بعد أفول الدولة الحفصية وخروج المحتل الإسباني من البلاد التونسية، استُئنفت حركة البناء والتشييد إثر التدخل العثماني وهجرات الموريسكيين من الأندلس، فتسربت التأثيرات المعمارية وكذلك الفنية بين الطابعين العثماني والأندلسي مع المحلي (الموروث الحفصي)، وهو ما أضفى عليها التنوع في مظاهرها وأشكالها، وكان لمختلف المشارب الثقافية والفنية دور في تغيير ملامح الفن السائد وتوجيهه في خط سير جديد ليظهر فن معماري مخضرم جمع بين موروث عريق ومرجعية فنية جديدة وافدة.

القصور

تأسست القصور بالمدينة العتيقة تونس وأحوازها المجاورة خلال الفترة العثمانية منذ بداية القرن السابع عشر، حيث ظهرت المنشآت المعمارية غير العسكرية بفضل استتباب الأمن في البلاد وقدوم المسلمين الأندلسيين إلى تونس ومنهم البناؤون والمعماريون المهرة وأصحاب الصنائع والزخرفة، فاستغل الحكام العثمانيون مواهب الموريسكيين لتعمير أرجاء عديدة حول المدينة، فكان برج يوسف داي الواقع بسهول مجردة السفلى أولى هذه العمائر التي تمثل نقطة تحول مهمة في هذا المجال، ويبسط المعلم طورًا مهمًا في تحول العمارة، يتوضح في أسلوب الإبداع والتجديد الذي أُضيف إلى العناصر المحلية لتكتسي حلة غير مألوفة عن العمارة الحفصية التي تتسم بالتحصين والتقشف.

بنى العثمانيون في تونس العديد من المنازل والقصور التي أظهرت هيبة الدولة ومكانة الحكام، وتميزت هذه المباني بالطرازات المعمارية العديدة منها التركية والمغاربية والأندلسية والأوروبية خاصة الإيطالية، وتميزت القصور العثمانية بالفخامة واستعمال المواد والتقنيات المكلفة مثل نقش الحديدة والكذال والخزف والرخام المحلي أو المستورد من الخارج، إضافة إلى الزخارف الهندسية والنباتات والخطوط.

قصر باردو

يرجع تاريخ بناء القصر بالتحديد إلى سنة 1574، وتم توسيعه وتجميله مرات كثيرة على أيدي البايات العثمانيين الذين تعاقبوا على حكم تونس. والقصر مقسم اليوم إلى جزئين: جزء يحتضن البرلمان، ومعلم يمثل متحف باردو، رممه حمودة باشا المرادي (1631- 1666) واستطاع ابنه مراد الثاني إعادة تنشيطه وإحياء حياة البذخ كما وصفها الرحالة تيفيو في دفاتر رحلته عام 1653 بقوله: "باردو تتألف من ثلاثة أدوار غير بعيدة عن تونس فيها عدد كبير من النوافير والأحواض المحفورة في الرخام المستورد وقاعة مفتوحة على الهواء الطلق تتوسطه فسقية وبلاط أرضي من الرخام الأبيض والأسود كما هو الشأن في جميع الغرف الأخرى المزخرفة بالذهب واللازورد والنقش على الجبس".

قصر باردو  يعتبر نموذجًا لفرادة فن العمارة التونسي الذي تطور تحت الحكم العثماني خاصة في أوائل القرن الثامن عشر إلى أواخر القرن التاسع عشر من حيث الهندسة المعمارية وفنون التزويق والنقش بمختلف أصنافه (على الجبس والجليز والخشب والسقوف المذهبة).

قصر الوردة

أنشأ القصر سنة 1798 حمودة باشا باي الحسيني (1782-1814) ويسمى "البرج الكبير" وهو عبارة عن إقامة للنزهة والراحة في حقول منوبة القريبة من الحاضرة تونس، وقد تأسس في حقبة زمنية عرفت فيها الدولة الحسينية فترة من الاستقرار السياسي والازدهار الاقتصادي، وفي سنة 1840 قام أحمد باي بإسناد البرج الكبير لاحتضان الخيالة وصار ثكنة عسكرية، ليتم تحويله عام 1984 إلى متحف خُصص لتاريخ تونس العسكري.

