قوانيبن مكبلة للحريات في مصر

تعرضت مصر خلال السنوات السبعة الماضية لهزات عنيفة في منظومة الحقوق لديها، أودت بها إلى تذيل الترتيب العالمي في مؤشرات الحريات، وقفزت بخطى مسرعة نحو اعتلاء مكانة متقدمة في قائمة الدول الأكثر انتهاكًا لحقوق مواطنيها في شتى المجالات.

وفي دراسة رصدية استعرضت الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان (منظمة مجتمع مدني مصرية) أهم القوانين المقيدة للحريات التي أقرتها السلطات المصرية من 2013 وحتى اليوم، التي حولت الدولة المصرية من دولة تسعى للديمقراطية بعد الإطاحة بنظام حسني مبارك في ثورة يناير إلى "دولة الخوف الخالية من العدل وسيادة القانون" حسب وصف الشبكة.

وضمت الدراسة التي جاءت تحت عنوان "تشريعات الظلام.. نماذج من القوانين المقيدة للحريات في 7 سنوات، يونيو/حزيران 2013- يونيو/حزيران 2020" أبرز 25 قانونًا صدروا خلال السنوات الماضية وكان لهم تأثير قوي في تكبيل حقوق وحريات المصريين.

الشبكة نوهت أن تلك القوانين يبدو في ظاهرها وفق تبريرات السلطات بأنها صنعت خصيصًا لمواجهة الإرهاب والتطرف، غير أنه في حقيقة تنفيذها ميدانيًا جاء لحصار حقوق وحريات المواطنين، كونها تستهدف أهم وأكثر الفئات الاجتماعية كما لم يسلم منها أي من الحقوق الأساسية التي أقرتها التشريعات الأممية.

قانون تنظيم الاجتماعات والتظاهرات السلمية

صدر هذا القرار بقانون رقم 107 لسنه 2013 في نوفمبر من العام نفسه، وذلك عقب الفض الدامي لاعتصامي رابعة العدوية والنهضة، حيث انقسم الشارع المصري بين مؤيد ومعارض، فيما تزايدت معدلات الاحتقان لدى شريحة كبيرة من المصريين بسبب ما حدث في هذا اليوم.

وأمام تلك الوضعية استغلت السلطات المصرية حالة الاحتقان المجتمعي وأصدرت قانونًا أسمته تنظيم الحق في الاجتماعات والمواكب والتظاهرات السلمية، الذي تضمن تنظيم الحق في الاجتماعات العامة والمواكب والتظاهرات السلمية ومواد عقابية لكل من يدعو للتظاهر، كما تضمنت المواد نصوصًا مطاطة مثل "الإضرار بمصالح الدولة" أو "تعطيل عجلة الإنتاج"، في إشارة إلى منع الإضرابات العمالية.

القانون لم يضع شروطًا تعجيزية للتظاهر وفقط، بل وضع أصحاب الرأي الراغبين في التعبير عن أنفسهم تحت سيطرة وزارة الداخلية، التي يحق لها التصرف كما تشاء، سواء بمنح الإذن أم رفض الطلب أم منح الإذن ثم سحبه، إلى جانب مراقبة التجمع، مما يحول التظاهرة إلى احتفالية أمنية بامتياز.

الاعتقالات في مصر

تعديل قانون الجامعات

تقييد حرية التظاهر لم يتوقف عند المواطن العادي في الميادين والشوارع العامة، بل وصل إلى داخل الحرم الجامعي الذي ظل على مدار عقود طويلة ساحة للتعبير عن الرأي رغم القيود المكبلة له من الأنظمة السابقة، حتى وصل هذه الأيام إلى مرحلة "تأميم العمل السياسي" وتجريم الحريات داخل الجامعات المصرية.

