شعار تطبيق تيك توك لمقاطع الفيديو على شاشة جهاز لوحي في باريس في 21 تشرين الثاني/ نوفمبر سنة 2019.

هل يمكنك أن تشرح مستقبل الإنترنت في 15 ثانية وأنت تحرك شفتيك على إيقاع أغنية البوب ​​المفضلة لديك؟ إذا كان الأمر كذلك، فأنت تنتمي إلى عالم تيك توك، وهو تطبيق الفيديو المشهور لدى "الجيل زد"، والذي كان يستخدمه حتى فترة قصيرة مضت مليار شخص في أنحاء العالم.

نقول حتى فترة قصيرة مضت، لأن الهند قامت في 29 حزيران/ يونيو الماضي بحظر تيك توك و58 تطبيقًا صينيا آخر، بما في ذلك وي تشات ولعبة "كلاش أوف كينغز" وخرائط بايدو. 

شكلت الهند التي تمتلك أكبر عدد  من مستخدمي الإنترنت في العالم بعد الصين، ما يقرب من نصف عدد المستخدمين الذين قاموا بتحميل تطبيق تيك توك في سنة 2019.

إذا كان مستقبل الإنترنت سيتشكل في خضم الحرب التكنولوجية بين الولايات المتحدة والصين، فإن الهند تمثل ساحة معركة رئيسية. سيؤدي انفصال الهند عن الصين في المجال الرقمي إلى ارتمائها بقوة في الحضن الأمريكي.

جاء حظر التطبيق في الهند في أعقاب المناوشات الحدودية مع الصين، والتي أسفرت عن عشرات القتلى. ولكن على الصعيد الرسمي، يرتبط حظر التطبيق بالمخاوف من انتهاك الخصوصية وإساءة استخدام بيانات المشتركين. 

لطالما كانت هناك مخاوف أمنية من قيام الشركات الصينية بجمع البيانات الشخصية والاحتفاظ بها وتحليلها. لكن هذه المرة، أعلنت الهند صراحة أن التطبيقات الصينية، وعددها 59 تطبيقا، "تهدد سيادة الهند وسلامتها".

لا تمثل الهند البلد الوحيد الذي وصلت مخاوفه حول انتهاك الخصوصية إلى درجة أن يُعلن أن تطبيق تيك توك يشكل تهديدا للأمن القومي.

يشكل تطبيق تيك توك، ومنصات التواصل الاجتماعي الصينية الأخرى بالفعل تهديدًا للأمن القومي، حتى إذا كان من الصعب تحديد طبيعة ذلك التهديد

في الواقع، عبّر الخبراء الأمريكان مؤخرًا عن مخاوف مماثلة، حيث أكدوا أن الحكومة الصينية يمكن أن تستخدم تيك توك لنشر المعلومات المضللة والتأثير على السياسة الأمريكية أو توسيع نفوذها الاستخباري في الخارج أو جمع البيانات الشخصية لابتزاز المواطنين الأمريكيين، ومن بينهم 40 مليونا قاموا بتحميل التطبيق في سنة 2019.

للوهلة الأولى، قد يبدو من السخيف أن تقوم لجنة الاستثمار الخارجي في الولايات المتحدة بفتح تحقيق حول تطبيق صيني يستخدمه المراهقون بشكل أساسي لنشر مقاطع فيديو راقصة وسخيفة (قد تكون أحيانا مقاطع جادة ذات محتوى سياسي). 

اتُهم تطبيق تيك توك بحذف مقاطع فيديو متعلقة بالاحتجاجات المؤيدة للديمقراطية في هونغ كونغ، وحذف مقطع فيديو (أعيد نشره لاحقا) ينتقد الانتهاكات التي ترتكبها الصين في مجال حقوق الإنسان، لكن العديد من الشركات الأمريكية اتُّهمت بأمور أسوأ بكثير. 

قد تكون المخاوف المتعلقة بانتهاك الخصوصية وسياسات الحكومة الصينية مبررة، ولكن ذلك لا يشكل تهديدا كبيرا للأمن القومي. غالبًا ما يحاول المتشددون، بمن فيهم وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو، إيجاد أسباب مقنعة لحظر تيك توك. يبدو أنهم أحسّوا بأن هناك مشكلة ما، ولكنهم فشلوا في اكتشافها. 

قد تكون الانتقادات في محلها. يشكل تطبيق تيك توك، ومنصات التواصل الاجتماعي الصينية الأخرى بالفعل تهديدًا للأمن القومي، حتى إذا كان من الصعب تحديد طبيعة ذلك التهديد. 