بني البرج وسط حقول وبساتين شاسعة، تطل واجهته المنمقة على باحة واسعة، كما يحدَه من الجهة الشرقية رواق محمول على أعمدة ذات تيجان تركية، وتتكون الواجهة عمومًا من سلم رخامي يفضي إلى رواق ذي استطالة محمول على أعمدة منحوتة من حجارة الكذال تعلوها تيجان ذات زخارف حلزونية، أما أعالي جدران الواجهة فقد حملت نقوشًا جصَية توحي بانتماء المبنى إلى الطراز الأندلسي المغربي.

وتحيط به من الجهات الأربعة أروقة محمولة على أعمدة رخامية تتخللها أقواس مغشاة بالجصَ "نقش حديدة" ويحمل زخارف ورسومًا منسجمة ومتداخلة مستوحاة من الطراز التركي المشرقي، وجهَز القصر أيضًا بملحقات أهمها المطبخ أو "دويرية" ومسجد ومخازن وإسطبلات.

قصر قبة النحاس

يعود تاريخ بناء القصر إلى فترة محمد الرشيد باي (1756-1758) وأُضيفت له التغييرات والتحويرات المحدثة في عهد حمودة باشا الحسيني (1782-1814) نحو سنة 1805، ويعدَ القصر من مفاخر العمارة التونسية بمحافظة منوبة، حيث تمازجت في هندسته خصائص المعمار العثماني والطراز الأندلسي المغربي، وقد سمي "قبة النحاس" لوجود قبة كبيرة كانت تعلو جناح الحريم وكانت تغشيها طبقة من النحاس، وقد شابه في هندسته المعمارية "قصر الوردة" الذي بناه أيضًا حمودة باشا ويقع على مقربة منه.

 

يقع القصر وسط حدائق وبساتين تحيط به من جميع الجهات ويتكون إجمالًا من ثلاثة طوابق، وتتوج الواجهة الرئيسية مشربية احتلت أعالي الطابق العلوي وحشر أسفلها سلم رخامي يفضي إلى رواق متكون من أعمدة مصنوعة من حجارة الكذال حملت تيجانًا حلزونية تتخللها عقود نصف دائرية متجاوزة، يقع مدخل القصر الرئيسي البارز أسفل الرواق، وأحيط بإطار ناتئ منحوت في حجارة الكذال الفاتحة وحمل عقده زخارف نباتية شديدة الزخرفة، وتجلت في القصر التأثيرات الأندلسية المغربية والتأثيرات المشرقية العثمانية بطابعها الفاخر التي زادت الفضاء جمالًا ورونقًا.

قصر السعادة

على بُعد بعض الكيلومترات عن العاصمة تونس، يوجد قصر السعادة بمدينة المرسى، الذي بني في عهد محمد باشا الذي امتد لطيلة 4 سنوات بين 1855 و1859، مقرًا لإقامة الملوك والبايات، ويعتبر هذا القصر جديدًا نسبيًا مقارنة بباقي القصور العثمانية، وتم تشييده على يد الناصر باي إكرامًا لزوجته العلجية قمر، وكان ذلك خلال الحرب العالمية الأولى بين سنتي 1914 و1915.

قصر زروق

قصر زروق الموجود في مدينة قرطاج التاريخية، يُعد آخر القصور التي سكنها البايات في تونس قبل الاستقلال عن المستعمر الفرنسي وإعلان الجمهورية، وكان هذا القصر مقر إقامة "الأمين باي" إلى أن تم عزله عن الحكم سنة 1957، ويتميز القصر بتنوع تصاميمه كالطراز التركي والعربي والأندلسي، ويحاط قصر زروق بأطلال رومانية قديمة تشتهر بها مدينة قرطاج، ويرجع تاريخ تشييده إلى القرن الـ19 في سنة 1860 من الجنرال أحمد زروق واستعمل كمركز مراقبة للبلاد خلال ثورة علي بن غذاهم سنة 1864.

