على الرغم من الجدل الكبير الذي طرحه العهد العثماني بالإيالات المغاربية الثلاثة الجزائر وطرابلس الغرب وخاصة تونس بشأن طبيعة الحكم وعلاقته بالإرث السابق له وما ترتب عنه لاحقًا من تأثيرات على كل المجالات السياسية والثقافية وحتى العمرانية، فإنه يظل من أكثر الفترات التاريخية ازدهارًا من خلال التحولات الاجتماعية التي شهدتها وانتقالها التدريجي من حالة اللادولة إلى التحكم في المجال وبداية تشكل الكتلة المترابطة.

بداية لم يكن للشعب التونسي أي مشكلة مع الوجود التركي، كما لم تكن وفودهم محل تساؤل أو إثارة لإشكاليات بعكس المشارقة الذين اعتبروه استعمارًا وهيمنة واحتلالًا وهو رأي يحتاج أيضًا إلى التدقيق والنقاش والتحليل استنادًا إلى الوثائق والأرشيف.

ويُمكن اعتبار أن الاختلاف في رؤية الوجود العثماني بتونس عن غيره من البلدان يرجع أولًا إلى العامل الديني الذي كان حاسمًا في شمال إفريقيا، حيث اعتبرته الشعوب المغاربية امتدادًا للخلافة الإسلامية ومن الطبيعي أن تكون تلك الدول تحت حكم الخلافة المسلمة، فيما ذهب رأي آخر إلى أن قبول التونسيين للأتراك يعود إلى الشرعية التي اكتسبوها حينما دخلوا البلاد بطلب من أصحاب الأرض لصد الاحتلال الإسباني وطردهم، وكذلك للسياسة المتبعة من طرف الباب العالي الذي لم يفرض وصايا واضحة على الأراضي والممتلكات التونسية ولم يترك تنظيمًا سياسيًا ولا فرض لغته التركية التي توحي بعلاقة تبعية للسلطنة العثمانية، وإنما على العكس من ذلك فقد ترك العثمانيون حامية من الجيش الإنكشاري يرأسها داي لحماية البلاد من أي عدوان كان، وعُهد تنظيم الدولة للأهالي وللقبائل التي كانت علاقتها بالحامية التركية علاقة تفاهم وتعاون، وهو ما يُفند أطروحة الاحتلال الأجنبي المصطلح الذي التصق بصورة ثابتة بالفترة الإسبانية والاستعمار الفرنسي.

تركيبة المجتمع

على إثر دخول العثمانيين واستتباب الأمن وإيالة الحكم إلى البشاوات، انتقل المجتمع التونسي مـن وضعية الرعايا والمبايعة والولاء والوراثة إلى مجتمع المواطنين الأحرار المنخرطين في تعبئة طوعية ومواطنية، وتحققت هذه النقلة عبر مخاض عسير تشابكت فيه العوامل الداخلية مـع الخارجية، وتشكلت بوادرها الأولى مع سلطة البايات الحسينيين من خلال تركيزهم لنظام سياسي وجبائي تخضع له كل فئات المجتمع الذي كان ينقسم إلى عالمين مديني وقبلي بدوي واقع خارج سيطرة النفوذ الترابي للدولة، وهو ما جعلها تتفرد خلال تلك الفترة مقارنة بجيرانها، الجزائر والمغرب وليبيا.

من جهة أخرى، فإن الإصلاحات التي سنتها الدولة ساعدت على مزيد مـن تشكيل قيمة الأفراد الذين أصبحوا متساوين أمام سلطة الدولة والجباية، عكس الفترات السابقة التي كان يتمتع فيها الأعيان المحليون وبعض المقاطعات بامتيازات جبائية واجتماعية، وفي هذه الفترة صار الجميع وبصورة نظرية على الأقل، أفرادًا معزولين عن انتماءاتهم الجهوية والعائلية أو المذهبية (الحنفية والمالكية)، من خلال انصهار مكونات المجتمع (تونسيين وأتراك وأندلسيين).