في يناير 2014 صدر قرار جمهوري رقم 15 الخاص بإضافة مادة على قانون الجامعات تنص على: لرئيس الجامعة أن يوقع عقوبة الفصل على الطالب الذي يمارس أعمالًا تخريبية - دون تعريف لما هو المقصود بالأعمال التخريبية - تضر بالعملية التعليمية أو تعرضها للخطر أو تستهدف منشآت الجامعة أو الامتحانات أو العمل داخل الجامعة أو الاعتداء على الأشخاص أو الممتلكات العامة والخاصة أو تحريض الطلاب على العنف واستخدام القوة أو المساهمة في أي مما تقدم.

وبحسب هذه المادة الجديدة فإن الجامعات باتت تحت وطأة القمع وتكميم الأفواه، فالطالب الذي يفكر في ممارسة حقه في التعبير عن رأيه ربما يضع مستقبله على المحك، ولم يتوقف الأمر عند سلوك التظاهر وفقط، لكن حتى مجرد التفكير فيه، وهو ما يشرعن التجسس على الطلاب وسلوكياتهم داخل الجامعة.

الأمر لم يتعلق بالطالب فحسب، ففي 2015 صدر قانون جديد يحمل رقم 3 لسنة 2015 يعاقب بمقتضاه عضو هيئة التدريس بالفصل من عمله والعزل في حال اشتراكه في أعمال التحريض على العنف، وفي حال ممارسة أعمال حزبية داخل الجامعة، إلا أنه يضع بندًا آخر مطاطًا ومبهمًا وغير دقيق، حيث يعاقب عضو هيئة التدريس بالعزل في حال اقترافه لـ: كل فعل يزري بشرف عضوية هيئة التدريس أو من شأنه أن يمس نزاهته وكرامته وكرامة الوظيفة، ولم يحدد ما هو ذلك الفعل الذي من شأنه أن يزري بشرف عضوية هيئة التدريس.

قانون مباشرة الحقوق السياسية

قبيل الانتخابات الرئاسية التي اقتصر الترشيح فيها على مرشحين اثنين هما: حمدين صباحي وعبد الفتاح السيسي وفاز فيها الرئيس عبد الفتاح السيسي، تم إصدار قانون يحمل رقم 45 لسنة 2014 يتضمن حرمان قطاعات كبيرة من المواطنين من التصويت.

القانون وضع تعريفات مطاطة للأشخاص الممنوعين من الترشح لتشمل بعض ضحايا النظام من الذين تمت مصادرة أموالهم أو اتهامهم في قضايا بتهم واهية، هذا بجانب احتوائه على عدد من البنود للحد من حرية الصحافة وتكميم الأفواه بتهم مطاطة مثل إشاعة وبث أخبار كاذبة عن الانتخابات أو توجيه الانتقاد لأعضاء الهيئة العليا للانتخابات، ومعاقبة مرتكب ذلك بالحبس.

وبعد فوز السيسي في الانتخابات بأقل من شهرين، وفي ظل غياب سلطة التشريع لعدم وجود برلمان منتخب، صدر خلال شهر سبتمبر القانون 128 لسنة 2014 الخاص بتعديل نص المادة 78 من قانون العقوبات، وتحويلها لواحدة من أكثر المواد المرنة والفضفاضة في تاريخ التشريع المصري، إن لم تكن أكثرهم على الإطلاق.

فوفق التعديل الجديد يعاقب كل من تعامل أو تلقى أي أموال أو عتاد أو أشياء مادية من أي دول أجنبية تراها الدولة تمثل خطورة على أمن الدولة واستقرارها دون تحديد تلك الدول "بالسجن المؤبد وبغرامة لا تقل عن خمسمئة ألف جنيه وتكون العقوبة الإعدام أو السجن المؤبد وغرامة لا تقل عن خمسمئة ألف جنيه إذا كان الجانى موظفًا عامًا أو مكلفًا بخدمة عامة أو ذا صفة نيابية عامة أو إذا ارتكب الجريمة في زمن الحرب أو تنفيذًا لغرض إرهابي.