قصر حمودة باشا

وجود القصور العثمانية لم يكن في الضاحية الشمالية والغربية لتونس العاصمة فقط، بل شمل أيضًا مدينة تونس العتيقة، ففيها العديد من القصور من بينها دار حمودة باشا، وهو قصر شيده حمودة باشا المرادي عندما كان أميرًا، وذلك سنة 1630.

ويقع القصر في نهج سيدي بن عروس المرموق، قرب مقر الحكومة بالقصبة، وتعتبر دار حمودة باشا من أعرق وأكبر قصور المدينة العتيقة التي لم تغير عمارتها، وكان مقرًا لإقامة الأمير حمودة باشا المرادي في المدينة العتيقة، مع زوجته الأولى، الأميرة عزيزة عثمانة.

القصور الحسينية في تونس بلغ عددها قرابة 500 قصر اندثر معظمها ولم يتبق منها، اليوم، إلا مئة قصرٍ يُعاني عدد كبير منها من الإهمال ويتطلب تدخلًا عاجلًا لترميم منها "القصر الحسيني" في مدينة حمام الأنف الذي شُيد سنة 1750 بأمرٍ من الباي حسين بن علي باشا.

الإرث العثماني في تونس لم يقتصر على القصور والدور، فقد طالت منجزاتهم المعمارية التي مزجت بين التأثيرات المحلية والوافدة (الأتراك والأندلسيين)، المساجد والجوامع، خاصة أنهم كانوا يتبعون المذهب الحنفي على عكس عامة الناس بتونس (المذهب الملكي)، لذلك بنى الحكام العثمانيون مساجدهم الخاصة أو غيروا مذهب بعض الجوامع، وتم إحصاء 7 جوامع حنفية بمدينة تونس وهي جامع القصبة وجامع القصر وجامع يوسف داي وجامع حمودة باشا وجامع محمد باي (جامع سيدي محرز) وجامع يوسف صاحب الطابع والجامع الجديد الذي بناه مؤسس الدولة الحسينية الحسين بن علي، كما نجد المساجد الحنفية في محافظات أخرى مثل صفاقس وبنزرت وزغوان.

جامع يوسف داي

يقع بنهج سيدي علي بن زياد بمدينة تونس العتيقة بين سوق البركة والوزارة الأولى، دار الباي سابقًا، ويعرف أيضًا بجامع سيدي يوسف وبجامع البشامقية نسبة إلى سوق الباشمقية، أسسه الأمير يوسف داي سنة 1021هـ/1612م وهو أول جامع حنفي بُنيَ بتونس بعد الفتح العثماني على يد المهندس الأندلسي ابن غالب وبه قبر مؤسسه.

في أوائل القرن العشرين أصاب صومعته الخراب فأمر علي باي الثالث (1888 - 1902) بتجديد عمارتها كما كانت عليه تم أعيد تجديد جامورها مرة أخرى سنة 1345هـ/1926م. وتعتبر عمارة هذا الجامع مزيجًا من الفن التونسي والفن الأندلسي والفن التركي والفن الإيطالي، وتأثرت عمارته في بعض مكوناته وفي قسم من تصميمه بالمساجد العثمانية، وهكذا يبدو الصحن الذي يحيط ببيت الصلاة من الجهات الثلاثة ـ الشرقية والشمالية والغربية ـ وهي من المميزات النادرة التي قلما نجدها في الجوامع التونسية، وهي هندسة اختصت بها بعض الجوامع التركية، كما تميز هذا الجامع بمئذنته وهي أولى الصومعات المثمنة الشكل التي تم بناؤها بالبلاد، إذ إن جميع الصومعات التي سبقتها زمنيًا كانت في أغلبها ذات نمط موحدي، ولها قاعدة مربعة الشكل.

