تفيض جميع وسائل الإعلام بالصور العنيفة، سواء كانت الأخبار أم المقاطع المتداولة على وسائل التواصل الاجتماعي أم الألعاب إلكترونية أم أفلام الأكشن والرعب وغيرها، ولعل أكثر هذه المصادر خطورةً هي الصور والتسجيلات لأحداث حقيقية، نظرًا لقدرتها على بث الرعب في نفس المشاهد بصورة أكبر.

وفيما تشاهد شريحة واسعة من الجمهور هذا المحتوى العنيف دون أي تردد، سواء كان ذلك بدافع الفضول عند البعض أم المتعة أم التشفي عند البعض الآخر، تعمد الكثير من وسائل الإعلام إلى التمهيد لهذا النوع من المحتوى بتنبيه يسبق عرضه، فما المسؤولية الأخلاقية التي تحملها المنصات الإعلامية حتى تنبهنا قبل عرض هذه الصور؟ وما الضرر الذي قد يحدثه النظر إليها؟

عدم الإحساس بالأمان

 عند مشاهدة المقاطع التي تحوي قسوةً أو أفعالًا همجية وإجرامية، سواء كانت حقيقة أم تمثيلية بغرض المحاكاة لأحداث واقعية، أم حتى بحال كانت قصصًا خيالية، تدفعك المشاهدة إلى التعاطف مع الضحية مما قد يسبب لك نوع من الصدمة بالنيابة عن الضحايا الحقيقيين، ولهذا يعتبر شهود العيان لمأساةٍ ما - وإن لما يكونوا قد تعرضوا للعنف - ضحايا أيضًا، لمجرد رؤيتهم ذلك واختبار مشاعر الصدمة والخوف عن قرب، خاصةً عند رؤيتهم لمظاهر العنف مع الشعور بالعجز وعدم القدرة على إيقافه أو مساعدة الضحايا.

أما في حالة مشاهدة المقاطع الحقيقية، فقد تبعث على الشعور بالعجز والحزن والاعتقاد الدائم بأن العالم مكان غير عادل ومخيف، كما تحفز مشاعر القلق والإحباط والاكتئاب، مع أن الواقع أن النسبة العظمى من البشر غير عنيفين، وإلا لما استطعنا - أو حتى استطاع الجنس البشري ككل - البقاء على قيد الحياة حتى الآن.

وجدت دراسة أجريت بين عامي 2001 و2010، أنه رغم تراجع معدل الجريمة بشكل كبير، فإن إحساس العامة حيال انتشار الجرائم زاد خلال هذه المدة، متوهمين بأن معدل الجرائم يزداد وأن هناك حاجة ضرورية لاقتناء السلاح للدفاع عن النفس بحالة الخطر، وذلك بسبب البروباغندا الإعلامية المنتشرة التي توهم الناس بانتشار الأعمال العنيفة.

أثبتت العديد من الدراسات الأكاديمية أن هناك صلة بين السلوك العدواني والتعرض للعنف أو مشاهدة العنف

وأظهرت دراسات أخرى أن مشاهدة هذه المقاطع تؤدي إلى زيادة العدوانية وفقدان الإحساس أو التأثر بالعنف، مع الشعور بالقلق من التعرض إلى أذى والشعور بالخوف.

في حديث لـ"نون بوست" مع عينة من الشباب للسؤال عن آرائهم بشأن الموضوع، يقول رامي أحمد، 26 عامًا، إن المقاطع العنيفة عادةً ما تترك آثارًا نفسيةً عميقةً لديه قد تتجاوز أيام عدة، خصوصًا إذا احتوت على عنف ضد الأطفال: "شاهدت مؤخرًا أحد المقاطع المنتشرة على منصات التواصل الاجتماعي، وهي لأب أثيرت أعصابه عندما لم تفتح له عائلته باب المنزل سريعًا، فاقتحم المنزل بسيارته مما تسبب بقذف ابنته الصغيرة القريبة من الباب عدة أمتار، فأصيبت بكسور بليغة. أشعر بأن روحي منكسرة بعد مشاهدة التوحش، ولكن عندما يحتوي الفيديو على عنف ضد الأطفال تثار عندي مشاعر إضافية من الحقد والبغض ضد المعتدي، وأشعر بعدم الارتياح لفترة بعد مشاهدتها".

ولا يقتصر الأثر السلبي لرؤية العنف على الجانب النفسي، بل يؤثر أيضًا على الصحة الجسدية، وقد يسبب عدة أعراض منها التوتر الذي يؤثر على وظائف الجسم.

