تعيش الطبقة السياسية العراقية حالة من التخبط والفشل على جميع المستويات، وهذا الفشل نتاج طبيعي لفشل المؤسسات وانتهاك الدستور، فبدلًا من أن يترسخ النظام السياسي داخل الدولة ويتبلور على مدى 17 عامًا، تراجع النظام الهجين وأصبح أكثر هشاشة، ويعاني بناؤه من فساد في مواد البناء وسوء في رسم الخريطة، مما أنتج بناءً مائلًا آيلًا للسقوط وغير قادر على الاستمرار، فهو أشبه ما يكون ببناء شاهق اكتشفوا فيه ميلًا بمنتصف الطريق، فهم غير قادرين على الاستمرار وإنفاق المزيد من المال وغير قادرين على هدمه لأن التكلفة ستكون باهظة.

يعيش النظام السياسي العراقي جميع أزمات النظم السياسية التي تُشكل خطرًا كبيرًا على مستقبله، فمعظم قوى النظام السياسية في العراق التي من المفترض أن تتنافس فيما بينها على خدمته وخدمة من تمثله، أفعالها مفصولة عن الواقع وعن حاجات المجتمع الضرورية وعن من تمثله، ما جعل النظام يعاني من جميع أزمات النظم كالشرعية والاندماج والاستمرارية بالإضافة لأزمة التمثيل.

المرجعية السياسية

النظام السياسي العراقي أصبح نظامًا عقيمًا ليس له القدرة على إصلاح نفسه، فتراكمات الفشل والانتهاكات الدستورية واستخدام المؤسسات والوزارات كأدوات سياسية ومصدر ودكاكين للاستثمار المالي جعله لا يؤدي وظائفه ويخدم الدولة والمجتمع، إنما جعله معولًا لهدم الدولة بدلًا من أن يكون أساسًا لبنائه، خاصة أن وظيفته الأساسية أصبحت تحقيق أهداف القوى السياسية من الثروة والسلطة والنفوذ.

يفتقد النظام السياسي للمرجعيات السياسية التي من المفترض أن تعالج المشكلات وتحسم الخلافات وتضع حلولًا واضحة لا تقبل المساومات من أجل الدولة ومستقبلها ونظامها السياسي، إلا أن المحكمة الاتحادية على سبيل المثال جعلوها أداةً سياسيةً يستخدمها الطرف الأقوى في المعادلة العراقية وتفسر المواد الدستورية الخلافية على هوى الأحزاب، وتحتوي على تناقضات كبيرة بين تفسيرات اليوم وتفسيرات الأمس، ما جعلها تعقّد المشكلات أكثر وتفاقم الأزمات بدلًا من حلها. 

المرجعية وتسييس الخطاب

القوى السياسية داخل البيت الشيعي بشكل خاص لم تحترم المحكمة الاتحادية ودورها في حل الخلافات - وهي الفاعل السياسي الأقوى في العراق - لكنها تدعي احترام المرجعية الدينية في النجف قولًا وتناقضها فعلًا.

السيستاني

فالمرجعية الدينية لم تُمنح صلاحيات أو دور في الدستور وليس لها أساس سياسي داخل النظام، إلا أنهم حاولوا توظيفها بطريقة أو بأخرى للحصول على الغطاء والشرعية الدينية، كما وظَّفوا خطاباتها في الشأن العام لصالحهم، ما دفعها في الفترة الأخيرة للتراجع عن إبداء أي موقف من صراعهم السياسي وتنافسهم على السلطة، لكي لا تتحمل المزيد من وزر سياساتهم وفشلهم.

إن الأحزاب المتنفذة جعلت النظام السياسي أداةً لصناعة الأزمات وتدويرها وإدامة عدم الاستقرار من أجل مصالحها الحزبية والعائلية والشخصية وبناء كتلهم السياسية، فهم يمتلكون قدرةً على بناء مصالحهم لكن على أنقاض الدولة، فقد انتهكوا الدستور مرارًا من أجل استمرار العملية السياسية وتحقيق رغباتهم، وكل انتهاك يُسجل للدستور يُعد ضربة بمعول في شرعية النظام السياسي وقواه السياسية، فهم وظفوا كل شيء حتى الدستور وتعاملوا معه كـ"قائمة طعام" يختارون من بينه ما يعجبهم من المواد ويتركون ما لا يعجبهم، ما خلف عدم احترامه وهو يُعد عقدًا اجتماعيًا وأساسًا لاستمرار الدولة والنظام.