جامع حمودة باشا

على عهد حمودة باشا أعظم البايات المراديين، عرفت البلاد فترة استقرار وازدهار دفعت الإخباريين إلى مقارنة هذا الباشا بكبار سلاطين بني حفص، وأنشأ حمودة باشا جامعه هذا بالقرب من جامع الزيتونة سنة 1655، فجاء كما يقول ابن دينار "في غاية الحسن والضخامة بحيث لم ير في المغرب أسر منه"، وتتوافر في هذا الجامع نقاط تشابه كثيرة مع جامع يوسف داي مثل قاعة صلاة معمدة متعددة البلاطات ومحاطة بالأروقة والصحون من ثلاث جهات ومنبر رخامي ومحراب مكسو بالرخام والجص المنقوش، ومئذنة ممتشقة البدن وضريح يأخذ شكلًا مكعبًا ويغطيه سقف خشبي هرمي الشكل تكسوه القراميد الخضراء ويتميز هذا الجامع عن سابقه باعتماده نوعًا جديدًا من الأقبية الطولية وباستعمال الدعائم والأقواس المندمجة لتخفيف ثقل هذه الأقبية على الجدران.

جامع محمد باي المرادي

يعتبر أحد أهم جوامع مدينة تونس ويقع في نهج سيدي محرز، وهو أكبر جامع للمذهب الحنفي، تم تشييد هذا الجامع سنة 1104 هجري الموافق 1692 ميلاديًا على يد محمد باي المرادي، نجل مراد الثاني وواصل بناءه من بعد وفاته، شقيقه رمضان باي المرادي وتواصلت الأشغال به حتى سنة 1697، لكنه يعرف باسم جامع سيدي محرز وذلك لوجوده أمام الزاوية التي تحمل اسم الرجل الصالح.

أهمية هذا الجامع متأتية من كونه انفردًا بالنمط المتأثر بالجوامع التركية، وهو ما لا نجده إلا في عدد قليل جدًا من الجوامع بالبلاد العربية، ورغم هذا، فإن جامع محمد باي، في شكله العام وفي نواحيه الفنية، يختلف في العديد من النقاط عن الجوامع التركية، وقد اهتم حكام تونس منذ القدم بترميمه، إذ أعاد محمد الصادق باي بناء المقام سنة 1862، ثم أمر الحبيب بورقيبة بترميمه سنة 1981، وأعيد ترميمه مرة أخرى بين سنتي 1996 و1998.

يعتبر جامع محمد باي المرادي من نمط عثماني لكن ليس به المئذنة ثمانية الأضلع التي تمتاز بها الجوامع العثمانية لأن موت محمد باي وبعض المشاكل السياسية حالت دون ذلك، أما عن المئذنة رباعية الشكل فهي من توابع المسجد الصغير القديم المعروف بمسج "الفيلاري" الذي يقع بالركن الغربي للجامع.

كما يعتبر أيضًا المسجد الوحيد ذا القبة في مدينة تونس، وتوجد به قاعة الصلاة وهي مربعة الشكل، تحيط بها ثلاثة أروقة وساحات على دعائم رخامية وتغطيها قبة، وتحيط بهذه القبة أربعة أنصاف قباب تنكأ على جوانبها وبالأركان تكتمل المجموعة بقباب صغيرة مما يعطي مشهدًا من القبب المطلية بالجير الأبيض المطلة على المدينة، تتخلل هذه القباب عدة نوافذ وفتحات في رقاب القباب وذلك لتسرب الضوء، كما توجد به سدة خشبية تسمى "المحفل" معدة للمنشدين والمرتلين، ومنبر كبير يبلغ ارتفاعه أكثر من أربعة أمتار، ومكسي بألواح رخامية وخلوة تنسب للولي الصالح، تمتاز بشدة ارتفاعها.

جامع صاحب الطابع

ينتصب في ساحة الحلفاوين بالمدينة العتيقة، وهو سابع الجوامع الحنفية وآخرها زمنًا، يسمى جامع يوسف صاحب الطابع أو جامع صاحب الطابع وهو آخر جامع عثماني مبني في تونس والجامع الحنفي الوحيد الذي لم يبنيه باي أو داي بل بناه وزير مملوك، تم البدء في بنائه سنة 1808 وأقيمت أول صلاة فيه يوم 4 من مارس 1814.

