تزايد أعداد الإصابات بكورونا في مصر

تسيطر على المشهد المصري في الوقت الراهن صورتان متناقضتان تمامًا، الأولى صورة الدولة القادرة على احتواء أزمة تفشي فيروس كورونا المستجد (كوفيد-19) وإيصال رسائل للعالم بأن كل شيء تحت السيطرة إلى الحد الذي تقدم فيه الدولة مساعدات طبية لدول أخرى أكثر تقدمًا في قدراتها وإمكاناتها الصحية.

وظل هذا المشهد حديث الشارع المصري خلال الأيام الماضية، ومعه تصاعدت نبرة التفاؤل لدى المواطن العادي الذي ظن أن إرسال مساعدات للدول الأخرى أكبر دليل على أن الأمور في مصر لا تحمل أي قلق، ولعل هذا ما يفسر عدم استجابة الكثير للإجراءات الاحترازية المفروضة.

أما الصورة الثانية فكشف الستار عنها رئيس الوزراء مصطفى مدبولي، بإعلانه في المؤتمر الصحفي الذي عقده أول أمس الأحد، بأن "الحكومة تقدمت بطلب حزمة مالية من صندوق النقد الدولي لمواجهة آثار وباء كورونا"، واصفًا الخطوة بأنها "إجراء احترازي فلا أحد حتى هذه اللحظة يستطيع أن يجزم بميعاد انتهاء هذه الأزمة، التي تفرض تداعياتها الكبيرة محليًا على قطاعات مثل السياحة والطيران، وقد تمتد إلى المتحصلات من النقد الأجنبي".

التناقض في الصورتين أثار حالة من الجدل في الشارع، انعكست بالطبع على منصات التواصل الاجتماعي، وتركز الحديث عن حقيقة ما كان يروج له الإعلام الموالي لنظام عبد الفتاح السيسي بشأن إحكام السيطرة على الوباء وعدم وجود أي مبرر للقلق، رغم الزيادات الملحوظة في معدلات الإصابة بالفيروس خلال الأسبوع الأخير تحديدًا، حيث تجاوز متوسط الإصابة مئتي حالة يوميًا، وهو رقم كبير مقارنة بما كانت عليه الأمور قبل ذلك.

وقد بلغ إجمالي عدد الإصابات بفيروس كورونا في مصر حتى أمس الإثنين 4782 حالة من ضمنهم 1236 حالة تم شفاؤها وخرجت من مستشفيات العزل والحجر الصحي، و337 حالة وفاة، وذلك بحسب البيان اليومي للمتحدث باسم وزارة الصحة المصرية.

إجراء احترازي

الحكومة المصرية أشارت إلى أنها أجرت بداية العام الحاليّ مباحثات مع صندوق النقد لطلب برنامج جديد، وكان الأمر يتضمن جانب الدعم الفني فقط، لكن نتيجة تطورات المشهد وتداعيات كورونا، تجاوز الأمر إلى طلب دعم مالي كذلك وليس فني فقط، غير أن مدبولي لم يوضح بعد قيمة القرض المطلوب.

يأتي هذا الإجراء في وقت تعاني فيه الدولة المصرية من تراجع قيمة احتياطيها من النقد الأجنبي، حيث انخفضت من 45.5 مليار دولار في نهاية فبراير إلى 40.1 مليار دولار في نهاية مارس الماضي، وذلك بحسب ما أدلى به محافظ البنك المركزي طارق عامر، الذي أرجع هذا الانخفاض إلى خروج رؤوس أموال أجنبية من مصر، إضافة إلى تمويل واردات حكومية من السلع الأساسية.

الخبيرة الاقتصادية ريهام الدسوقى، بررت لجوء الحكومة للحصول على قرض جديد من صندوق النقد من خلال أداة التمويل السريع FRI، وذلك لدعم الموازنة العامة وميزان المدفوعات لتمويل استيراد السلع الأساسية والآثار السلبية للانخفاض المتوقع للموارد الدولارية، من أجل مواجهة تأثير الصدمة الاقتصادية لجائحة كورونا التي ألقت بظلالها على اقتصادات العالم وليس مصر وحدها.

وأشارت الدسوقي إلى تأثر عائدات العملة الصعبة في مصر سواء من السياحة وقناة السويس بالإضافة إلى توقعات بتأثير سلبي لتحويلات المصريين بالخارج ممن تأثر عملهم بالجائحة الحاليّة وتأثر الدول البترولية بانخفاض أسعار البترول العالمية، وذلك في تصريحاتها لـCNN بالعربية.

