تساؤلات حول دعم ماكرون لحفتر في ليبيا

بعد الإدانات المتتالية... هل آن الأوان لإعادة النظر في العلاقات العسكرية مع السعودية والإمارات ومصر، ووقف بيع الأسلحة لهم؟ سؤال بدأ يفرض نفسه على الشارع الفرنسي منذ عدة أشهر، بعدما ثبت استخدام الأسلحة الفرنسية المبيعة لتلك الدول في جرائم الحرب المرتكبة في اليمن وليبيا.

العديد من وسائل الإعلام، الفرنسية منها والأجنبية، ركزت خلال الآونة الأخيرة، بدعم قوي من المعارضة الفرنسية، على فضح تورط بلادها في الحرب المشتعلة في اليمن وليبيا التي خلفت وراءها عشرات آلاف القتلى، كثير منهم أطفال ونساء وشيوخ، تعزز المأزق بنشر بعض المنظمات الحقوقية بالوثائق والأدلة ما يدين حكومة الرئيس إيمانويل ماكرون في هذا المسار.

وقد كشفت منظمة العفو الدولية، في تحقيق لها، دعم باريس - بمعزل عن البرلمان الفرنسي - للرياض بالسلاح والتدريب في حربها على اليمن، وسط جدل بشأن سياسة الإليزيه إزاء أزمات المنطقة العربية، لا سيما حيال الملف الليبي الذي تدعم فيه موقف اللواء خليفة حفتر ضد حكومة الوفاق المدعومة أمميًا.

التحقيق أثار الكثير من التساؤلات عن البوصلة الباريسية في عهد ماكرون وخريطة رهاناتها الإقليمية والدولية ومدى قابليتها للتعديل في ظل الضغوط الداخلية والإدانات الدولية أو المضي قدمًا فيما هي منهمكة فيه من أدوار، حتى لو كلفها ذلك التضحية بسمعتها الأوروبية في ظل ما تنتهجه من سياسات شاذة بعيدًا عن المسار الأوروبي.

في الوقت الذي تعد فيه باريس إحدى أسبق الدول الموقعة على معاهدة تجارة السلاح التي تمنع الحكومة من السماح بنقل السلاح إذا كانت هناك شكوك في استخدامه بجرائم حرب، نجدها في الآونة ذاتها تحتل المرتبة الثالثة ضمن الدول المصدرة للسلاح في العالم، فيما تحتل السعودية والإمارات، ثاني وسادس - على الترتيب - أكبر زبائنها، وهو ما يجعل الدولة الماكرونية في حالة انفصام واضحة تضعها في موقف حرج أمام المجتمع الدولي.

الاقتصاد.. كلمة السر

لا تجد الحكومة الفرنسية في بيعها للأسلحة لدول الشرق الأوسط أي خرق للمعاهدات الدولية، معتبرة أن عمليات البيع تلك لأهداف دفاعية، لتدافع تلك الدول عن نفسها بصورة شرعية، كونها تواجه تهديدات إرهابية، وهذا هو المبرر الرسمي لتبرير صفقات السلاح وفق ما ذهب الباحث في المعهد الأوروبي للاستشراف والأمن بيير برتولو.

بروتولو أوضح في مداخلة تليفزيونية له في برنامج "ما وراء الخبر" المذاع على "قناة الجزيرة" في 3 من يوليو الحاليّ، أن العقود المبرمة مع السعودية والإمارات ومصر، هي الأهم بالنسبة لباريس، مستبعدًا توجيه أي انتقادات لحكومة ماكرون بسبب انتماء أغلبية البرلمان الفرنسي لحزب الرئيس.

وطالما أن الرأي العام الفرنسي بعيدًا عن هذا الملف فإن ذلك لن يؤثر على الموقف الفرنسي الرسمي، كما يرى الباحث في المعهد الأوروبي للاستشراف والأمن، وإن كان من الممكن أن يتغير في المستقبل حال تصاعد حجم الانتقادات الموجهة لباريس وسياساتها الخارجية وفق ما توثقه التقارير الإقليمية والدولية التي تذهب إلى ضلوع الفرنسيين بشكل مباشر أو غير مباشر في جرائم الحرب باليمن أو ليبيا.