وبحسب محمد بن الخوجة فإن الرخام المستعمل تم استيراده من جنوب إيطاليا، فيما ذهب بن الضياف إلى أن الرخام أتى من قرنة إلا أن الرخام في حقيقة الأمر جلب من كرارة ويتكون الجامع من بنايات عديدة ويكون مركبًا يسمى الكليا مثل نظام الكليا بإسطنبول.

يتكون من جامع وتربة ومدارس وفندق وحوانيت، يتم الصعود إليه عن طريق مدرج أول رئيس يفتح على ساحة الحلفاوين، وعن طريق مدرج خلفي، هذا إضافة إلى مدرج ثالث قريبًا من مدخل زاوية سيدي شيحة، ولا يختلف الجامع في تصميمه وفي عناصره المعمارية عن بقية الجوامع المؤسسة خلال الفترة التي تلت انتصاب الأتراك العثمانيين بالبلاد، فللصحن شكل U اللاتينية، وهو يحيط ببيت الصلاة من ثلاث جهات، كما يظل بيت الصلاة هذه ثلاثة أروقة أهمها على الإطلاق ذلك الذي يوجد في الناحية الشمالية للصحن، وهو متكون من بائكة ذات تسعة عقود لها شكل حدوي، أما التيجان فهي من النمط التركي الذي انتشر آنذاك، وجمع ما بين عناصر معمارية وزخرفية، محلية وتركية وإيطالية على مستوى التيجان، والنقوش والزخارف الجصية، فقد تم استعمال جليز القلالين والرخام الإيطالي المنقوش والجص المخرم (نقش حديدة)، كما استخدمت أيضًا حجارة الحرش الرملية الصفرية والكذال الأبيض أو الوردي ومختلف أنواع الرخام.

جامع الجديد

يعتبر من أهم المعالم الدينية التي تأسست في الفترة العثمانية المتأخرة نسبيًا وذلك خلال النصف الأول من القرن الثامن عشر الميلادي، ويقع هذا الجامع في أحد أقدم الأحياء الموجودة داخل مدينة تونس العتيقة وبالتحديد بالقرب من باب الجزيرة بسوق الصباغين.

بُني الجامع على يد مؤسس الدولة الحسينية حسين بن علي تركي سنة 1136هـ/ 1723م، وجاء في شكل مجمع معماري على النمط التركي به عدة وحدات، منها جامع ومدرسة وتربة وكتاب وسقاية، فيما يتميز بيت الصلاة بثرائه الفني والزخرفي والمعماري، وقد قسم إلى خمسة أروقة لها الأبعاد نفسها، وهو ما نلاحظه أيضًا بخصوص المسكبات الأربع الموازية لجدار القبلة، أما بالنسبة لسقف هذا الجامع فيختلف عن أغلب الجوامع الأخرى، فهو متكون في كل من طرفيه الأيمن والأيسر من أقبية طولية، وتتوسطها  بالرواق المواجه للمحراب أشكال مقببة.

ورغم ثراء جميع جدران الجامع بشتى أنواع المربعات الخزفية والنقوش الجصية، فإن واجهة جدار القبلة تلفت الانتباه بصفة خاصة، فأول العناصر هو المنبر القار المبني بالحجارة، وهو يتشابه في نمطه مع الخمسة منابر الأخرى الموجودة بالجوامع الحنفية.

الترب

ظهرت في تونس بالمفهوم المتداول بحلول الأتراك العثمانيين وانقراض الدولة الحفصية بخلع السلطان محمد الحفصي، وبدأت تشييد التربات العائلية داخل الحاضرة حذو المساكن والمدارس والجوامع بعد أن كان أهل البلاد لا يعرفون للدفن مكانًا غير المقابر العمومية، ويرجح أن يكون الوافدون الجدد (الأتراك) قد شعروا بكونهم غرباءً عن هذه المدينة فأرادوا تجذير بيوتهم بها فكانت التربة صيغة من صيغ التجذير.