أما عن قيمة القرض المتوقع طلب مصر الحصول عليه، فتوقعت الخبيرة الاقتصادية أن تتراوح بين 3 إلى 5 مليارات دولار على المدى القصير، ليتم تغطية احتياجات الفترة الحاليّة والعام المقبل، لافتة إلى أنه إذا استمرت الجائحة لأكثر من ذلك فقد ترتفع قيمة القرض.

جدير بالذكر أن هذه ليست المرة الأولى التي تقترض مصر من صندوق النقد  خلال السنوات الأخيرة، إذ سبق أن حصلت على قرض في 2016 بقيمة 12 مليار دولار أمريكي، الأمر الذي أثقل كاهل الدولة المصرية بمزيد من الديون الخارجية التي بلغت 109.36 مليار دولار نهاية سبتمبر الماضي.

غضب وسخرية

صندوق النقد يعد من الكيانات سيئة السمعة لدى المصريين، واللجوء إليه يعني مزيدًا من الرضوخ والإذلال لشروطه التي لا يمكن بأي حال من الأحوال أن تعود بخير على الشعب، ولهم في تبرير ذلك عشرات التجارب، حيث تسبب صندوق النقد في انهيارات اقتصادية حادة في دول كثيرة، اضطر بعضها لتقديم تنازلات سياسية لتجنب السقوط.

حالة من الغضب سادت بين المصريين على منصات السوشيال ميديا بعد إعلان طلب قرض جديد بزعم مواجهة كورونا في الوقت الذي تباهت فيه مصر بإرسال مساعدات طبية لعدد من الدول المتقدمة لمواجهة الفيروس خلال الأيام الماضية، وهو ما يعكس شيزوفرينيا في أداء الدولة حيال تلك الأزمة.

وكانت الحكومة المصرية قد أعلنت قبل أيام حزمة مساعدات طبية قدمتها للولايات المتحدة، سبقتها مساعدات أخرى لإيطاليا، ومن قبلها الصين في أوج أزمتها مطلع الشهر الحاليّ، حين أرسلت السلطات وزيرة الصحة هالة زايد، وفريق من المرافقين للصين، وسط انتقادات لتلك الخطوة.

تعامل المصريون مع هذا التناقض الواضح بمزيد من السخرية، فيما عاد وسم "#ارحل_يا سيسي" ليتصدر قائمة الأكثر تفاعلًا بموقع تويتر في مصر، إذ شهد تفاعلًا كبيرًا خلال الساعات القليلة الماضية، وسط مطالب برحيل الرئيس المصري على خلفية اللجوء لصندوق النقد مجددًا.

المغردون اعتبروا في تفاعلهم أن الذهاب للصندوق الدولي دليل واضح على عجز النظام عن مواجهة الفيروس، متسائلين عن مصير المنحة التي حصلت عليها القاهرة من منظمة الصحة العالمية للتصدي للوباء، منددين بما وصل إليه مستوى المستشفيات المصرية من تدنٍ في ظل غياب الحد الأدنى من الإمكانات بينما يمارس النظام هوايته المفضلة في تصدير صورة للعالم بأن كل شيء تمام من خلال مساعدات للخارج بينما الشعب يئن من قلة المستلزمات.

تهالك المنظومة الصحية

جاءت أزمة كورونا الأخيرة لتكشف النقاب عن المستوى المتدني الذي باتت عليه منظومة القطاع الصحي والطبي في مصر، فرغم قذائف الإشادات التي تطلقها الأجهزة الإعلامية الموالية للنظام بقدرة الحكومة على امتصاص الصدمة والأداء الجيد في التعاطي مع الفيروس صحيًا، فإن الواقع يفرغ تلك القذائف من مضمونها ويحولها إلى مؤثرات صوتية لا أكثر.

فوفق التقارير الرسمية الصادرة عن الدولة انخفض عدد الوحدات الصحية بصورة إجمالية بنسبة 20%، أما مستشفيات القطاع الخاص فانخفضت بنسبة 29% خلال عام واحد، انخفضت كذلك عدد الأسرّة بنسبة 5%، كما انخفضت نسبة الإنفاق على قطاع الصحة من 5.37% خلال عام 2014-2015، إلى 5.2% خلال عام 2015-2016، وفق ما كشفه تقرير صادر عن الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء (حكومي).

وقدر محللون ماليون وخبراء استثمار إجمالى عدد الأسرة بجميع الكيانات الطبية فى مصر بنحو 130 ألف سرير للقطاعين الحكومى والخاص، من بينها 10 إلى 15 ألف سرير عناية مركزة، فيما أوضح خالد سمير، عضو غرفة مقدمي الخدمات الصحية باتحاد الصناعات والعضو المنتدب لشركة تشاور لإدارة المؤسسات الصحية، أن الدولة تحتاج إلى ما يعادل 50 ألف سرير لمواجهة انتشار الفيروس، وهو التحدى الأكبر لها حاليًّا.