التطور السياسي الذي عرفته تونس خاصة في العهد الحسيني والنمو الاقتصادي والتوافق الاجتماعي، أدى إلى بروز دور الكراغلة (أب تركي وأم تونسية) كوسيط بين مختلف بنى المجتمع ضمن إطار سلس من الاندماج وفق إستراتيجية اجتماعية أهم معالمها إحلال وإشراك العنصر المحلي الأهلي في منظومة الحكم مع المحافظة على شعرة معاوية في العلاقة بالعنصر التركي العثماني سواء على مستوى الإيالة أم الباب العالي.

فكان للنخب المحلية والأعيان باع الأطول في انفتاح البلاد على شتى المعارف العصرية والعمل على مواكبتها من خلال الإصلاحات التي تبنتها السلطة كالتعليم الذي أولته أهمية عبر تحديث مناهجه وإنشاء المدرسة المحمدية وتحفيز وإكرام العلماء والتسوية بين المذهبين الحنفي (الدولة العثمانية) والمالكي (تونس).

كان للفرد التونسي في القرنين السابع عشر والثامن عشر دور محتشم في بناء الدولة ومساهمته فيها بحكم سيطرة الأطر الاجتماعية كالقبيلة والجماعة والزاوية، إلا أن الثورات التي عرفتها الإيالة التونسية وخاصة انتفاضة 1864 المعروفة بـ"العربان" أو ثورة "علي بن غذاهم" التي انتشرت في غالبية مناطق البلاد بعد إعلان مضاعفة ضريبة "المجبى"، وهي ضريبة شخصية موظفة على الأفراد الراشدين وعلى ثرواتهم وممتلكاتهم، ساهمت في بروز نقلة نوعية في المجتمع التونسي الذي بدأ يتهيأ منذ تلك الانتفاظة لاحتضان قيمة الفرد ومهد لميلاد وضعية اجتماعية وذهنية وثقافية جديدة، وكانت عنوانًا لبروز قيمة المواطن المنتفض على استنزاف الدولة المركزية وجورها، وشكلت إحدى بواعث دينامية داخلية ساهمت مع حلول الاستعمار الفرنسي في بروز الوعي بضرورة التنظم في أطر اجتماعية جديدة غير الأهلية العشائرية والدينية القديمة.

وتبع تلك الفترة مرحلة الاحتلال الفرنسي أين تحول "الرعايا" إلى ذوات انصهرت داخل الكتلة لمواجهة الدولة الاستعمارية، خاصة عندما أيقنوا أن انفصام مصالحهم العشائرية والمحلية ما عادت تنفع ولا تضر، أمام هيمنة الفرنسيين وغطرستهم  وسياستهم القائمة على إحداث بون اجتماعي شاسع بين الأهالي أصحاب الأرض والجاليات الأجنبية والمعمرين (المستوطنين الفرنسيين)، ما ساهم فـي تأجيج الروح الوطنية وإقامة وعي بضرورة الانخراط في العمل السياسي والنقابي والثقافي.

وبالتالي قطعت تونس تدريجيًا مع النظام العشائري الجمعي الانقسامي الذي يقوم على القرابة وصلات الجوار والدم والانتماء للأرض والمحلة، وانتقلت بذلك إلى مجتمع فئوي طبقي عضوي يعطي الفرد مكانة متميزة، ويسمح لقيم الفرد والحداثة والحرية والمواطنة، وهي أساسيات تبلورت من خلالها في عشرينيات القرن الماضي، ملامح المجتمع التونسي غير التقليدية بفضل نشأة الجمعيات والأحزاب والمنظمات وانتشار الصحافة والأدب وصعود نخبة وطنية قادت البلاد فيما بعد إلى الاستقلال.