تميز العثمانيون ببناء التربات وهي أضرحة لدفن حكامهم وأفراد عائلاتهم والمقربين لهم في أماكن محاذية للجوامع والمساجد مثل تربة يوسف داي و تربة حمودة باشا، كما نجد التربات المستقلة بذاتها مثل تربة لاز وتربة أحمد خوجة وخاصة التربة التي دفن فيها بايات الكرسي (البايات الذين حكموا تونس) وبنيت على يد أحمد باي.

 

يوسف داي (1610 - 1637) يعد أول من سن تلك العادة في تونس، فبمناسبة إنشائه لجامعه المعروف بسوق البشامقية والمنسوب إليه (جامع سيدي يوسف) أسس تربة خاصة به، واقتفى أثره الكثيرون سواء منهم أبناء الجالية التركية كآل بالخوجة وآل لاز وآل الجزيري أم من أبناء البلاد الأصليين كآل محسن، ويعتبر حمودة باشا المرادي (1631 - 1666) من أشهر من اعتنى بالتربة العائلية، إذ أردف جامعه الحافل الكائن حذو زاوية الولي أحمد بن عروس بتربة بديعة بها قبره إلى جانب قبور آل بيته.

من جانبه، أنشأ حسين باي سنة 1705 بمدينة تونس تربته الأولى المعروفة بتربة سيدي الفلاري الكائنة بنهج تربة الباي وذلك سنة 1711، ولهذه التربة ثلاث واجهات مطلة على الشارع بكل منها رخامة نقشت عليها نصوص شعرية تؤرخ للمعلم، كما أقام تربته الثانية بمناسبة بناء جامعه المعروف بالجامع الجديد بالحاضرة سنة 1726، وتعرف بتربة سيدي قاسم السبابطي وهو ولي دفن بها إلى جانب ولي آخر يدعى سيدي قاسم الباجي، لكنه لم يدفن في أي منهما.

أما علي باشا الذي تولى الحكم في 1735 شرع في إنشاء عدة مبان مهمة منها المدرسة الباشية ومدرسة بئر الحجار وبرج جبل الجلاز وغيرها، كما أنشأ تربته الملاصقة للمدرسة الباشية وهي تربة أنيقة تشتمل على مدخل وفناء ذي أروقة دائرية أعمدتها رخامية رقيقة على غاية من البهاء مشابهة في جمال أعمدتها لتلك الموجودة في قصور حمراء غرناطة، وقد كسيت الجدران بالخزف التونسي المتعددة ألوانه.

أما الغرفة الجنائزية فهي عبارة عن قاعة مربعة الشكل كسيت جدرانها بالرخام المنزل على الطريقة الإيطالية تعلوها قبة بديعة تعد من أجمل قباب تونس وقد كسيت كليًا ببديع النقائش ذات الأشكال الهندسية والنباتية من مزهريات تتفرع عنها غصون وزهور إلى ما لا نهاية.

الأسواق

ذكر ابن ابي دينار عن إنجازات يوسف داي وهو من البايات الأوائل الذين حكموا البلاد، أن في أيامه تحضرت البلاد وكثرت عمارتها، وبنيت في أيامه عدة أماكن في المدينة منها سوق الترك، وأمر بتحضيره على ما هو عليه اليوم وكان غير هذه الحالة فجاء من أحسن الأسواق بتونس، وبنى السوق الذي به الجرابة مأوى لتجارتهم ومن أعجب الأسواق وكذلك السوق الذي يباع فيه الرقيق من السودان وغيرهم ويقال له البركة، كما بنى السوق الذي به الجرابة (مدينة جربة)، وكذلك فتح باب بنات بعدما كان مسدودًا وبوبه وجعل فيه عدة حوانيت وبنى قريبًا منه سوقًا يُباع فيه الغزل.

 إنشاء هذه الأسواق يدخل في إطار مشاريع معمارية متكاملة، إذ تحبس (نظام الأحباس) الكثير من الدكاكين والفنادق والحمامات الموجودة في الأسواق على الجوامع والمدارس والترب بما يدعم الحياة الدينية والتعليمية.