تعتبر المعركة من أجل الهيمنة على شبكة التواصل الاجتماعي في صميم الجغرافيا الاقتصادية المعاصرة. ظاهريا، يبدو تيك توك خدمة مشاركة فيديو، بيد أنه في الحقيقة رسم بياني اجتماعي هائل يربط مليار مستخدم وهمزة وصل بين مليارات مقاطع الفيديو وناشري الموسيقى والإعلانات وبالطبع الخوادم الخاصة بالشركة.

على الرغم من أن مقاطع الفيديو المنتشرة للمراهقين قد تكون (في الغالب) غير ضارة، إلا أن التحكم في البنية التحتية للمدفوعات في البلاد يعد خطيرًا

أنشئ هذا الرسم البياني الاجتماعي من خلال نظام المراسلة وشبكة المدفوعات، اللذين يقوم نجاحهما على خدمة الفيديو. وفي حين تتكون مقاطع فيديو تيك توك بشكل أساسي من محتوى يصنعه المستخدمون، فإن المنصة أشبه بلعبة فيديو لما تسببه من إدمان أكثر من كونها نسخة صينية عن يوتيوب. وتتطلب مقاطع الفيديو القصيرة متابعة مستمرة من قبل المستخدم، مما يولد مستويات تفاعل عالية ومتوسط وقت مشاهدة يصل إلى 45 دقيقة في اليوم. 

من الواضح أن المراقبين الصينيين الذين يتابعون المنصة عن كثب يعرفون جيدًا كيف يمكن الاستفادة من الألعاب لاكتساب مكانة قوية. ولعل خير مثال على ذلك استخدام منصة ويتشات - المنافس الصيني لتيك توك - أسلوب التلعيب لبناء إمبراطوريتها.

في البداية، كانت منصة "ويتشات"، المملوكة من طرف شركة "تينسنت" التي يقع مقرها في شنجن، مجرد أداة مراسلة بسيطة تشبه تطبيق واتساب أو فيسبوك، ولكنها استندت إلى فكرة استخدام الظروف الحمراء الافتراضية لتشجيع المستخدمين على إرسال مدفوعات صغيرة إلى بعضهم البعض.

تعتبر خدمة الظروف الحمراء التي توفرها ويتشات تجسيدا للعرف الصيني المتمثل في تقديم الهدايا النقدية في المناسبات الخاصة، والسماح للمستخدمين بتقديم هدايا لا تتجاوز قيمتها سنتا واحدا، فضلاً عن إعداد ألعاب صغيرة خاصة بهم لإهدائها. ومن بين الألعاب الشائعة تقديم باقة صغيرة إلى أول صديق في قائمة أصدقائك.

بمجرد أن طوّر ويتشات رسمًا بيانيًا اجتماعيًا كبيرًا يتكون من أشخاص مترابطين بشكل مكثف عن طريق الرسائل والمعاملات المالية، بدأ في تقديم مجموعة واسعة من الخدمات، بما في ذلك برنامج حجز سيارات الأجرة (عبر تطبيق ديدي المنافس لتطبيق أوبر) والبحث عن الشقق وألعاب الفيديو.

سرعان ما نسخت "علي بابا" (التي يطلق عليها غالباً "أمازون الصين") استراتيجية ويتشات لبناء خدمة الدفع الخاصة بها "أليباي"، التي أعيد تسميتها الآن تحت مظلة شركة "آنت فاينانشال" التابعة لها. في سنة 2017، قاومت لجنة الاستثمار الأجنبي في الولايات المتحدة محاولة "أليباي" شراء شركة المدفوعات الأمريكية "موني غرام".

قد يُنظر إلى البيانات الشخصية التي يحتفظ بها التطبيق على أنها محرجة حتى في عالمنا الراهن الذي بات أكثر انفتاحا بشأن التوجهات الجنسية

على الرغم من أن مقاطع الفيديو المنتشرة للمراهقين قد تكون (في الغالب) غير ضارة، إلا أن التحكم في البنية التحتية للمدفوعات في البلاد يعد خطيرًا. تعزز الولايات المتحدة بشكل روتيني نفوذها على شبكات المدفوعات العالمية لتطبيق العقوبات المالية على الأنظمة المتمردة. وإدراكًا لذلك، قامت كل من الصين وروسيا وإيران بتطوير بدائل محلية لنظام "سويفت" المالي الذي تهيمن عليه الولايات المتحدة، إلى جانب تطوير أنظمة بطاقات ائتمان خاصة بهم لتكون بديلا لفيزا وماستركارد.

في الصين، حيث أصبحت المدفوعات عبر الهاتف المحمول منتشرة في كل مكان، تهيمن كل من ويتشات وأليباي حاليا على سوق مدفوعات الهواتف المحمولة التي تجاوزت معاملاتها ما يقارب 50 تريليون دولار سنة 2019. وإذا تمكنت شركة صينية من فرض مثل هذه الهيمنة على المدفوعات عبر الهاتف المحمول في دولة أخرى، سواء كانت الهند أو دولة مجاورة أخرى أو حتى الولايات المتحدة، فإنها بذلك تعطي الحكومة الصينية أداة قوية لفرض الضغوط المالية أو العقوبات.

