ترجمة وتحرير نون بوست

عندما هربت جولزيرا أيولخان أخيرا من الصين إلى كازاخستان في أوائل السنة المنقضية، مازالت وقتها تعاني من الصداع والغثيان الوهن. لم تكن تعلم ما إذا كان سبب ذلك اعتقالها وضربها بهراوة كهربائية وجهها الحراس في المعتقل لرأسها مباشرة لأنها أمضت أكثر من دقيقتين على المرحاض، أو كان ذلك جراء التجويع القسري، أو ببساطة نتيجة الرعب الذي تملكها عند سماع صراخ النساء اللاتي يتعرضن لضرب مبرح، ثم صمتهن  المطبق عند عودتهن إلى الزنزانة.

على غرار ما يقارب عن 1.5 مليون مسلم تركي آخر، اعتُقلت جولزيرا في "معسكر إعادة التأهيل" الواقع شمال غرب الصين. بعد اكتشاف مشاهدتها لبرنامج تلفزيوني تركي يرتدي فيه بعض الممثلين الحجاب، وجهت لها الشرطة الصينية تهما "بالتطرف" مدعين أنها "مصابة بفيروس" الإسلاموية وتنبأوا بأن ذلك سيدفعها لارتكاب أعمال إرهابية، وهو ما جعلهم يجزون بها وراء القضبان. 

استمر اعتقال جولزيرا لأكثر من سنة وأُطلق سراحها في تشرين الأول/ أكتوبر 2018، لإعلامها بأنها كُلفت بالعمل في مصنع قفازات بالقرب من المخيم. وبعد الانكباب لساعات طويلة على آلة الخياطة، تقبع غولزيرا في مهجع مطوق بنقاط تفتيش أمنية تستخدم تقنية التعرف على الوجه لتتبع تحركاتها وتجميع البيانات من هاتفها الذكي، الذي أرغموها على حمله معها دائما. كانت تتقاضى 50 دولارا في الشهر، أي ما يناهز عن سدس الحد الأدنى القانوني للأجور في المنطقة.

تعد غولزيرا واحدة من بين ملايين المستهدفين من قبل ظاهرة عالمية يمكن أن نطلق عليها مصطلح "الإرهاب الرأسمالي". تبرر هذه الظاهرة استغلال السكان المصنفين على أنهم إرهابيون محتملون أو عناصر يشكلون تهديدات أمنية. يولد "الارهاب الرأسمالي" بشكل أساسي من جني الأرباح بثلاث طرق مترابطة. أولاً، تُمنح عقود الدولة المربحة للشركات الخاصة لصناعة ونشر تقنيات الشرطة التي تفرض رقابة على المجموعات المستهدفة.

بعد ذلك، باستخدام مجموعة هائلة من البيانات البيومترية ومن خلال توظيف وسائل التواصل الاجتماعي، تعمل الشركات الخاصة على تحسين تقنياتها وبيع إصدارات التجزئة إلى دول ومؤسسات أخرى ، مثل المدارس. وأخيرا، تجعل هذه السياسة من المجموعات المستهدفة مصدرا للعمالة الرخيصة إما عن طريق الإكراه المباشر أو بشكل غير مباشر من خلال الوصم.

صورة

في لايشي، الصين، يجب على عمال الأويغور دخول المصنع والخروج منه من خلال مركز شرطة خاص مجهز بكاميرات التعرف على الوجه وغيرها من آليات المراقبة عالية التقنية.

يستهدف الإرهاب الرأسمالي الأشخاص غير المجنسين مثل البنغاليين في شمال شرق الهند والعرب الفلسطينيين، أي هم في غالب الأحيان الأقليات أو اللاجئين، وخاصة منهم المسلمين. يتفرد النظام الصيني بتوسع نطاقه وقسوته، لكن الإرهاب الرأسمالي الذي أخذ يترسخ في جميع أنحاء العالم، هو اختراع أمريكي.

في الصين، يستهدف نظام الإرهاب الرأسمالي أكثر من 15 مليون من الأويغور وغيرهم من المسلمين الأتراك القاطنين في المنطقة. يهدف إجبار هؤلاء الأشخاص على العمل بأجر متدن إلى نقل عدد أقل من الوظائف الصينية إلى فيتنام وبنغلاديش. بعد العمل على هذه التقنيات، تبيعها الشركات المنتجة  إلى وحدات الشرطة الصينية والحكومات الإقليمية في زيمبابوي ودبي وكوالالمبور والفلبين والعديد من المناطق الأخرى.

في الأثناء، في جميع أنحاء أوروبا وأمريكا الشمالية، وضعت أدوات مراقبة الإرهابيين مئات الآلاف من المسلمين على قوائم المراقبة كجزء من برامج مكافحة التطرف القائم على العنف. في الولايات المتحدة، مهدت تدابير مراقبة الهجرة التي اتخذت في أعقاب أحداث 11 أيلول/ سبتمبر لتركيز نظام يترصد طالبي اللجوء الذين يدخلون البلاد عبر الحدود الجنوبية.