إشعاع الحاضرة تونس

دخول العثمانيين إلى تونس وبقاء الإنكشاريين لحمايتها إضافة إلى الهجرة الأخيرة للموريسكيين ساهم بشكل كبير في إحياء مدينة تونس والحواضر الساحلية الأخرى، وتجلى ذلك في العمارة وانتعاش التجارة والصناعة كالشاشية والحرير والعطور والتسفير الفني، وكذلك مواد البناء والآلات الفلاحية كما نشط التصدير والتوريد، إضافة إلى القرصنة التي درت على خزينة البلاد أموالًا طائلة، وألف ابن غانم الرباش كتاب "العز والمنافع للمجاهدين في سبيل الله بالمدافع" لتعليم إخوانه المدفعية وصناعة المراكب وركوب البحر انتقامًا من أعدائهم النصارى.

وانتشر في تونس الكتاب الذين اهتموا بالتثقيف الديني فألفوا أو اقتبسوا وكتبوا بالقشتالية وبالألخميدو تشبثًا بالحرف العربي حتى تعلم أحفادهم لغة الإسلام والهوية العربية، ومنها مخطوطات الكاتب والشاعر إبراهيم التيبلي المعروف بخوان بيريت الذي ولد بطليطلة وعاش بتستور (محافظة باحة بالشمال) في الثلث الأول من القرن السابع عشر، حيث نظم قصيدة ذات 4608 أبيات بالإسبانية مع بعض التعاليق بالعربية في الدفاع عن الإسلام والرد على النصارى، والكاتب الرحالة أحمد بن قاسم الحجري الذي ألف بتونس سنة 1635 أو سنة 1639 في معجزات النبي ومكارم الخلفاء والشرفاء وترجم كتاب الشفاء للقاضي عياض وألف كتاب " ناصر الدين على القوم الكافرين"، والفقيه الإمام أحمد بن محمد بن عبد العزيز الشريف القرشي الذي درس الفقه الحنفي بسراييفو والبصرة وعاد إلى تونس سنة 1620 للتدريس بالمدرسة السليمانية والإفتاء والخطابة بجامع يوسف داي والتأليف بالإسبانية والعربية، والشاعر الحاج محمد الروبيو الأراقوني الذي أنفق من ثروته على ترجمة كتب إسلامية من العربية إلى الإسبانية له ولأخوته الذين لم يتعلموا العربية بعد، والفقيه اللغوي علي الكوندي التستوري (1707) مؤلف "الرحلة إلى الصين" والمؤرخ الوزير السراج الذي ترجم لبني ملته في "الحلل"، وترجم لأحفادهم ابن أبي الضياف في "الاتحاف".

مثلت الهجرة الأخيرة أهم حدث شهده مطلع القرن السابع عشر في العالم المتوسطي بانعكاساته المختلفة على موازين القوى بين إسبانيا وتركيا وبين الإسلام والمسيحية وعلى البلدان المستقطبة للمهاجرين، وكانت الهجرة إلى تونس بحكم سياسة الاستقبال والتوطين رافدًا حضاريًا مهمًا ومتميزًا كمًا وكيفًا ومسهمًا في تقدم البلاد في شتى المجالات بتأثيره العميق والمتواصل في الواقع وتفاعله مع روافد أخرى.

التأثير التركي والتنوع السكاني

الأتراك لم يوطنوا في تونس جالياتهم أو مواطنيهم إثر دخولهم البلاد ولم يتركوا بعد الفتح إلا عدد من الجنود الإنكشاريين تراوح بين 3 و4 آلاف عنصر وزعوا على عدة مناطق لحماية البلاد من العدوان الأجنبي، غير أن هذا العنصر العثماني ساهم في ظهور سلوكيات ومهارات جديدة اكتسبها السكان دفعت بالفنون والعلم والعمارة إلى مستويات متقدمة، نظرًا لتنوع النسيج الاجتماعي والثقافي الذي انصهر مع موروث التونسيين، ووفقًا للكاتب التونسي محمد صالح بن مصطفى فإن تركيز الهيئات العثمانية في مناطق عديدة من شمال الإيالة إلى جنوبها، أدى إلى زواج بعض الأتراك العثمانيين من تونسيات وميلاد ألقاب لعائلات جديدة.

العائلات التي يرجع نسبها إلى الأتراك وتوجد في تونس (المدينة العتيقة) ومحافظة المهدية وصفاقس والمنستير، حافظت بدورها على بعض المأكولات التي عُرف بها العثمانيون كـ"البريك" والبقلاوة والحلقوم واللبلابي.

