لا ينكر متابع أن نظام الأسد بات حملًا ثقيلًا على الدب الروسي الذي أوشك صبره على النفاد ولم يعد باستطاعته احتواء رعونته وضعفه واستشراء السرطان السياسي في جسده المنهك الذي بات قاب قوسين أو أدنى من الانهيار! وهذا بالضرورة - حسب متابعين - ما يعكسه تعاطي الإعلام السياسي الروسي المهين والمذل مع بشار الأسد وأزلامه، فهذا التعاطي ما كان له أن يكون ارتجاليًا أو خارجًا عن سياق إرادة السلطة الروسية، لا سيما والكل يعلم أن الإعلام السياسي في الأنظمة الشمولية خاصةً على دين ساسته بل ويعكس الإرادة السياسية بالدقة العالية ولا يخرج عنها قيد أنملة تذكر.

فإلى أي مدى يمكن القول إن الخرق السوري كبُر على الراقع الروسي، ما دفعه إلى الشروع باستبدال النواة الأساسية في نظام الأسد بعد فقدانه الأمل باستحالة إبقائه في المعادلة الشعبية والدولية على الصعيد الآني والمستقبلي؟ أم أن الإعلام الروسي لا يقصد كل ما يقول ويحاول فقط مفاوضة الأسد إعلاميًا وتخويفه لدفعه نحو تحقيق مطالبه والتخلي عن إيران -مثلًا - التي باتت تسبب قلقًا روسيًا في علاقتها مع دول الإقليم وأخرى على الصعيد الدولي؟

ما هدف الروس من تشويه الصورة الذهنية لبشار الأسد على الصعيد الإعلامي والسياسي وهو فيما يبدو ظاهريًا الحليف السياسي الأكثر وفاءً للأسد طيلة الحقبة السابقة؟ أم أن هذا التعاطي الإعلامي لا يعدو كونه  تكيتيكًا سياسيًا وليس إستراتيجية قرار؟

مع العلم أنه حسب متابعين لو كان تكتيكًا لكان وليد المرحلة السياسية الآنية، لكن الواقع يثبت أن تشويه الروس للصورة الذهنية لبشار في عقل الرأي العام السوري والدولي ليس وليد اللحظة بل بدأ منذ دخول أول جندي روسي إلى سوريا، ما يعني بالضرورة أن الروس يستخدمون رأس النظام كحذاء سياسي لا أكثر ولم يتم التعويل عليه البتة منذ البداية حتى الآن!

من جانب آخر هل يمكن أن يكون التعاطي الإعلامي السياسي الروسي بهدف التنفيس عن الرأي العام أو بهدف طمأنة المعارضة السورية وحلفاء الإقليم الرافضين لوجود بشار الأسد في مستقبل سوريا؟

الأسد في المزاد العلني

بدأت رحلة بشار الأسد مع الإعلام الروسي في 2016 عندما منحه لقبًا حصريًا هو "ذيل الكلب"، في إشارة إلى ما وصفه به رئيس مركز كارنيغي الروسي أليكسي مالاشينكو، عندما اعتبر أن علاقة وسياسة الأسد في التعاطي مع الروس تشبه محاولة "الذيل في التحكم بالكلب"، مشيرًا بذلك إلى أن الأسد يحاول أن يوحي لموسكو بأنه لن يكون هناك وفاق بينها وبين النظام السوري إلا بوجوده!

وبعد أشهر معدودة نقل الإعلام الروسي زيارة مفاجئة لوزير دفاعه سيرغي شويغو الذي اقتحم على بشار خلوته في قصره فجأة ليقول له الأسد عبارته الشهيرة: "إنها لمفاجأة سارة لم أكن أعلم أنك أنت من سيأتي"، حينها كان يجلس الأسد في حضرته كعبدٍ مرتبك يخشى بطش سيده، ما عكس منذ ذلك الوقت - حسب محللين - أن الروس لا يثقون بالأسد ولا يتعاملون معه كحليف.

وكانت الشعرة التي قسمت ظهر الأسد في 2017 حين استدعاه الرئيس الروسي فجأة إلى قاعدة حميميم العسكرية ونهره ومنعه هناك أحد ضباط الروس بقوة من اللحاق بالرئيس الروسي بوتين في أثناء محاولة الأسد المشي خلفه بسرعة وارتباك ملحوظ! 