لكن معالجة المدفوعات ليست سوى قمة جبل جليد الشبكات الاجتماعية. يمكن أن تشكل الرسوم البيانية الاجتماعية التي تقف وراء تيك توك والتطبيقات الاجتماعية الأخرى أساس الاتصالات والتسويق والامتيازات الاعتبارية الائتمانية والنقل ومجموعة من الخدمات الأخرى. الأمر الأكثر خطورة من ذلك، هو إمكانية استخدام هذه المنصات للتنميط الأمني وتتبع جهات الاتصال وحتى الابتزاز.

 من المفترض أن هذه المخاوف هي التي دفعت لجنة الاستثمار الأجنبي في الولايات المتحدة إلى إجبار الشركة الصينية "بيجين كونلون تك" على بيع تطبيق "غرندر" الخاص بالمواعدة إلى شركة مقرها الولايات المتحدة في سنة 2019.

قد يُنظر إلى البيانات الشخصية التي يحتفظ بها التطبيق على أنها محرجة حتى في عالمنا الراهن الذي بات أكثر انفتاحا بشأن التوجهات الجنسية، حيث وقع اكتشاف أن "غرندر" يبلغ عن حالات إصابة المستخدمين بفيروس نقص المناعة البشرية إلى أطراف ثالثة. لكن من المحتمل أن يكون الرسم البياني الاجتماعي لتطبيق غرندر أكثر خطورة، حيث يظهر سلاسل الاتصالات بين الأشخاص الذين قد لا يعرفون حتى أنهم مرتبطون.

من المحتمل أن يمتلك الاتحاد الأوروبي ما يكفي من القوة الجيوسياسية لتنظيم شبكات التواصل الاجتماعي التي تعمل ضمن ولايته القضائية والسيطرة عليها في نهاية المطاف. قد تضطر الهند إلى استخدام أداة حظر أكثر صرامة. وربما تمتلك الولايات المتحدة نفوذا كافيا لإجبار شركة مثل "بايت دانس"، الشركة الصينية التي تمتلك تيك توك، على التخلي عن شركاتها التي تعمل في الولايات المتحدة.

يمثل تيك توك تهديدًا خطيرا على الأمن القومي للولايات المتحدة وبقية الدول الأخرى. وبينما تُعد بقية منصات التواصل الاجتماعي الصينية أقل خطورة لأنها لم تحظى باهتمام المستخدمين الأجانب

قد لا يكون من العدل أن تتمكن الولايات المتحدة وحدها من بين دول العالم من إجبار الشركات الأجنبية على إعادة هيكلة أعمالها بما يتماشى واحتياجاتها التي تخدم الأمن القومي. ولكن هذا ما يمليه الواقع الجيو-اقتصادي الذي وجب على الشركات متعددة الجنسيات مواجهته. 

إن الصين قادرة على حجب شبكة الإنترنت بالكامل. ويمكن للهند إغلاق تطبيقات معينة، ويستطيع الاتحاد الأوروبي الضغط على الشركات من خلال الامتثال للوائحه. لكن تبقى الولايات المتحدة وحدها القادرة على إعادة تشكيل بنية الإنترنت. لذلك، يجب استخدام هذه القوة بحذر واعتدال، ويعد تيك توك من الحالات التي يجب أن تطبق عليها.

يمثل تيك توك تهديدًا خطيرا على الأمن القومي للولايات المتحدة وبقية الدول الأخرى. وبينما تُعد بقية منصات التواصل الاجتماعي الصينية أقل خطورة لأنها لم تحظى باهتمام المستخدمين الأجانب، كان تيك توك أول تطبيق يتخلى عن روابطه الثقافية لينتشر في بقية أنحاء العالم. يمثل ذلك اختبارا حاسما لكيفية تعامل المجتمعات الغربية الحرة مع شبكات التواصل الاجتماعي الصينية. 

إن حظر التطبيق بشكل تام، مثلما فعلت الهند، سيكون غير ليبرالي إلى حد كبير. في المقابل، سيكون السماح له بالانتشار دون قيود محفوفا بالمخاطر. قد يكون قطع روابط تيك توك التشغيلية مع الصين من خلال تصفية الاستثمارات قسرا هو الحل الأفضل الذي يتيح لمالكي التطبيق الحصول على مكافأة عادلة، مع حماية العالم من عواقب الاستمتاع بمقاطع الفيديو الراقصة السخيفة.

المصدر: فورين بوليسي