في ضوء التطورات الأخيرة للأزمة الليبية الممتدة منذ 2014 وعدم قدرة الأطراف التي تدعمها مصر وحلفاؤها الإقليميون على الحسم عسكريًا لست سنوات وعدم قناعتها بالجلوس لمائدة حوار والتوصل لاتفاقات وتنفيذها، وتدهور الأوضاع في غير صالح السياسة الخارجية المصرية بأهدافها الحاليّة، ومحاولة مصر إطلاق إحدى مبادرات الحل بحضور طرف واحد.

هنا يصبح التساؤل عن مدى قدرة هذه التوجهات على خدمة الأهداف الإستراتيجية لأي سياسة خارجية مصرية تعمل لصالح المصريين، ومدى إمكانية تغيير هذه السياسة وأهدافها لنقاط توافق موضوعية يمكن الوقوف عندها لتحقيق تقدم سواء بضمان دور مصري ملموس في هذا الملف وبكلفة أقل ويخدم مصالح المصريين الاقتصادية بمؤشرات العمالة والاستثمار وإعادة الإعمار، وكذلك الأبعاد الأمنية بضمان أمن الحدود ومكافحة الإرهاب وعلاقات مستقرة مع أي سلطة في ليبيا، إلا أن ثمة تحديات ومعضلات يجب مناقشتها بجدية لمراجعة تلك السياسة.

معضلة المقاربات

هناك معضلة رئيسية للسياسة المصرية أنها لا تنبني على أي دراسات أو مقاربات وتحليلات علمية وبحثية معمقة للوضع الليبي الذي تفتقد المؤسسات الرسمية والأكاديمية المصرية لمتخصصين حقيقيين فيه، بل تنبني على تقديرات شخصية لباحثين مقربين من السلطة ويعمل أغلبهم في مراكز بحثية إماراتية ويخدمون تلك الرؤية الخاصة بأبو ظبي من دون إدراك الأبعاد التاريخية للعلاقة بين مصر وليبيا وشبكة المصالح المختلفة التي تخلقها حالة الجوار والحالة الاقتصادية للبلدين أو حتى الأخذ في الاعتبار الأهمية الإستراتيجية لليبيا سواء لأطراف أخرى أم لمصر باعتبارها كانت ويمكنها أن تعود لتمتص قدرًا معتبرًا من العمالة المصرية في الخارج تفوق نظيرتها في كثير من دول الخليج باستثناء السعودية.

يغذي هذا أن القائمين على صناعة وتنفيذ السياسة الخارجية المصرية يقدر أن ليس من بينهم أيًا من المصريين في الخارج أو أبنائهم، لأن هؤلاء ربما يستبعدون لأسباب أمنية واهية أو لا يتقدمون من الأساس لهذه الوظائف السيادية المرتبطة بصنع السياسة الخارجية إيمانًا منهم بأنهم مستبعدون لأسباب طبقية وأخرى تتعلق بفساد آليات التعيين بتلك المؤسسات، وهنا يغيب هذا البعد الاقتصادي المهم في مقابل طغيان البعد الأمني الهش وعدم إحراز تقدم فيه يتكافأ مع ما يحوزه من أهمية، بل تشير الدراسات أن أغلب الأحداث الإرهابية المنطلقة تجاه مصر حدثت في ظل سيطرة حفتر على الشرق الليبي.

عملية مراجعة السياسة الخارجية أمر بديهي في ظل تسارع وتيرة المتغيرات المحلية والدولية

وثمة معضلة أخرى لهذه السياسة أنها كانت تنبني على هدف وحيد مبني على معلومات خاطئة وهو الحرب على الإرهاب، بينما التحالف الذي يقوده حفتر يتمكن منه التيار السلفي المدخلي المغذي الرئيسي للإرهاب ولم يحقق تقدمًا في حربه على الإرهاب ويستغل مصر في صراع بحت على السلطة وبتحالف هش مع بقايا نظام القذافي وبعض الفيدراليين والشخصيات التي أفشلت المسار الليبي من أعضاء المؤتمر الوطني العام السابق.

ولم يكن يقتضي الأمر للسياسة المصرية أن تصف كل من لا يؤيد حفتر بأنه إرهابي وأن تشيع خطأ متعمدًا أن تيار الإسلام السياسي يسيطر على السلطة في ليبيا لأن هذا أمر تشير التحليلات الموضوعية أنه لم يحدث بل لم يسيطر الإسلاميون هناك في أي من الاستحقاقات الانتخابية الخاصة بالمؤتمر الوطني العام والمجالس البلدية على أغلبية بسيطة حتى وإنما حلوا ثالثًا أو ثانيًا على أقصى تقدير.