وفي بداية هذا العام استدعى الرئيس الروسي بوتين بشار الأسد إلى مقره العسكري في دمشق دون سابق إنذار رفقة وزير الدفاع السوري الذي تعمد الروس إذلاله من خلال إجلاسه على مقعد صغير ما جعله يبدو بهيئة القزم والمسخ أمام الحاضرين وبوجود رئيسه بشار الأسد.

وأخير ومنذ أيام شنت وسائل إعلامية ومراكز أبحاث مقربة من الرئيس الروسي حملة إعلامية على بشار ونظامه ورموز اقتصاده، ووصل الأمر بالحملة لدرجة تخوين بشار وزوجته وأخيه ماهر، بل وأصدر مركز الأبحاث المقرب من السلطة الروسية استطلاعًا مستخلصه: أن بشار انتهى ولا يصلح للحكم بعد الآن!

ثبات الموقف

في حديثه لـ"نون بوست" يرى عماد الأحمر الخبير السياسي والدبلوماسي السوري أن موقف روسيا ثابت لم يتغير، معتبره ضابط الإيقاع الأكثر تأثيرًا والمتحكم اليوم في كل المتغيرات ذات الصلة بالشأن السوري، مشيرًا إلى أن كل ما أنفقته روسيا من مال وأرواح وأعباء كبيرة لا يمكن أن يكون من أجل شخص بشار الأسد على الإطلاق، وأوضح الأمر بقوله: "تسعى روسيا من خلال تصوير لقاءات مسؤوليها مع مسؤولي النظام السوري بهذه الطريقة المهينة لبشار وأزلامه إلى إبراز دورها القوي والفاعل وتجسيد سيطرتها المطلقة في سوريا، وهي لا تستهدف بذلك إرضاء السوريين المعارضين للنظام السوري مطلقًا، وإنما تتوجه بذلك إلى الدول الغربية للتأكيد أن الحل في سوريا لن يكون إلا عبرها وبشروطها".

ويضيف المتحدث ذاته في السياق نفسه "وفيما يخص تصاعد الموقف الروسي مؤخرًا والمنتقد بحدة وإهانة ومباشرة لرأس النظام بشار إنما يدل على قرب الحل في سوريا وتقارب الدول الفاعلة بما يحقق مصالحها، ولا شك أنه قبل تلاقي تلك المصالح لم تكن روسيا مضطرة لاتخاذ هذه الخطوة".

وأضاف الأحمر واصفًا السياسة الروسية في سوريا "الموقف الروسي لم يتغير البتة وتوجه منذ اليوم الأول لوقف المخططات الأمريكية من منظوره والمتمثلة بإضعاف دول المنطقة وتفتيتها، حيث لم يقتصر التعدي الأمريكي على سوريا فقط بل شمل دولًا عديدة كان أولها العراق الذي لا يزال يعاني شعبه حتى يومنا هذا أثر الحرب التي شنتها أمريكا ضد نظام صدام حسين في سبيل تحرير الشعب العراقي". 

وفي إفادته لـ"نون بوست" يرى عبد الرحمن بكار الخبير السياسي والمختص بالشأن السياسي والعسكري السوري أن بشار الأسد دخل المزاد العلني السياسي وأصبح في رسم التسليم والسقوط عندما أدخل سوريا في المزاد العلني بقوله: "سوريا لمن يدافع عنها بغض النظر عن جواز سفره"، وأضاف بكار "روسيا توجه عدة رسائل واضحة لجهات مختلفة من خلال سلوكها الذي يتعمد الإذلال الممنهج لبشار ونظامه في وسائل الإعلام وبواسطة المواقف السياسية المهينة المقصودة والمفتعلة، أما الرسالة المراد إيصالها إلى الدول الغربية هي أن روسيا صاحبة القول والفعل في الشأن السوري وبشار وإيران إرادتهما مقيدة أمام الإرادة الروسية وهامش الإرادة ضيق بالحدود التي تسمح بها موسكو". 

ويضيف محدثنا "وفي الفصل الأخير من معركة إدلب سعت موسكو جاهدة لتحجيم الدور التركي فزجت بها في نفس البوتقة التي زجت بها باقي أطراف الصراع، أي باختصار حولت تركيا إلى لاعب تحت الخطوط التي ترسمها موسكو، أما الرسالة التي أراد الروس إيصالها لبشار من خلال تسفيهه الممنهج بأنه لا ولن يرتقي لمستوى الحليف، فدوره في الإطار الوظيفي لا أكثر"، ويبقى الاستفهام الشهير لرئيس مركز كارنيغي الروسي في رسم الإجابة لدى بشار الأسد: لا يمكن للذيل أن يتحكم بالكلب!