قانون الكيانات الإرهابية

أصدر السيسي قانونًا جديدًا يحمل رقم 8 لسنة 2015 خاص بالكيانات الإرهابية، فيما جاءت التعريفات الخاصة بتلك الكيانات فضفاضة ومطاطة، ما يضع بعض الكيانات المعارضة، التي تهدف إلى التغيير السلمي أو التعبير عن رأي تحت مرمى نيران هذا القانون الذي تترواح عقوبته بين الحبس ومصادرة الأموال.

وكان من ضمن التفسيرات المطاطية لهذا القانون أن تم وضع بعض الجماعات التي كانت مناهضة للإخوان على قائمة الإرهاب، ومنها  جماعة 6 أبريل التي صنفت كجماعة إرهابية، ومعها روابط الأولتراس التي صدر حكم بمصادرة أموالهم.

وفي العام ذاته تم إصدر قانون آخر يحمل رقم 94 يتيح للسلطات الأمنية استخدام القوة المميتة في ملاحقة أصحاب الرأي المتهمين بارتكاب تهم مطاطة على شاكلة تهديد "النظام العام، سلامة المجتمع، مصالح المجتمع، الوحدة الوطنية" فضلًا عن إدراج عدد من الأنشطة السلمية التي قد تمارسها الأحزاب السياسية والحركات الاحتجاجية والطلابية والعمالية ووسائل الإعلام ومنظمات المجتمع المدني كأنشطة إرهابية.

في 2020 أصدر رئيس الجمهورية تعديلات على هذا القانون، أبرزها ما يتعلق بالتعريفات والعقوبات، وذلك ليتم توسيع رقعة الاشتباه بالإرهاب، ليضم التعديل الأخير الشركات والاتحادات التي هي بالأساس مرخص بها من قبل الدولة، وتضم قائمة التهم التي تندرج تحت بند الإرهاب: "عرقلة السلطات العامة أو الجهات أو الهيئات القضائية أو مصالح الحكومة أو الوحدات المحلية أو دور العبادة أو المستشفيات أو مؤسسات ومعاهد العلم أو غيرها من المرافق العامة أو البعثات الدبلوماسية والقنصلية أو المنظمات والهيئات الإقليمية والدولية في مصر من القيام بعملها أو ممارستها لكل أوجه نشاطها أو بعضه، أو مقاومتها أو تعطيل المواصلات العامة أو الخاصة أو منع سيرها أو عرقلته أو تعريضها للخطر بأي وسيلة كانت أو كان الغرض منها الدعوة بأي وسيلة إلى الإخلال بالنظام العام أو تعريض سلامة المجتمع أو مصالحه أو أي منه للخطر أو تعطيل أحكام الدستور أو القوانين أو منع إحدى مؤسسات الدولة أو إحدى السلطات العامة من ممارسة أعمالها أو الاعتداء على الحرية الشخصية للمواطن أو غيرها من الحريات والحقوق العامة التي كفلها الدستور والقانون أو الإضرار بالوحدة الوطنية أو السلام الاجتماعي أو الأمن القومي".

حرية الإعلام في مصر

قوانين الصحافة والإعلام

شهدت الحريات الإعلامية هي الأخرى معركة حامية الوطيس، دخلت على إثرها غرف الإنعاش فيما تعاني من الموت السريري بفعل القوانين التي تم إصدارها خلال الأعوام الأربع الماضية على وجه التحديد، فالبداية كانت مع قانون رقم 92 لسنة 2016 الخاص بإصدار قانون التنظيم المؤسسي للصحافة والإعلام.

ويوصف هذا القانون بأنه "سيئ السمعة" وبموجبه تأسس المجلس الأعلى للصحافة والإعلام، الذي يؤدي دور الرقيب على الصحافة وحرية التعبير، ويؤدي دور شرطة الأخلاق، كما تحول إلى عصا السلطات الأمنية والسياسية لتأديب كل من يغرد خارج السرب الإعلامي.

القانون جرم كل تناول إعلامي لأي مواد تهدد "الأمن القومي" وتحت هذا المصطلح يتم القبض على عدد كبير من الصحفيين والإعلاميين، كما يتم غلق صحف وحظر مواقع، حتى وصل عدد المواقع المحجوبة إلى ما يزيد على 500 موقع، فضلًا عن عشرات الصحفيين في السجون وغلق العديد من البرامج ومصادرة الصحف.