وفي ذات السياق، فمحافظة صفاقس مثلًا في بدايات الحكم العثماني كانت تابعة لطرابلس منذ سنة 1564 تحت سلطة درغوث باشا، وعادت نهائيًا إلى تونس عام 1593، وكان الجنود الأتراك يأتون إليها من تونس ويتناوبون على حمايتها، وتدعى الحماية وقتها بـ"الطائفة التركية" أو بالجنود النوباجية (المناوبة) ورئيسهم يسمى آغة النوباجية وتدوم النوبة ستة أشهر.

وتتكون الإدارة التركية في صفاقس من آغة النوبة وآغا الحصار والقائد والقاضي والمقدمون الذين ينوبون القائد في الحارات، وكانت الاجتماعات المهمة تعقد في الجامع الكبير ويحضرها كل هؤلاء إضافة إلى الأعيان الأتراك وأعيان المدينة ووكلاء الأحباس والملتزمون للأسواق، وكان قاضي صفاقس يتولى مهمة القضاء بصفاقس وجربة والمنستير والساحل.

في كتابه تاريخ صفاقس أكد أبو بكر عبد الكافي أن الأتراك انصهروا بسرعة في المجتمع، حيث غير عدد منهم مذهبه من الحنفي إلى المالكي، وأن التجار الأتراك ساهموا من خلال سوق الترك بالمدينة في انتعاش التجارة والتصدير نحو بلدان المشرق مثل إسطنبول والإسكندرية وباقي الولايات التركية.

وفي المدينة ذاتها، إن أصغيت السمع جيدًا، فإن معجم الكلمات يحوي ألفاظًا ليست عربية بل إنها تركية اعتاد الصفاقسية خاصة والتونسيون عامة استعمالها في لغتهم الدارجة كـ"البقلاج" و"التناكة" و"الحانبة"و"خازوق" و"صبايحي" و"بايليك"، وكذلك البشمق وهي كلمة تركية أصلها "باشمق" ومعناه الخف والحذاء والنعل المصنوع من الجلد الأصفر ويدعى حلبيا في سوق البشامقية بالحاضرة (تونس المدينة) الواقع بين جامع يوسف داي والوزارة الأولى بتونس وهي دار الباي سابقًا.

فكما يتبادل الناس البضائع ويحصل بينهم اقتراض مادي، فإن اللغات، بحسب الباحث التونسي مصطفى الستيتي، كذلك تقترض من بعضها البعض كلمات وألفاظًا، فإما أن تحافظ على المعنى نفسه أو تكتسب هذه الكلمات معاني جديدة، ومن بين الكلمات التركية الأخرى التي يستعملها الناس إلى اليوم خصوصًا في الأرياف كلمة "يدولش" بمعنى يتجول ويتنقل من مكان إلى مكان، وهي كلمة تركية dolaşmak وتأتي بالمعنى نفسه و"شيشمة" çeşًme وهي تركية وتعني حنفية الماء، وكلمة بابور وتعني الباخرة والكواغط وهي الورق، والقربي وتعني الكوخ kulübe، وكندرة وهي الحذاء.

بالمجمل، فإن الوافد العثماني لم يكن العامل الوحيد في إعادة تشكل المجتمع التونسي، فالهجرات الأندلسية المتتالية وتنوع الجاليات المقيمة خاصة بالحاضرة تونس (مسسلمون يهود ونصارى)، كان لها أثر بالغ على مستوى النسيج السكاني والتنوع الثقافي، إضافة إلى أن توسيع العلاقات التجارية والاقتصادية بين تونس والدول الأوروبية منذ القرن السابع عشر وإلى مطلع القرن التاسع عشر الذي شهد احتلال تونس في 1881 شكل مرحلة مفصلية وفرض نمطًا مجتمعيًا غربيًا دخيلًا شجع على النزعة الاستقلالية للإيالة التونسية إزاء الخلافة العثمانية.