بدوره، شيد علي باشا سوق المر بربض باب الجزيرة كما حول علي باي سوق الدباغين من داخل المدينة إلى خارج باب بحر، وبني يوسف صاحب الطابع السوق الجديدة داخل ربض باب سويقة، وذلك بحسب ما جاء في وقفية الجامع، "جميع السوق المحدث البناء المشتمل على ثلاث وخمسين حانوتًا وله بابان قبلي وجوفي"، وعرفت أسواق مدينة تونس اتساعًا مهمًا خلال القرنين الـ17 والـ18، حيث خُصص لكل حرفة مجال وانتظمت الأسواق وفق تراتبية من المركز في اتجاه الأطراف حيث تتعدد الحرف المرتبطة بالريف.

وكانت الأسواق في المدينة العتيقة مسقفة بالخشب ومغطاة بأقبية طولية أو مكشوفة، تصطف على جوانبها دكاكين وفنادق ومخازن، غير أن العنصر الأساسي المكون اللسوق هو الحوانيت التي وصفها بيرم التونسي بأنها "صغيرة نحو أربع أذرع في مثلها وأرضها مرتفعة على أرض الطريق في البناء نحو الذراع، أبوابها من خشب غير منحوت، وهي قطع مفرقة".

نقوش وزخرفة

الزخرفة والنقوش ازدهرت في تونس في القرنين السابع والثامن عشر وظهر الطراز الأندلسي والأوروبي والمغاربي إضافة إلى الطراز العثماني المتمثل في التيجان التركية بمدرسة النخلة واستعمال خط الثلث والخط الديواني في كتابة الكلمات العربية، كما نجد الكتابة العثمانية في عدة أماكن من تونس مثل الأبراج العثمانية بغار الملح ببنزرت واستعمال الخزف التركي خاصة خزف إيزنيك المستورد خصيصًا من الدولة العلية ونجده خاصة في جامع محمد باي (جامع سيدي محرز) والجامع الجديد.

وتُعد نقيشة برج غازي مصطفى بجزيـرة جربة (968هـ/1560م) أقدم نقيشة تعود إلى العهد العثماني بتونس وهي تخلد لبدايات التوسع العثماني بتونس على يد أحد القادة من رياس البحر الأتراك وهو درغوث باشا الذي كان له دور كبير في التمهيد لالتحاق تونس بالعالم العثماني سنة 1574.

ونقيشة منبر الجامع الكبير الزيتونة وهي أقدم نقيشة تعود إلى العهد العثماني بمدينة تونس (991هـ/1583م) وهي تُخلد لتدخل تم بهذا المعلم الرمز في محاولة لتحويله إلى جامع حنفي ونلاحظ تواصل التقاليد النقائشية السابقة للعثمانيين في خصوص تقنية الكتابة ونوعية الخط وغيرهما، إضافة إلى نقيشة باب الديوان بمحافظة صفاقس (1161هـ/1748م) وتظهر عليها التقاليد المحلية في كتابة النقائش من حيث تقنية التنفيذ بالكتابة البارزة واعتماد الخط المغربي المحلي وغياب شبه تام للخصائص النقائشية الرسمية على الرغم من أن التدخل قد تم من طرف السلطة المحلية أو على الأقل تحت نظرها.

كما انتشرت النقائش الجنائزية كنقيشة سليمان بن عثمان داي (1062هـ/1651م) وهي منفذة بتقنية الترصيع بالرصاص بالخط الثلثي ونقيشة محمد إسلانبولي (1264هـ/1847م) وهي متأتية من مدينة القيروان وتحافظ على خصائص الفن النقائشي العثماني.

بالمحصلة، فإن فنون العمارة في الإيالة التونسية تعكس التنوع العرقي والديني الذي كان يميز البلاد في تلك الفترة، فقد ساهمت مختلف الأجناس المستوطنة بها من المحليين والأتراك والمشرقيين والأندلسيين والأوروبيين، في إنتاج عمارة وفنون منفتحة على الحضارات والثقافات الوافدة، تؤلف بين التأثيرات المشرقية العثمانية والتأثيرات المتوسطية الأوروبية مع الارتباط الوثيق بالرصيد المحلي الإفريقي الأندلسي المغاربي.