تستخدم هذه الأنظمة نظام تحديد المواقع العالمي جي بي أس للتحكم في الأشخاص كما يفعل نظام المراقبة في شمال غرب الصين. طُلب من طالبة لجوء باكستانية تدعى "أسماء" بعد احتجازها في مركز احتجاز أمريكي ارتداء جهاز مراقبة في الكاحل مزود بنظام تحديد الموقع. ويتعين على أكثر من 32  ألف أجنبي في الولايات المتحدة فعل الشيء ذاته. أخبرتنا أسماء أن وصمة العار المرتبطة بهذا الجهاز دفعتها إلى العمل بأجر منخفض، حيث منحها صاحب شاحنة طعام في أوستن في تكساس، فرصة للعمل، وأخبرها أن العملاء لا يمكنهم رؤية الجهاز إذا بقيت خلف المنضدة في الشاحنة. ولكن عندما بدأ الجهاز يرسل إشارات على غرار "إعادة شحن البطارية! البطارية ضعيفة! اعادة شحن البطارية! البطارية ضعيفة!"  قام رئيسها بطردها أثناء مزاولتها العمل. بعد مرور سنة على حصول أسماء على اللجوء، كان كاحلها مغطى بندبات جراء الجهاز وكثيرا ما تشعر بذبذبات وهمية في ساقها.

مازالت أجهزة مراقبة الكاحل منتشرة، ولكن في السنتين الماضيتين، تمت أيضا مطالبة طالبي اللجوء الأمريكيين بالإقبال على "عمليات تسجيل الوصول البيومترية" الأسبوعية، من خلال تطبيق يسمى سمارت لينك،  يقومون بتنزيله على هواتفهم. عليهم إبقاء هواتفهم مشحونة والحفاظ على نظام التتبع نشطا في جميع الأوقات. في البداية، أعفيت لورينا، طالبة لجوء هربت من العنف في غواتيمالا، من جهاز مراقبتها الذي يوضع في الكاحل، لكن بعد ذلك طُلب منها منح مصلحة الهجرة والجمارك حق النفاذ إلى حساب البريد الإلكتروني الخاص بها، والذي يتصل بحساباتها على وسائل التواصل الاجتماعي.

ينشأ الإرهاب الرأسمالي عند التقاء قوى دول على غرار الولايات المتحدة والصين مع قوة شركات التكنولوجيا مثل ميكروسوفت وغوغل

الآن، يستخدم تطبيق سمارت لينك لمراقبة  21.712 مهاجر. طورت شركة بي إي أنكوربورايتد هذا التطبيق وهي شركة قامت في البداية بتصميم أجهزة التعقب التي تثبت في الكاحل. تتبع هذه الشركة حاليا جيو غوغل، وهي واحدة من كبرى شركات السجون والاحتجاز التي استفادت من الارتفاع الكبير في عدد السجناء والمحتجزين في الولايات المتحدة على مدى العقود الأربعة الماضية. ويدعم مزودو الاتصالات الوطنيين سبرينت و فارزيون هذا التطبيق، ويضمن نظام خرائط غوغل التعقب. 

نشأ منطق اعتماد هذه الأنظمة الجديدة للمراقبة والسيطرة التكنولوجية مباشرة انطلاقا من "الحرب العالمية على الإرهاب" التي أعلنتها إدارة جورج دبليو بوش في سنة 2001 على غرار الإصدارات المبكرة لتقنيات الشرطة المستخدمة الآن في جميع أصقاع العالم. وبدأ اعتماد النموذج الجديد في العراق، حيث طالبت الحرب المضادة للمتمردين بتعليق الحقوق المدنية وحقوق الإنسان، الأمر الذي سمح للجيش الأميركي بتحديد وتتبع التحركات والأنشطة الالكترونية ومراقبة توجهات العراقيين الفكرية. وحذت الصين حذوها في نهاية المطاف، حيث برر شي جين بينغ القهر التكنولوجي المسلط على مسلمي البلاد بإعلان "حرب الشعب على الإرهاب" في سنة 2014.

يقول الموظف الحالي في شركة ميكروسوفت، التي كانت مستثمرا رئيسيا في مرحلة مبكرة في شركة آني فيزيون وهي شركة تكنولوجيا مراقبة إسرائيلية استخدمت تقنية التعرف على الوجه لمراقبة الفلسطينيين في الضفة الغربية :" ترتبط المراقبة بالتحكم في الأشخاص المهمشين سواء كانوا من ذوي البشرة الملونة أو مهاجرين أو فقراء. وتستخدم الشركات المراقبة لتأديب العمال. يُعتمد التطبيق للمراقبة وتعزيز العنصرية النظامية وإدامة الحبس الجماعي. وتستخدم الدول المراقبة لفرض منطق الحدود وقمع الدولة. فالمراقبة، كمفهوم، ليست محايدة بل تتمركز دائما حول السيطرة".

ينشأ الإرهاب الرأسمالي عند التقاء قوى دول على غرار الولايات المتحدة والصين مع قوة شركات التكنولوجيا مثل ميكروسوفت وغوغل وهايكفيزيون وسانس تايم. ولن يتطلب التصدي لها جمهورا واعيا فحسب ولكن أيضا أشخاصا داخل الحكومات والشركات لتنظيم ومقاومة أشكال المراقبة المضرة. هناك تحركات متنامية بين العاملين في مجال التكنولوجيا، من سياتل إلى هونغ كونغ، الذين أثارهم تواطؤ أرباب عملهم في الإرهاب الرأسمالي. يجب علينا أن نضغط معا على هذه الشركات لرفض الاستفادة من الطموحات العسكرية لهذه الدول.

المصدر: الغارديان