تسارعت وتيرة التطور الصناعي في العالم منذ بزوغ نواته الأولى بين (1760 - 1840) حيث انتقلت أغلب البلدان من الصناعات التقليدية والحرفية التي تعتمد على الساعد والقوة البدنية إلى الآلة، لتشهد بعد ذلك الصناعة التحويلية طفرة نتيجة لاعتمادها بشكل أساسي على ما توصلت إليه البلدان من تكنولوجيا رائدة وابتكارات غذّت القطاع بكفاءة إنتاجية كبيرة وخفّضت من التكاليف، فيما عجزت الدول العربية على إرساء منظومة صناعية متكاملة تُزاحم بها العالم الغربي في ظل التحولات التي يشهدها الاقتصاد العالمي من حروب تجارية وأزمات مالية كبرى.

بذلت بعض الدول العربية جهودًا حثيثة خاصة في الفترة التي أعقبت جلاء المستعمر الأجنبي من أجل تطوير القطاع الصناعي والمنتج المحلي عبر اتخاذ العديد من القرارات والإجراءات، وكانت أهمها تأميم المشاريع والمصانع الكبرى، إضافة إلى ولوجها مباشرة في الصناعة الثقيلة، غير أن تلك التجارب لم تنجح في تركيز كيانات صناعية وطنية قادرة على رفع القدرة التنافسية للمنتج في الأسواق العالمية، وبقيت في حالة بحث مستمرة لمنوال اقتصادي ملائم وقادر على تخليصها من التبعية والاستيراد الذي أثقل كاهل موازناتها.

الصناعة العربية

انتهجت أغلب الدول العربية (غير النفطية) سياسة التوجه الداخلي كمنوال للتصنيع كبديل عن الواردات، مستندة في ذلك إلى سياسة تجارية حمائية، وحين عجزت عن الدخول في الصناعات الكبيرة التي تتطلب رؤوس أموال وتقنيات عالية وموارد بشرية مؤهلة كما هو الحال في التجربة الجزائرية والسورية والمصرية، اختارت بعد حقبة الـ50 والـ60 التي تميزت بوصول القوميين العرب إلى السلطة (جمال عبد الناصر وهواري بومدين)، سلك سياسة الانفتاح على العالم الخارجي والتغيير النسبي في سياساتها الاقتصادية والصناعية (الأنموذج الليبرالي)، وأبدت اهتمامًا فعليًا أكبر بالصناعات الصغيرة، وتوسعها في الصناعات التي تتوافر المواد الخام اللازمة لها كصناعات المواد الغذائية عبر استغلال الثروات الزراعية والسمكية والحيوانية الموجودة في محيطها الكبير، إضافة إلى استمرارها في الصناعات النفطية والغاز والبتروكيماويات والتعدين التي بدأتها منذ أكثر من أربعة عقود.

كما عملت الدول العربية على تهيئة بيئة ملائمة من أجل الدخول في صناعات معرفية إلكترونية وصناعات البرمجيات، فالتجارب القائمة تؤكد نجاح تلك الخطط، إضافة إلى تطوير الصناعات الحرفية والتقليدية والنسيج، بجانب الدخول في إنشاء صناعات تعتمد على المخلفات الصناعية والرسكلة من خلال إرساء قوانين البيئة وحماية المحيط.

وعزّزت الدول العربية قدرتها الصناعية في مجالات مختلفة وذلك استنادًا إلى أرقام المعاملات التجارية وقيمة التصدير، فعلى مستوى المنتجات المعدنية احتلت السعودية المرتبة الأولى عربيًا والثانية عالميًا تليها قطر في المرتبة الثانية عربيًا والـ6 عالميًا والكويت في المرتبة الـ3 عربيًا والـ8 في الترتيب العالمي والعراق في المرتبة الـ4 عربيًا، أمّا في الملابس الجاهزة وقطاع الجلد والأجهزة غير الإلكترونية فتحتل تونس المرتبة الأولى في قائمة الدول العربية المصدرة لها، فيما تصدر المغرب قائمة الدول العربية في تصدير الأجهزة الإلكترونية ومعدات النقل.

وتتمحور الصناعات العربية بشكل عام حول المنتجات الغذائية والنسيج والملبوسات والصناعات الجلدية والصناعات الكيميائية وصناعات استخراج خامات المعادن والمنتجات المعدنية والبلاستيكية والكيميائية والأثاث الخشبي والمعدني، وباستثناء الصناعات الاستخراجية وأهمها النفط وما يدور في محوره من صناعات بتروكيميائية متنوعة ومتطورة توسعت مساحتها في الدول المنتجة للنفط، فإنّ غالبية المنشآت الصناعية متوسطة أو صغيرة وتعتبر هشة وضعيفة المقدرة التنافسية في الأسواق العالمية التي تسيطر عليها الشركات الكبرى المحتكرة للتكنولوجيات الحديثة.