ويعد البعد الاقتصادي هاجسًا مؤرقًا للبرلمان الفرنسي، وهو ما يرجح رفضه أي مبادرات لوقف تصدير السلاح للرياض والقاهرة وأبو ظبي، باعتبار أن هذا الرافد يعد من أهم المصادر الأساسية للاقتصاد الفرنسي، فضلًا عما يمكن أن يترتب على منعه من زيادة نسبة البطالة في البلاد، بحسب ما ذهب جون سيريزو من منظمة أوكسفام - فرنسا.

وتتصدر منطقة الشرق الأوسط قائمة صدارة مستوردي السلاح الفرنسي (تحتل فرنسا المرتبة الثالثة للدول المصدرة للسلاح بعد أمريكا وروسيا) حيث تحتكر تقريبًا نصف الكميات المطلوبة سنويًا، فيما ارتفعت صادرات الأسلحة الفرنسية بنسبة 30% عام 2018 لتناهز قيمتها 9.1 مليار يورو وفق الإحصاءات الرسمية.

دعم الثورات المضادة

المتابع لقبلة السياسة الفرنسية خلال السنوات العشرة الماضية يجدها منحازة بشكل أو بآخر إلى صف الثورات المضادة لثورات الربيع العربي، وهو ما تكشفه مواقفها السياسية المعلنة، وهو ما أكده تقرير العفو الدولية الذي ربط بين توجهات الحلف السعودي المصري الإماراتي في اليمن وليبيا وكونه يستحوذ على ثلثي الصادرات الفرنسية من السلاح.

بعض الخبراء لم يقتنعوا بالتفسير الذاهب إلى أن الأزمة الاقتصادية التي تواجهها باريس بسبب جائحة كورونا وراء زيادة مبيعات السلاح لدول الشرق الأوسط، حيث أشار الباحث في قضايا العالم العربي والإسلامي صلاح القادري أن مثل هذا التبرير غير دقيق، كون ارتفاع صادرات السلاح الفرنسي كان منذ وصول الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى السلطة، ولا علاقة لجائحة كورونا والأزمة الاقتصادية المترتبة عليها بالأمر.

في سبتمبر 2018 نشر الموقع ذاته في إطار ملف كان قد أعده عن الحرب اليمنية، بعض الوثائق التي حصل عليها "ويكليكس"، تفضح الفساد المختبئ داخل صفقات بيع مدرعات فرنسية لأبو ظبي

الرأي ذاته أكده أستاذ الأخلاق السياسية في جامعة حمد بن خليفة، محمد المختار الشنقيطي، الذي أوضح أن تقرير المنظمة الدولية يمثل إدانة واضحة للدولة الماكرونية التي تتبنى نهجًا مخالفًا لبقية دول القارة الأوروبية، سواء في اليمن أم ليبيا، لافتًا إلى أن فرنسا تحصل على ما يقرب من 20 مليار يورو بسبب بيعها السلاح للدول التي تقاتل في اليمن وتدعم اللواء الليبي المتقاعد خليفة حفتر.

وأوضح الشنقيطي في مداخلة تليفزيونية له مع "الجزيرة" أن الرادع الوحيد لباريس في مسارها الليبي يتمثل في قوة حكومة الوفاق المدعومة أمميًا، لافتًا إلى أن ما يثار بشأن ضغوط الرأي العام العالمية لا تمثل نقطة مؤثرة في توجهات باريس التي لا تلتفت لأي اعتبارات مدنية أو حقوقية في طريقها نحو بيع الأسلحة للدول الداعمة لحفتر.

التورط في جرائم حرب

في 15 أبريل/نيسان 2019 نشر موقع "ميديابارت" الفرنسي، تقريرًا مستندًا إلى وثائق دفاعية سرّية، كشف فيه خرائط ومعلومات عن حجم السلاح الفرنسي المورد لـ"التحالف" السعودي الإماراتي، وهو ما يعني تورطها بشكل مباشر في الجرائم ضد الإنسانية المرتكبة من هذا التحالف على المسارين، اليمني والليبي.