أما عن سبب تدهور حال القطاع الصحي فأرجعه عضو مجلس نقابة الأطباء عمرو الشورى إلى "السياسات الخاطئة وعدم التخطيط، إضافة إلى الفساد وسوء الإدارة وضعف الإنفاق"، لافتًا إلى أن "السيسي اتجه إلى خصخصة الصحة ببيع عدد كبير من مستشفيات التكامل للقطاع الخاص، واتباع خطة تنتهج تقديم الخدمة الطبية في المستشفيات المملوكة للدولة بمقابل مادي، ومن المتوقع قريبًا تعميم القرار على جميع المستشفيات لتنتهي أسطورة العلاج المجاني"، وفق تصريحاته لـ"الجزيرة".

ومنذ إعلان مصر أول حالة إصابة بالفيروس منتصف فبراير الماضي، اشتكى كثير من المصريين من اختفاء الكحول والكمامات ومستلزمات الوقاية من الوباء، فيما نشطت السوق السوداء لتلك السلعة التي زاد ثمنها بصورة غير مسبوقة، الأمر الذي مثل عبئًا على كثير من محدودي ومتوسطي الدخول في البلاد.

هذا بخلاف الشكاوى المتكررة والاستغاثات الصادرة عن العديد من الأطقم الطبية العاملة في المستشفيات التي تتعامل مع المصابين بالفيروس من قلة الإمكانات وندرة وجود المستلزمات الوقائية الضرورية، إلى الحد الذي بات الأطباء يشترون على نفقتهم الخاصة فيما قبلت بعض المستشفيات التبرعات من البعض لتوفير تلك المواد.

مستشفيات مصرية
تردي مستوى الخدمات الصحية المقدمة في المستشفيات المصرية

بين الإنسانية والتسييس

انقسم الشارع المصري حيال إرسال السلطات لمساعدات طبية لبعض الدول إلى قسمين: قسم يثمن هذه الخطوة من باب الإنسانية والتعاون بين شعوب العالم في مواجهة هذا الوباء، وآخر يعتبر ذلك نوعًا من الترف السياسي بعيدًا عن الإنسانية، إذ إن المنطق يذهب إلى ضرورة الاكتفاء الداخلي أولًا من تلك المستلزمات ثم إرسال الفائض، لكن أن يترك الشعب يئن من قلة الإمكانات في ظل تصاعد نسبة الإصابات ومعدل الوفيات، فيما يتم إرسال كميات كبيرة منها للخارج فإن ذلك يحمل بعدًا آخر لا علاقة له بالإنسانية.

الكاتب الصحفي المصري جمال سلطان، استنكر إرسال مساعدات إلى إيطاليا في ظل عجز السوق المحلية، وتساءل عبر تغريدة له على حسابه على تويتر عن علاقة تلك المساعدات بقضية مقتل الطالب الإيطالي جوليو ريجيني في القاهرة قبل سنوات، واستمرار مطالبة روما السلطات المصرية بكشف الفاعل.

الرأي ذاته اتفق معه فيه الكاتب الصحفي المصري المقيم في إيطاليا أبو المعاطي السندوبي، الذي قال: "النظام المصري يهدف إلى تصدير صورة للغرب بأنه قادر على مواجهة كورونا في الداخل، وأن لديه من الفائض ما يتبرع به لهم"، معتبرًا في حديثه لـ"الجزيرة" أن الهدف الحقيقي للنظام هو "إسكات النقد الغربي له، بعد انتقادات وسائل إعلام غربية لتعاطي السلطات مع فيروس كورونا".

وأضاف السندوبي أن السيسي يسعى لشراء شرعية جديدة له من خلال تلك المساعدات، وذلك "بعد أن اضمحلت شرعية الحرب على الإرهاب، وتدنت لأدنى مستوياتها، وبالتالي هو بحاجة لخلق شرعية جديدة مفادها نحن معكم في أي أزمة أو كارثة" على حد قوله.

فيما ذهب آخرون إلى أن المبرر الوحيد لإرسال مساعدات للخارج بينما المستشفيات الداخلية تعاني من عجز شديد في الإمكانات، هو محاولة البحث عن اللقطة، حيث يسعى النظام إلى تصدير صورة للعالم بأنه يحكم سيطرته على الوباء، وأن لديه نظامًا قويًا قادرًا على التعامل مع تلك المواقف الصعبة التي سقطت فيها كثير من حكومات الدول المتقدمة.