وبينما كانت فرنسا وإيطاليا على سبيل المثال تضعان نصب أعين صانعي سياستهما الخارجية التنافس على حصة في عملية استخراج النفط الليبي لشركاتهما بالإضافة لأمن المتوسط وقضايا اللجوء والهجرة والتزاماتهما تجاه الناتو وعملياته السابقة في ليبيا، وتركز تركيا على الاقتصاد والتجارة وتجربة أسلحتها محلية الصنع، فإن تركيز مصر على هدف وحيد والذهاب به بعيدًا وصولًا لحملات دعائية قوية في نوفمبر وديسمبر من العام الفائت بتصويرها تخوض حربًا لتحرير ليبيا من العثمانيين والإرهاب، رفع من سقف توقعات المصريين بتدخل عسكري حاسم ورفع من موجة عداء ليبية تجاه مصر والمصريين وأفقد أي وساطة مصرية سابقة ولاحقة مصداقيتها وحيادها وصعب من عملية التراجع عن هذه السياسة.

لدى هذه السياسة مشكلة رئيسية أخرى تتعلق بالتردد والبطء والاكتفاء بترديد مقولات الحلفاء، فمن ترديد عبارات بكائية من قبيل "تدخل الناتو في ليبيا كان خطأ فادحًا" إلى "إننا نحارب الإرهاب في ليبيا والمنطقة نيابة عن العالم" وهذا التبرير الواهي للسياسة، أدى لتردد وسوء تقدير، فلم تدر مصر تدخلًا جيدًا يسمح لها بحسم المعركة، ولم تتراجع لتترك لنفسها مساحة كافية من الأطراف المختلفة للعب دور الوسيط، ولم تدعم المسارات الدولية بالشكل الكافي مثل مسار اتفاق الصخيرات أو حتى مسارات برلين وموسكو وبالريمو، واكتفت بالإشادات العلنية بمخرجات تلك المسارات مع العمل باتجاهات مناقضة لها على الأرض وغير قادرة على تغيير مسار الأحداث، والحقيقة أن جوهر هذه السياسة استفزاز ممولين إقليميين ودوليين لها وإن كان هذا حقق بعضًا من أهدافه التمويلية والتسليحية إلا أنه ترك المشكلة محل التعامل أكثر تعقيدًا وأدى لمحصلة نهائية ليست في صالح مصر.

هل من إمكانية للمراجعة؟

إن عملية مراجعة السياسة الخارجية أمر بديهي في ظل تسارع وتيرة المتغيرات المحلية والدولية، فالأنظمة المستقرة تراجع سياستها بشكل دوري وهي ليست علامة ضعف أو تراجع أو تدهور، فيمكن للمرء أن يرى دولًا عدة راجعت سياستها الخارجية المستقرة لسنوات مثل مراجعة الولايات المتحدة لسياستها تجاه الملف النووي الإيراني في عهد أوباما وإظهار مرونة أكبر أدت للتوصل لاتفاق نووي، ثم روجعت هذه السياسة وقادت هذه المراجعة لانسحاب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من الاتفاق النووي الإيراني وهو أمر محل نقد ومراجعة من دوائر مختلفة لصنع السياسة الخارجية الأمريكية خاصة أنه يرسخ لسياسة حافة الهاوية غير مضمونة العواقب.

أيضًا يمكن أن نرى ألمانيا وهي قوة أوروبية وعالمية عظمى أقرت مراجعة شاملة لسياستها الخارجية عام 2014 تناولت موقفها من القضايا والأحداث في الشرق الأوسط ومن أزمات الديون الأوروبية ومواقفها من النظام الأمريكي وعلاقتها معه وكذلك صعود الصين وروسيا والعلاقات الأوروبية معهما والبحث عن آليات وسياسات جديدة للتعامل مع أزمات اللجوء والهجرة وآليات الأمن الجماعي الأوروبي، إلخ.

كما أن محاولات لعب دور الوسيط في الأزمة الليبية سواء عبر آلية دول الجوار أم حتى عبر رئاسة مصر للاتحاد الإفريقي أم عبر المحاور التي حاولت القاهرة تشكيلها مع قبرص واليونان وفرنسا والإمارات وبتجاهل تام للطرف الروسي الفاعل وأطراف إقليمية مهمة كالسودان والجزائر وتونس، ورفض إيطالي ألماني لكل التدخلات، فشلت كليًا لأنها تنطلق من الانحياز التام لطرف رفض التوقيع على مسودة اتفاق وقف إطلاق النار الروسية التركية في يناير في اللحظات الأخيرة ورفض مخرجات برلين بعد أقل من أسبوع بعدها.