إيناس عبد العزيز، تدرس فرع العلوم الجنائية وتقول إنها كانت تتابع هذا النوع من المشاهد عندما كانت أصغر عمرًا، بسبب جهلها لما قد تحمله من آثار ضارة على النفس: "لا أعتقد أن دافعي كان الفضول، وإنما الرغبة في تقليد ما يفعله كل من حولي، فعندما أسمع أحاديثهم عن مقطع أو صورة ما كنت أحس بأني عليّ أن أراها أنا أيضًا! أما الآن حتى إن أحسست بالفضول أمنع نفسي من فتح أي فيديو أو صورة أعلم أنها تحوي أي نوع من أنواع العنف، لأن هذه المقاطع تترك عندي أثرًا سيئًا جدًا، يتراوح بين الإحساس بالانفصال عن الواقع وتأنيب الضمير لأنني أعيش حياة طبيعية بينما غيري يعيش المعاناة، بالإضافة للإحساس بالمسؤولية والعجز، ولم يكن إدراكي آنذاك يسمح لي بفهم أنه لا يمكن لإنسان أن يجتث جميع الشرور في العالم، وفي بعض الأحيان كان الأثر يمنعني حتى عن ممارسة حياتي الطبيعية لأيام".

غياب العاطف

لا يتعاطف دائمًا الشخص المشاهد للعنف مع الضحية، بل يصطف أحيانًا مع المعتدي، مما يفرض عليه التصرف بعدوانية هو شخصيًا، فالتعاطف مع الشخص الذي يقوم بالعمل العنيف هو ردة فعل شائعة لدى الكثير من متابعي الأفلام الخيالية، ويكون العنف مستساغًا أكثر إذا تم تقديمه من خلال بطل القصة المنتصر، لا ينتج دائمًا عن هذا شخص مجرم، ولكن أثبتت العديد من الدراسات الأكاديمية أن هناك صلة بين السلوك العدواني والتعرض للعنف أو مشاهدة العنف.

دماغ الإنسان مبرمج على القدرة على المحاكاة والتقليد، حيث تساعدنا هذه المهارة على المراقبة والتعلم، ومن خلالها يتعلم الطفل معظم سلوكياته

أطفال عدوانيون ومذعورون

أما الأطفال فهم أكثر الناس عرضةً لآثار مشاهدة العنف السلبية، سواء كان ذلك في المنزل أم المجتمع أم بمجرد رؤيته على وسائل الإعلام، وتتضمن هذه الآثار خفض حساسية الأطفال تجاه معاناة الآخرين وازدياد مشاعر الخوف والقلق لديهم، بالإضافة إلى التصرف بعدوانية. أظهرت دراسة أجريت حديثًا، أن المراهقين ممن يتعرضون للعنف سواء كان في الإعلام أم عبر الألعاب الإلكترونية، بالإضافة إلى زيادة نسبة العدوانية لديهم، أظهروا تراجعًا في عمل وظائف الدماغ الإدراكية، مما يعني أن أجزاء الدماغ المسؤولة عن التفكير والتعلم والاستنتاج والسيطرة العاطفية، أظهرت نشاطًا أبطأ من المراهقين ممن لا يتعرضون لأي نوع من أنواع العنف، كما يمكن أن تستمر هذه الآثار لدى الأطفال حتى في سن البلوغ، وهناك احتمالية أكبر للتحول إلى مجرمين عند الأطفال ذوي السلوك العدواني جدًا. ومن جهة أخرى، لا يملك الأطفال المعلومات الكافية والقدرة على إدراك أن ما يرونه من عنف لا يمثل حقيقة العالم الذي يعيشون فيه، وأن ما يشاهدونه لا يُطبّق عليهم بالضرورة، مما يسبب لهم الذعر والقلق الشديد.

دماغ الإنسان مبرمج على القدرة على المحاكاة والتقليد، حيث تساعدنا هذه المهارة على المراقبة والتعلم، ومن خلالها يتعلم الطفل معظم سلوكياته، وتسمى الخلايا المسؤولة عن هذه المهارة بالخلايا المرآة أو الخلايا العصبية المرآتية، وتستمر في عملها مدى الحياة، فحتى عندما تكون في تجمع بشري عام، ويبدأ الحشد بفعل جماعي يعبر عن شعور ما، تدفعك هذه الخلايا إلى مشاركتهم المشاعر بشكل فوري، والضحك أو التشجيع أو حتى البكاء معهم، وكأنما السلوكيات والتعبيرات الناتجة عن مشاعر معدية بطبيعتها، ولكن قد تكون هذه المهارة سلاحًا ذي حدين، فمثلما تتيح لنا تعلم الأشياء الجيدة وضرورات الحياة، قد تعلمنا تقليد ما هو ضار أيضًا، فالقدرة على المحاكاة تعلّم الأطفال تقليد العنف الذي يشاهدونه في الحياة أو في وسائل الإعلام أو في الألعاب الإلكترونية، كما تلهم هذه القدرة الأشخاص الحانقين على العالم والمجتمع تقليد غيرهم ممن قاموا بأعمال همجية.

