تعتبر التظاهرات والاعتصامات والإضرابات أداوات شعبية ومؤسسية مهمة في الدول الديمقراطية للضغط على الأحزاب والحكومات من أجل تنفيذ وعودها وإجبارها على تحقيق حاجات المجتمع الضرورية، لكنها بقيت أداة غائبة عن دوائر التأثير المباشر على السلطة في العراق لسنوات، وذلك لاعتبارات طائفية وإثنية وسطوة السلاح والميليشيات والحلول الأمنية وانتشار الفساد وحداثة التجربة الديمقراطية وفشل العملية السياسية، إلا أنها كانت حاضرة بقوة في التظاهرات المؤيدة لنهج الحكومة أو الأحزاب المتنفذة، خاصة إذا كانت تابعة لتيار أو حزب لديه ميليشيا تحميه من اعتداءات وقمع الميليشيات الأخرى أو الأجهزة الأمنية كما يجري مع التيار الصدري كحالة خاصة داخل العراق وداخل البيت الشيعي.

صورة

التظاهرات أداة صحية لإصلاح اختلالات واعوجاج النظام السياسي وفساده، ففي العراق ومع انطلاق تظاهرات تشرين استخدم النظام العنف المفرط والرصاص الحي والقناصة والخطف والاغتيالات والاعتقالات، إلخ، لكنها ورغم الدماء التي سالت، حققت إنجازات لأول مرة في العراق، وذلك من خلال العامل الشعبي الوطني في عراق الطائفية والمحاصصة والمصالح المكوناتية.

إذن، ماذا أنجزت تظاهرات تشرين العراقية؟

إحياء الهوية الوطنية

منذ 2005 والعراق يعاني من أزمة الطائفية والإثنية التي فرضتها الإدارة الأمريكية وأيدتها الطبقة السياسية والأحزاب بمبدأ المحاصصة ورسختها الميليشيات والتطرف بفرق الموت والتهجير والاعتقالات العشوائية والجثث مجهولة الهوية، إلخ، فظهرت الهويات الفرعية بقوة وغابت الهوية الوطنية وأصبحت محل سخرية الكثيرين، فلا نكاد نلاحظها إلا في مباريات كرة القدم للمنتخب الوطني العراقي.

إلا أن ما فعلته تظاهرات تشرين هو الدفع باتجاه إحياء الهوية الوطنية وانتقاد الأداوات التي جلبتها إلى العراق كـ"مبدأ المحاصصة" و"الميليشيات"، وذلك بالدعوة لحصر السلاح بيد الدولة وترشيح شخصيات مستقلة للوزرات وبعيدة عن الأحزاب المكوناتية وإلغاء مبدأ المحاصصة، وبناء مشروع وطني جامع لكل العراقيين وهو ما جعل السياسيين الذين يعتاشون على المحاصصة يعيدون إحياء شيء من خطابهم الطائفي خوفًا على مستقبلهم ومصالحهم التي تضمنها المحاصصة والطائفية.

صورة

أدخلت العامل الشعبي إلى المعادلة السياسية

بقيت المعادلة السياسية العراقية مقتصرة الدور على الأدوات السياسية والعسكرية داخل العملية السياسية وخارجها، إلا أن إصرار تظاهرات تشرين على الاستمرار - منذ 5 أشهر ودخولها شهرها السادس - رغم تقديمها أكثر من 600 شهيد وأكثر من 30 ألف جريح ومعاق، جعلها تدخل دائرة التأثير المباشر على الطبقة السياسية والحكومة العراقية، فلم يكن أحد يحلم أن تُسقط التظاهرات حكومة عبد المهدي مهما كانت ضعيفة وتفرض مجموعة مطالب إصلاحية على الأحزاب، فبإصرارها أجبرت البرلمان على سن قانون جديد للانتخابات ومفوضية جديدة.

كما أنها ساهمت بشكل أو بآخر في فرض تغييرات جزئية على معايير اختيار الكابينة الوزارية ومرشح رئاسة الوزراء الذي لم يستطع مواجهة مصالح الكتل والأحزاب واعتذر عن التكليف رغم أنه كان ممن شارك بالعملية السياسية ومرفوض جماهيريًا أيضًا، وكانوا يحاولون استخدامه كواجهة مثل رئيس الوزراء المستقيل عادل عبد المهدي.

صورة

جعلت الجميع تحت مشرحة النقد

بقيت آثار الاستبداد في حقبة ما قبل 2003 والخوف من إبداء الرأي والانتقاد في العراق حاجزًا أمام المجتمع، واستغلت الأحزاب الدينية الفاسدة والميليشيات هذا الإرث، فتهدد وتتوعد كل من ينتقد رجل دين ينشر المخدرات الدينية أو يكشف فساد الأحزاب السلطوية ومافيات الفساد في مؤسسات الدولة، وقد نفذت مئات الاغتيالات والاعتقالات والخطف ولا تزال ضد أي ناشط مؤثر يتجرأ على انتقاد أو قول رأي مخالف لمصالحهم.

ما فعلته تظاهرات تشرين أنها كسرت حاجز الخوف وجعلت الجميع تحت مشرحة النقد، فزعامات الميليشيات لم يكن أحد يتجرأ على الحديث ضدهم داخل العراق، ولا يستطيع أحد رفض سلوكيات المعميين ولا صمتهم على الفساد أو مشاركة بعضهم فيه، لكن التظاهرات ومنذ انطلاقتها وضعت صور المرشد الإيراني علي خامنئي وقاسم سليماني تحت أقدامها وحرقتها، كما أصبح زعيم ميليشيا عصائب أهل الحق قيس الخزعلي محل انتقاد دائم، كذلك زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر ينتقد أيضًا بعد التقلبات في المواقف من التظاهرات ودعمها ومحاولة ركوبها، ثم ضربها بأصحاب القبعات الزرق من أجل تمرير رئيس الوزراء المكلف. 

صورة

من جهة أخرى، الغضب الشعبي من الأحزاب الدينية وانتقاد رجال الدين وتعدي جميع الخطوط الحمراء في ذلك، دفع المرجعية الدينية في النجف إلى النأي بنفسها عن دعم أي مرشح لأي حكومة قادمة ولم تعد تتدخل سلبًا أو إيجابًا - إلا سرًا - في تشكيل الحكومة الجديدة، بل قطعت الاتصال بجميع الأحزاب والقوى في هذا الملف لكي لا تتحمل فشل الحكومة القادمة وفسادها، فقد كان تشكيل أي حكومة لا يمر إلا بمباركة المرجعية ودعمها وغطائها الديني.

أخيرًا، لقد أصبح العامل الشعبي والرأي العام العراقي يُحسب له حساب في اتخاذ أي موقف سياسي، خاصة داخل البيت الشيعي بعد أن كان خارج المعادلة تمامًا في السنوات الماضية، كل ذلك بفضل التظاهرات الشعبية التي لا تزال مستمرة ومصرة على تحقيق مطالبها بالإصلاح والتغيير.