من جانب آخر، تسعى بعض الدول العربية إلى تركيز شركات صناعية متكاملة، حيث ينتج إحداها المواد الخام والأخرى تحوّلها إلى مواد أولية قابلة للتصنيع والثالثة قادرة على تحويل المواد الأولية إلى منتجات نهائية، فيما اتجهت دول أخرى إلى تطوير إنتاجها لأنواع من الصلب ذات القيمة المضافة العالية الجودة وعالية التقنية الذي يُستخدم في صناعة أجزاء الطائرات والسفن والسيارات، والتخلص تدريجيًا من الصلب التقليدي الذي ينتجه العالم بكميات كبيرة.

الحدود والعوائق

يُمكن القول إن عدم وجود منتجات عربية (ماركة مسجلة) تحمل أسماءً منتشرةً عالميًا يعود بالأساس إلى غياب الاستمرارية في تصنيع المنتج وضعف جودته، بالإضافة بعدم توفر أذرع تسويقية تفتح له الأبواب في الأسواق الإقليمية والعالمية، وأغلب المنتجات العربية المنتشرة دوليًا هي سلع حرفية وتراثية وشعبية تظهر وتختفي حسب الطلب والمناسبة، ولا توجد منتجات معروفة ثابتة ومستمرة، باستثناء المواد الهيدروكربونية ومشتقاتها.

كما يشكّل اعتماد الدول العربية على تسلم المشاريع جاهزة ومكتملة "Turn-key" من الشركات الأجنبية صاحبة الحقوق الفكرية وبراءات الاختراع، دون التعرف على التكنولوجيا المستخدمة في هذه المشاريع، إضافة إلى الاستمرار في استيراد المواد والاعتماد على الخبرة الأجنبية في تركيب المصانع وتشغيلها وصيانتها، من أهم العوائق أمام نهوض صناعة رائدة، وبالتالي فإن وصف تلك الصناعات بالرائدة لا يعدو كونه "وهمًا" تُروج له الحكومات، وحاجزًا يزيد التأثير السلبي على تطور التصنيع العربي وخاصة التحويلي، ومساهمته في الإنتاج المحلي الذي بقي يتراوح في حدود 5 و7%.

وتعتمد الدول العربي غالبًا على تركيز مصانع مرتبطة أساسًا بشركات أجنبية لذلك يتم استيراد كل المواد المحفزة والضرورية لتشغيلها من مواد أولية وقطع غيار، مما يعني أن تلك الصناعة يمكن أن تتوقف في الظروف الاستثنائية، ومن هذا الجانب فإن الاهتمام بالأمن الصناعي أصبح حاجة ملحة وضرورة قصوى وذلك من خلال تركيز شركات صناعية متكاملة بحيث تنتج المواد الخام ويتم تحويلها إلى مواد أولية قابلة للتصنيع وفي مرحلة أخيرة تحويلها إلى منتجات نهائية قابلة للاستهلاك المحلي والتصدير نحو الأسواق.

من جهة أخرى، فإن التنافسية التي أفرزتها العولمة ساهمت في تقارب الأسواق (تحرير التجارة) وتلاشي الحدود الجغرافية والسياسية، عمّقت الهوة بين العالم العربي والبلدان المتقدمة التي سبقتها بأشواط من خلال اعتمادها على التكنولوجيا الحديثة، حيث أحكمت الأخيرة هيمنتها على الأسواق من خلال شركاتها العالمية ذات التحالفات الإستراتيجية الكبيرة التي تفوق في قوتها الاقتصادية قدرات حكومات الدول النامية، فيما أهملت الدول العربية التجارة البينية فيما بينها وذلك لأسباب سياسية تتمثل في حالة تنافر الأنظمة الحاكمة وتاريخية، فبعض الدول العربية ما زالت تعيش تبعية اقتصادية للمستعمر من خلال اتفاقيات الشراكة والتعاون.

كما أن ضعف الالتزام بمعايير ونظم الجودة والمواصفات القياسية والبيئية للسلع والمنتجات الصناعية في العالم العربي، ترتب عليه انخفاض قدرة الصناعة العربية على النفاذ إلى أسواق الدول المتقدمة، وكذلك تراجع قدرة الصناعة العربية على الصمود أمام منافسة المنتجات الأجنبية.

كما تُمثّل السياسة التجارية الحمائية التي سلكتها أغلب الدول العربية من أهم المشاكل التي تُواجهها الصناعة، فالأعباء الجمركية وغير الجمركية (الجباية) تسببت في ارتفاع تكلفة الإنتاج وانخفاض القدرة التنافسية للمنتج العربي محليًا وعالميًا.