المسؤولية الأخلاقية تجاه أهالي الضحايا

بعيدًا عن آثار الصور ومقاطع الفيديو الوحشية على النفس، يجب الأخذ بعين الاعتبار رغبة أصحاب هذه الصور إذا كانوا موافقين على نشر صورهم أم لا، وبحال موتهم يجب التفكير بأقاربهم، فصورة الأشلاء أو المقطع المصور لرجل يتعرض للذل أو الإهانة وغيرها من الأمثلة، تخفي وراءها أب وأم وأطفال لهذه الضحية، من الوارد جدًا أنهم لا يريدون لقريبهم أن تطبع صورته بأذهان العالم على هذا الشكل إلى الأبد، ولكن يحاول إقناعهم المجتمع عادةً بأن هذا ضروريًا بهدف إحداث التغيير. 

عند وقوع مأساة مدينة نيو تاون الأمريكية قرر محرر الصحيفة المحلية عدم تضمين الحياة الشخصية للقاتل في تغطية الحدث

لما عبد الفتاح أحد الأشخاص الذين تحدثنا معهم عن موضوع العنف في وسائل الإعلام تقول إنها لا تشاهد أي شيء يحوي مشاهد عنيفة، ولكنها تحاول تفهّم حقيقة أنه أحيانًا هنالك فائدة من نشر هذا النوع من الصور: "ربما تفيد هذه المشاهد بنشر الوعي عن المآسي التي تحصل يوميًا حول العالم، ونقلها بشكل حي لمن يعيشون حياة الرفاهية، ولكن يجب أن تكون محدودة ومقبولة إلى حد ما، وأن يسبقها تنبيه بوجودها قبل عرضها".

توجد الكثير من الدراسات التي تناقش أثر وجود صور صادمة ضمن الأخبار، حيث يعتقد قسم من المختصين أن وجود هذه الصور يحفز مشاعر المتلقي بصورة أكبر، بينما يرى آخرون أن تداولها قد يؤدي إلى هروب الناس من متابعة الأخبار ككل تجنبًا للأذى الذي قد يلحقها من رؤية هذه الصور.

هل ثمة حل؟

عند وقوع مأساة مدينة نيو تاون الأمريكية في ولاية كونيتيكت، حيث أطلق أحد طلاب المدارس الإعدادية النار بشكل عشوائي في المدرسة مما تسبب بمقتل 28 شخصًا وإصابة آخرين، قرر محرر الصحيفة المحلية في نيو تاون عدم تضمين الحياة الشخصية للقاتل في تغطية الحدث، فتغطية دوافعه والدوامة التي أدت به إلى هذا الفعل وطريقته في التفكير قد تجعل منه أيقونة يحتذي بها البعض:

"ليس الأمر أن هنالك الكثير من الناس قد يرتكبون مثل هذه الأفعال، ولكن الصحافة تتبعهم وتوسع بحثها وتنشر تفاصيل حياتهم على نطاق أوسع، ولكن فعل العكس قد يساعدنا على غلق منافذ أخرى للغضب قد تفتحها هذه التغطية، بعبارة أخرى، دعونا لا نسمم خلايانا العصبية". 

الجدير بالذكر أن صحيفة الغارديان البريطانية نشرت مقالًا عام 2015 بعنوان "تغطية الإعلام للإرهاب، تؤدي إلى مزيد من العنف"، واستعرض المقال مجموعة من الدراسات والمناظرات التي تناقش تأثير وسائل الإعلام بتغطية العنف والأعمال الإرهابية.

يشهد مجتمعنا الحاليّ تطورًا مستمرًا باتجاه الاهتمام بالمشاكل النفسية والاعتناء بصحة الدماغ، وكل منّا يستطيع أن يلعب دوره الخاص من خلال رفضه لشرب سم الصور والمشاهد العنيفة والسماح لها بالتغلغل في مخيلاتنا ومقاطعتها بشكل نهائي، كما يجب أن نكون مطلعين على الآثار السلبية على الصحة العقلية والنفسية التي تتبع مشاهدة العنف وخصوصًا على صغار السن.