

ركزت البلدان العربية في تلك الفترة على الصناعات التي تعتمد على المواد الخام المتوافرة لديها إضافة إلى الأيدي العاملة غير المكلفة، ونجحت مصر وسوريا في صناعة النسيج والقطن وتصديره إلى البلدان المستهلكة، فيما ركزت بعض البلدان الأخرى وخاصة النفطية على صناعة التكرير وتصدير مشتقاته بأسعار تنافسية.

عوائق التصنيع

 يُمكن القول إنّ المنوال التنموي أو الاقتصادي الذي انتهجته بعض البلدان العربية وخاصة مصر والجزائر وسوريا والعراق، لم يُمكنها من تحقيق ما كانت تصبو إليه على صعيد توفير إيرادات سيادية وتحسين أوضاع موازين المدفوعات، وذلك بسبب أنّها الي ركزت على صناعات مكلفة أثقلت خزائنها، مثل صناعة السيارات.

وإضافة إلى ذلك، فإن نظام الحكم في تلك الفترة لم يفتح أبوابه أمام رؤوس الأموال والقطاع الخاص للاستثمار في تلك القطاعات (الصناعات الكبرى أو الثقيلة)، كما ساهمت النزعة الشمولية في إقصاء أي طرح مغاير لإرادة السلطة ونهجها الاقتصادي.

ومن أهم الأخطاء التي وقعت فيها الدول العربية التي كانت سباقة في التصنيع هي تركيزها على  الصناعات الثقيلة مثل الحديد والصلب والألومنيوم والبتروكيماويات، دون مراعاة قدراتها المتمثلة في التمويل أو الطاقات البشرية والأهم من ذلك قدرتها على منافسة المنتجات الأجنبية التي تتمتع بتكاليف اقتصادية أقل وجودة عالية تصعب مضاهاتها.

وأهملت تلك الدول دراسة كل المعطيات الواقعية التي من الممكن أن تؤدي إلى تحقيق النتائج المأمولة وإقامة الصناعات ذات الجدوى الاقتصادية وتحقيق إيرادات سيادية.

ومن بين النقائص التي أهملتها التجارب العربية:

• المهارة والكفاءة حيث لم تأخذ بعض الدول بعين الاعتبار نقص التكوين والتعليم الجامعي وكذلك التدريب. 

• عدم ملائمة المنوال الاقتصادي لحاجيات البلاد ومقدراتها الطبيعية. 

• غياب التكامل بين القطاعات (الصناعة والفلاحة والتجارة وكذلك السياحة). 

• ضيق السوق المحلي وضعف القدرة التنافسية للمنتج المحلي في الأسواق العالمية. 

• عدم مسايرة الأنماط التكنولوجية المستوردة. 

• التطبيق السيئ للصناعات كثيفة رأس المال أو الصناعات الثقيلة ما أدى إلى ارتفاع التكلفة. 

تراجع الصناعة

 تُعاني الصناعة في الوطن العربي في وقتنا الراهن من التأخر والتقهقر بسبب اقتصارها على الصناعات الاستهلاكية أو الصناعات الاستخراجية للمواد الخام، وعجزها عن استيعاب التكنولوجيات الحديثة ومنافسة الغرب في بعض المجالات، ويعود الأمر أساسًا لاعتمادهم على تصدير المواد الخام وعدم وجود إستراتيجيات تنموية وصناعية واضحة للاستفادة من الطفرة الاقتصادية الحاصلة، إضافة إلى سوء الإدارة والتسيير، وهو ما يبرر التراجع الحاصل في مؤشرات النمو الاقتصادي لتلك الدول.

 وتشير البيانات التي أوردها صندوق النقد العربي إلى تراجع الناتج الإجمالي الصناعي بنسبة 12,6% مع نهاية العام 2016 مقارنة بالعام 2015 نتيجة لانخفاض أسعار النفط.

ولعل من أهم العقبات التي يعاني منها قطاع الصناعة في العالم العربي، غياب التخطيط الإستراتيجي وضعف الرؤية الاستشرافية ونقص الخطط التطويرية مما أدى إلى ضعف التمويل الحكومي للقطاع الصناعي والمشاريع الصناعية خاصة الصغيرة والمتوسطة التي عادة ما تكون المورد الرئيس للشركات الكبرى.

إضافة إلى ذلك، فإن غياب التكامل العربي ونقص المبادلات التجارية كان له أثر بالغ في تراجع الصناعة، وذلك في وقت تشكلت فيه الدول المتقدمة في كتل (الاتحاد الأوروبي)  من أجل تقوية اقتصاداتها ودعم صناعاتها.

ويقدر حجم التجارة البينية للدول العربية بنسبة 8% إذ يتراوح بين 33 و36 مليار دولار أمريكي، وهي قيمة متدنية جدًا بالمقارنة مع استهلاكات دول العالم العربي، ويعوذ ذلك أساسًا إلى حالة الانقسام التي يعيشها الوطن العربي بفعل الساسة والقائمين على تلك الدول.

بالمحصلة، فإن سرّ نجاح أي تجربة اقتصادية واستمرارها يكمن في الجدوى والكفاءة العالية والقدرة على التوسع في السوق المحلية والخارجية في ظل منافسة قاسية تفرض تخفيض الأسعار وترفيع الإنتاج مع مراعاة جودة المنتج، وإذا رغبت الدول العربية في تقوية صناعتها والنهوض بها، فعليها أولًا تقوية السوق العربية المشتركة وتفعيل منطقة التجارة الحرة العربية الكبرى، وذلك من أجل منافسة التكتلات الدولية وعلى رأسها الاتحاد الأوروبي.