إضافة إلى ذلك، فإن اعتماد أغلب الدول العربية في مخططاتها التنموية وخاصة في المجال الاقتصادي على مشاريع انتقائية أولتها اهتمامًا خاصًا وأضافت عليها بهرجًا دون النظر إلى كفاءتها وأدائها، أعاق مساهمتها في رفع القدرة الإنتاجية في تعزيز الاقتصاد المحلي وامتصاص أعداد البطالة وتقليص الفوارق التنموية بين جهات البلد الواحد.

التوطين والبحث العلمي

لم تهتم أغلب الصناعات العربية بمراكز البحث والتطوير ومراكز التصميمات والابتكار، الشيء الذي أدى إلى عجز الصناعة العربية عن مواكبة التطور التكنولوجي السريع وفقدها أحد المقومات الأساسية لبناء القدرة التنافسية الديناميكية، فمن المعلوم أن التقنية أصبحت المحرك الرئيس لأي صناعة حديثة ومتطورة في جميع المجالات الاقتصادية وخاصة في الصناعة، وتجلت بشكل خاصة في النقل والمواصلات والاتصالات وغيرها من القطاعات الحيوية، وأصبحت الدول تتنافس في مجال توطين التقنية سواء كان في مجال إعداد الكوادر البشرية القادرة على تخليقها والتعامل معها وتصنيعها ورفع كفاءتها من خلال الابتكار والبحث والتطوير، وهذا ما مكن بعض الدول التي لا تملك ثروات طبيعية مثل اليابان وتايوان وغيرها من الإمساك بزمام التقنية والاعتماد عليها في مجال الدخل القومي.

وتبرز معاناة الصناعة العربية على صعيد انخفاض مستويات البحث والتطوير، فنتاج الأبحاث وتطويرها يتم استيرادها هي الأخرى من الدول المتقدمة صناعيًا، وفي معظم الأحيان لا تصل قبل قطعها أشواطًا وتحقيقها عائدات ومنتجات لا يمكن للصناعة العربية بوسائلها قديمة منافستها.

وفي سياقٍ ذي صلة، فإن العالم العربي عليه أن يدرك جيدًا أن الدول الغربية تسير في طريق الاعتماد على المهارات البشرية والإبداع أكثر من المواد الخام، ويعمل جاهدًا على فك الارتباط مع المادة، فإجمالي الناتج الوطني العام في البلدان الصناعية الرئيسية مرتكز على "العلم" وتشجيع البحث العلمي والمعرفة وتطوير الجامعات، بعكس الاقتصاد العربي المرتكز كليًا على تصدير المواد الخام واستخراج الثروات الباطنية وهي طاقة ناضبة مع مرور الوقت.

كما يُعاني العالم العربي من عجزه عن إرساء مراكز دراسات إستراتيجية قادرة على صياغة منوال تنموي اقتصادي قائم على صناعة متنوعة تنهض بطاقاتها الإنتاجية وقدرتها على المنافسة في الأسواق الخارجية، إضافة إلى عجزها عن التخطيط المستمر المشجع على البحث العلمي وتوفير البرامج ومراكز التدريب اللازمة لإعداد الأيدي العاملة المطلوبة والماهرة في مجالات الإنتاج التكنولوجي الحديث أو التعبئة والتخزين أو الترويج والتسويق أو التصدير.

وفي الإطار ذاته، فإن سياسات الأنظمة الحاكمة ساهمت بشكل كبير في تراجع قطاع الصناعة من خلال عدم محاربتها للفساد وتغول اللوبيات التي تتحكم في منافذ التصدير وحوافزه وكذلك البيروقراطية العميقة والتعقيد الإداري الذي يعاني منه بعض المستثمرين المحليين والأجانب خلال المراحل الأولى لإنشاء المصانع والشركات، إضافة إلى عجزها عن إرساء آليات قادرة على استيعاب العلماء العرب واستغلال طاقاتهم، ومنع سيل هجرة الأدمغة العربية إلى الخارج.

بالمحصلة، فإن الدول العربية بحاجة ماسة إلى رسم سياسات عامة وتنفيذ الخطط الاقتصادية والاجتماعية من خلال جهاز إداري على درجة عالية من الكفاءة والنزاهة، وتغيير منوالها الاقتصادي ومراجعة تجاربها الصناعية وتقييمها وفق المتغيرات التي طرأت على العالم كالحروب التجارية والأزمات المالية وتشكل العالم في تكتلات كبرى، إضافة إلى وجوب دخولها في مجال الصناعات التحويلية لتحقيق قيمة مضافة مرتفعة وإرساء منظومة للتبادل التجاري فيما بينها، خاصة أنها عجزت عن اختراق الأسواق العالمية نظرًا للمعوقات الكثيرة والآفاق شبه المنعدمة.