التقرير الذي جاء تحت عنوان "فرنسا واليمن: خارطة لكذبة دولة"، أماط اللثام بصورة كاشفة عن الاستخدام الهائل للأسلحة الفرنسية في الحرب على اليمن، وهو بهذا يكذب الرواية الرسمية الفرنسية المتعلقة بتبرئتها من التهم الموجهة إليها، الأمر الذي وضع باريس وماكرون في مرمى الانتقادات الدولية.

الوثيقة كشفت لائحة تفصيلية للسلاح الفرنسي المستخدم في الحرب على اليمن، من ضمنها مدرعات "لوكلير" والذخائر المسمارية ومقاتلات "ميراج 2000-9" (المصنعة من قبل "داسو") ورادارات المدفعية كوبرا والطوافات العسكرية طراز "كوغار" و"دوفان" ومدافع قيصر Caesar ومدرعات من طراز "أرافيس" (مدرعة استطلاع ومرافقة مضادة للكمائن، تنتجها شركة "نيكستر")، وغيرها.

وجه الموقع الفرنسي انتقادات حادة لحكومة ماكرون لمواصلتها الوقوف إلى جانب السعودية في الحرب ودعم جيشها، ليس فقط بالعتاد، بل بتدريب عناصر له في باريس

ليست هذه المرة الأولى التي تم فيها الكشف عن أسلحة فرنسية متورطة في الحرب في اليمن، ففي سبتمبر 2018 نشر الموقع ذاته في إطار ملف كان قد أعده عن الحرب اليمنية، بعض الوثائق التي حصل عليها "ويكليكس"، تفضح الفساد المختبئ داخل صفقات بيع مدرعات فرنسية لأبو ظبي.

وفي الـ16 من فبراير/شباط الماضي، وجه الموقع الفرنسي انتقادات حادة لحكومة ماكرون لمواصلتها الوقوف إلى جانب السعودية في الحرب ودعم جيشها، ليس فقط بالعتاد، بل بتدريب عناصر له في باريس، معتبرًا أن "عقود صفقات السلاح التي لا تزال تبرمها باريس مع الرياض، تغذي جدلًا أخلاقيًا وسياسيًا وقضائيًا داخل فرنسا".

مديرة البحوث للشرق الأوسط في منظمة العفو الدولية، لين معروف، أوضحت تعقيبًا على تلك الوثائق المسربة عبر الموقع الفرنسي، أن تلك الوثائق تقدم دليلًا واضحًا أن المعدات العسكرية الفرنسية التي تم تزويد السعودية والإمارات بها، إنما تستخدم على نطاق واسع في النزاع باليمن، مضيفة "على الرغم من الأدلة الدامغة، يتم استخدام الأسلحة الغربية المقدمة للتحالف، الذي تقوده السعودية والإمارات، في ارتكاب أو تسهيل ارتكاب جرائم حرب محتملة وغيرها من الانتهاكات الجسيمة للقانون الإنساني الدولي في اليمن، وقد انتهكت دول مثل فرنسا التزاماتها الدولية، دون شعور بخجل، من خلال الاستمرار بتزويد السعودية والإمارات بالأسلحة في انتهاك لمعاهدة تجارة الأسلحة".

وأضافت معلوف أن تلك المعلومات المنشورة من الواجب أن تدفع باريس إلى تعليق جميع عمليات نقل الأسلحة للتحالف السعودي الإماراتي المصري، التي من الممكن استخدامها في جرائم حرب في أي من ميادين الصراع، سواء في اليمن أم غيره، وهو ما يجعل حكومة ماكرون متورطة بشكل كامل في تلك الجرائم.

تساؤلات عدة بشأن البوصلة الباريسية في عهد ماكرون، التي تتعارض بشكل كبير مع مرتكزات السياسة الأوروبية، وهو ما يضع فرنسا في موقف حرج دوليًا، ويدفع للتشكيك في مواقف الرئيس الحاليّ وشعاراته المرفوعة حيال بعض الملفات التي تتخذ فيها الحكومة الفرنسية مواقف تتسم بالجدلية والغموض والتناقض في بعض الأحيان.