وأعقب هذا القانون حزمة أخرى من القوانين المكبلة للحريات الإعلامية، منها قانون رقم 175 لسنة 2018 بشأن جرائم تقنية المعلومات، الذي يعد حلقة جديدة في مسلسل ملاحقة مستخدمي مواقع التواصل الاجتماعي، بل والشبكة الإلكترونية ككل.

ثم يأتي قانون رقم 180 لسنة 2018 بشأن تنظيم الصحافة والإعلام، الذي أثار موجة عاصفة من الغضب داخل الأسرة الصحفية، حيث احتوى على قائمة من الممنوعات ولائحة من الجزءات اعتبرها المراقبون تشييعًا للصحافة لمثواها الأخير.

وقد تعززت منهجية تكبيل الحريات الإعلامية بقوانين "178، 179 لسنة 2018" الخاصة بإنشاء هيئات الصحافة والاعلام، وذلك ضمن التوجه العام للدولة نحو المزيد من الهيئات التي تشكل رقابة أمنية على الإصدارات الصحفية، ورقية كانت أو إلكترونية.

وفي مارس 2019 أصدر المجلس الأعلى لتنظيم الصحافة والإعلام القرار رقم 16 لسنة 2019 "لائحة الجزاءات والتدابير الإدارية والمالية" التي يجوز توقيعها على الجهات الخاضعة للقانون 180 لسنة 2018 بما فيها الحسابات الشخصية التي يتجاوز عدد متابعيها أكثر من 5000 شخص، وقد تنوعت هذه الجزاءات بين لفت النظر والحجب وإيقاف البث والغرامة المالية التي وصلت إلى 250 ألف جنيه ضد الوسيلة الإعلامية سواء كانت مقروءة أم مسموعة أم مرئية، حال ارتكابها أي من المخالفات التي حددتها.

قانون الهيئات القضائية

من أبرز القوانين التي تضمنتها الدراسة ما يتعلق باستقلال القضاء، متمثلًا في قانون 77 و78 لسنة 2019 بشأن الهيئات القضائية وتعيين رؤسائها، حيث يتيح القانون رقم 77 لسنة 2019 بتعديل قوانين إعادة تنظيم هيئة النيابة الإدارية وهيئة قضايا الدولة والسلطة القضائية ومجلس الدولة، بقرار من رئيس الجمهورية من بين أقدم سبعة من نواب رئيس المحكمة أو نواب رئيس الهيئة، وذلك لمدة أربع سنوات أو للمدة الباقية حتى بلوغه سن التقاعد أيهما أقرب ولمرة واحدة طوال مدة عمله.

قانون آخر أصدره رئيس الجمهورية يحمل رقم 78 لسنة 2019، بشأن تعديل طريقة اختيار رئيس المحكمة الدستورية العليا وينص على "يختار رئيس الجمهورية رئيس المحكمة الدستورية العليا من بين أقدم خمسة نواب لرئيس المحكمة"، وبحسب القانون "يعين رئيس الجمهورية نائب رئيس المحكمة من بين اثنين ترشح أحدهما الجمعية العمومية للمحكمة ويرشح الآخر رئيس المحكمة"، وهذان القانونان، يمنحان الرئيس سلطة واسعة في اختيار رؤساء الهيئات القضائية، بصرف النظر عن أي اعتبارات أخرى.

لقد نجح النظام الحاليّ على مدار السنوات السبعة الماضية، وتحت ذريعة مكافحة الإرهاب، في تأسيس ترسانة قوية من القوانين المكبلة للحريات، تستهدف تكميم الأفواه وإخراس أصوات المعارضين وفرض القبضة الأمنية على كل مقدرات الدولة، بما لا يسمح بأي تغريد خارج السرب، لتتحول الدولة من كيان يسعى للديمقراطية إلى ميدان خوف ورعب متسع الأركان.