لا شك أن الديمقراطية والاستقرار السياسي هما دعامتا الاقتصاد في أي دولة في العالم، لكنّ الاستقرار السياسي قد لا يتحقق دائمًا بالديمقراطيّة عندها يكون الربح المادي هو أهم محرّك للاستثمار وجالب له، فالمستثمر يمكن أن يركّز مشروعه في دول حيث اليد العاملة بخسة الأثمان، أو في دول تشجع الأنظمة الدكتاتوريّة فيها على الاستثمارات الأجنبيّة (حال تونس قبل الثورة).

أما بعد ثورة 14 كانون الثاني/ يناير فقد أصبح من العسر بمكان أن يأتي المستثمرون لبلدان ما سمي بـ "الربيع العربي" نظرًا لعدم توافر الاستقرار بسبب ما شهدته البلاد من إضرابات وقطع للطرق وتعطيل للعجلة الاقتصادية، إلى جانب التجاذب السياسي الذي بلغ أشده على إثر اغتيالين سياسيين.

لكن مع وصول حكومة كفاءات غير متحزبة سدة الحكم، حكومة كانت ناجمة عن حوار وطني شمل العديد من الحساسيات السياسية في البلاد، حكومة ناجمة عن حوار تحت رعاية أربعة منظمات وطنيّة أهمها الاتحاد العام التونسي للشغل - أكبر منظمة نقابيّة في البلاد - ومنظمة الأعراف المدافعة عن رجال الأعمال في سابقة تاريخية من نوعها، حيث لم يسبق أن جمعت المصالح أرباب الأعمال بالشغالين.

على وقع هذا التقارب بين المنظمتين وفي ظل حكومة التكنوقراط وفي وقت تستعد فيه البلاد لانتخابات المفروض أن تفرز حكومة متحزبة لتدير البلاد لخمس سنوات قادمة، أُقيم في تونس منتدى للاستثمار حضرته شخصيات مرموقة ومؤسسات ماليّة وبنوك عالميّة إلى جانب الحكومة برئيسها وأعضائها، بالإضافة إلى العديد الشخصيات المؤثرة في تونس وفي عديد البلدان الصديقة.

الغاية من هذا اللقاء هو النظر في سبل دعم الاستثمار في البلاد، وقد أعدّت الحكومة لهذا المؤتمر جملة من المشاريع الكبرى التي تهدف من ورائها إلى إيجاد استعداد لدى المجتمعين للاستثمار فيها؛ ممّا قد يعطي دفعًا للنمو في الجهات وتوفير فرص عمل للعاطلين.

وتجدر الإشارة إلى أنّ المؤتمر شهد حضور أكثر من 300 مشارك من رجال أعمال تونسيين وأجانب ووفود دبلوماسية رفيعة المستوى، وفيها تم عرض 22 مشروعًا: 18 منها مشاريع عمومية و4 مشاريع أخرى شراكة بين القطاع العام والقطاع الخاص بقيمة تصل إلى الـ 12 مليار دينار، وتشمل المشاريع قطاعات حيوية مثل الطاقة والصناعة والفلاحة والسياحة إلى جانب الصحة وفي البنية التحتية.

وتطرقت أشغال المؤتمر إلى جملة الصعوبات والمشاكل التي تعيق الاستثمار في تونس وخاصة قوانين وفصول مجلة الاستثمار التي أخذت حيزًا كبير من النقاش نظرًا لأنها تتخللها فصول يرى العديد من رجال الأعمال والفاعلين في المجال الاقتصادي أنها تعرقل الاستثمار في تونس.

لكن رغم الطابع الاقتصادي للمؤتمر فإنّ الجانب السياسي لم يغب عنه على اعتبار أنّ جلّ الحاضرين ينظرون إلى تونس على أنها دولة في طريقها نحو الديمقراطيّة لذا وجب دعمها اقتصاديًا وسياسيًا لتستكمل مسارها الانتقالي، تجلى ذلك خاصة في مداخلة رئيسي الحكومة الجزائري والفرنسي الذين أكّدا دعم بلادهما للانتقال الديمقراطي في تونس، هذا ولم يخف على الحاضرين الدعم الغير منقطع النظير لرئيس الحكومة "مهدي جمعة" والذي تزامن مع إعلان "عبد اللطيف المكي" القيادي بحركة النهضة - حزب الأغلبية في البلاد - عن إمكانيّة دعم الحركة لمهدي جمعة كرئيس توافقي للبلاد، رغم تأكيدات الأخير في لقاءات أسبوعية أجراها في بحر الأسبوع المنقضي مع وكالة تونس - أفريقيا للأنباء ومع قناة الجزيرة أن الحكومة القادمة ستكون ذات طابع حزبي لتترجم ثقة الناخبين، في حين يخيّر هو النأي بنفسه عن التحزب، ليبقى التونسيون في انتظار ما ستفرزه نتائج الانتخابات.