ينبغي للسياسة الخارجية المصرية أن تنبني على مناقشة سيناريوهات مختلفة والذهاب بها بعيدًا عن ساحات المكايدات

ويقتضى عدم إحراز تقدم نحو الهدف الأساسي للسياسة الخارجية المصرية وهو الحرب على الإرهاب أو حتى مناوأة السياسات التركية بل وتورط الأطراف التي تدعمها مصر في دعم توجهات سلفية مدخلية خطيرة في حال عدم سيطرة حكومة مركزية عليها، وتكرار فشل وعدم تحقيق الأطراف المدعومة لأهدافها التي استجلبت الدعم وهي السيطرة على العاصمة طرابلس وكل الأراضي الليبية، وتراجع العمالة والمصالح الاقتصادية المصرية في ليبيا عبر السنوات الستة الماضية بل وإلقاء القبض على مجموعات من المصريين العاملين هناك واتهامهم بدعم الإرهاب لمساومة النظام وتحولها للتمركز في الشرق وحده بدلًا من انتشارها السابق في كل ربوع ليبيا، مراجعة شاملة لتلك السياسة باتجاه قراءة جديدة للمشهد وتوجهات وأهداف وأدوات جديدة وليس فقط تغيير في الخطاب أو محاولة إقناع الشركاء بتنسيق التدخل والتخلي عن التدخلات المنفردة.

في التحليل الأخير لا بد من خطوط فاصلة بين العلاقات الإستراتيجية مع دول الخليج وعلاقات مصر بدول أخرى وعلى رأسها دول جوارها، حتى لا نصبح إزاء فيتوهات خليجية جديدة على علاقات مصر بدول أخرى مثل ذلك الفيتو الخليجي التاريخي المشتبك مع توجهات سلفية وأمنية محلية والمرتبط بالعلاقات المصرية الإيرانية، الذي حرم مصر لعقود من سياحة إيرانية كبيرة ولم يحدث له اختراق من أي من النظم السابقة باستثناء محاولة لم تتم في العالم 2012 لفتح أبواب السياحة الإيرانية.

السياسة المصرية الحاليّة ما لم تتغير بشكل مدروس فإنها ستفقد مصر والمصريين فرص عمل بمئات الآلاف على أقل تقدير في ليبيا وستفقدها دورًا محتملًا في إعادة الإعمار في وقت يعاني منه الاقتصاد المصري والاقتصادات الخليجية المضيفة لعمالتها ويحتمل أن يعود ملايين من هؤلاء في ظل الإجراءات التقشفية الخليجية، وفي هذا الصدد فإن تغيير السياسة بشكل عاجل يمكن أن يجعل ليبيا سوقًا بديلًا جيدًا لتلك الوجهات الخليجية ولطالما كان هذا بديل تاريخي جيد إبان حربي الخليج الأولى والثانية.

ينبغي للسياسة الخارجية المصرية أن تنبني على مناقشة سيناريوهات مختلفة والذهاب بها بعيدًا عن ساحات المكايدات للوصول لتعريف دقيق لمصلحة المصريين في كل سياسة ولرؤية الصورة الكلية قبل اتخاذ أي سياسة محتملة، وكذلك الانتباه لعملية تمثيل مصالح الجاليات المصرية الاقتصادية والاجتماعية بالبلدان محل السياسة، ويمكن أن يحدث هذا بشكل معمق عبر إرسال باحثين وكتاب ورموز قبلية لاستجلاء الأوضاع وعدم الاعتماد بالكلية على معلومات وتقارير المصادر الحليفة بالداخل، وهذا يقتضي التنسيق بين مراكز الفكر والرأي داخل الجامعات والمؤسسات المعنية، وعبر تنشيط الدبلوماسيين المعنيين بهذه الدول والاستماع لأصواتهم المختلفة بديلًا عن ترهيبهم والتعامل معهم كموظفين إداريين وفقط، حيث يمكن لهؤلاء بالتعاون مع باحثين موضوعيين أن يقدموا صورًا أوضح عما يجري على الأرض وما يجب اتخاذه من قرارات وسياسات في توقيتات مناسبة للتطورات المتسارعة، فالسياسة المبنية على سيناريوهات يسهل تقييمها وتعديلها أو التراجع عنها كليًا على عكس تلك المبنية على التوجهات الشخصية البحتة لشخوص صانعي السياسة.