في 29 أغسطس 2014 أعلن رئيس الوزراء التركي الجديد "أحمد داود أوغلو" تكليف وزير شئون الاتحاد الأوروبي السابق "مولود شاوش أوغلو" وزيرًا للخارجية التركية، ويأتي الوزير الجديد خلفًا لمهندس السياسة الخارجية التركية أحمد داوود أوغلو الذي يعد من أحد أهم عقول إدارة حزب العدالة والتنمية في تركيا، وساهم من خلال بحوثه الأكاديمية في رسم توجهات جديدة للسياسة الخارجية لتركيا، ونقلها نحو لعب أدوار على المستوى الدولي انطلاقًا من القدرات التي تتوافر لها؛ مما يجعل مهمة الوزير الجديد ليست بالسهلة خاصة عندما يتم مقارنته بسلفه وفي أجواء ملبدة بالأزمات.

وقد اعتبر  تعيين مولود شاوش أوغلو مفاجأة الحكومة الثانية والستين والتي لم تحمل كثيرًا من المفاجآت، حيث اعتبرت حكومة مجددة وليست حكومة جديدة بسبب دخول أربعة أشخاص فقط للحكومة لأول مرة، وفي هذا السياق كانت صحيفة راديكال التركية قد وصفت ورود اسم شاوش أوغلو في قائمة الوزراء كوزير خارجية خلفًا لأحمد داود أوغلو بـ "الاسم القنبلة".

يتسلم مولود شاوش أوغلو حقيبة الخارجية التركية في وقت تتطور فيه الأحداث بشكل سريع في منطقة الشرق الأوسط وتتعرض العلاقات لإعادة تشكيل في أكثر من  ملف وتعيش تركيا توترًا في العلاقات مع دول مثل العراق وسوريا ومصر والسعودية وإسرائيل.

حياته وخلفيته السياسية
ولد "مولود شاوش أوغلو" في 5 فبراير 1968، في ولاية أنطاليا غرب تركيا، وتخرج من قسم العلاقات الدولية في كلية العلوم السياسية، بجامعة أنقرة، ونال درجة الدراسات العليا من جامعة لونج أيلاند في الولايات المتحدة الأمريكية، التي عمل فيها محاضرًا، ثم عاد ليتخصص في شئون الاتحاد الأوروبي بجامعة أنقرة.

انتخب شاوش أوغلو - وهو أحد الأعضاء المؤسسين لحزب العدالة والتنمية - نائبًا في البرلمان عن الدورات الانتخابية (22 و23)، وعين عام 2013 نائبًا لرئيس الشئون الخارجية في حزب العدالة والتنمية، وترأس الوفد التركي في مجلس نواب الجمعية البرلمانية الأوروبية وقد عرف كأول سياسي تركي ينضم للمجلس الأوروبي منذ إنشائه في عام 1949، وقد أتاح له وجوده في المجلس فرصة التعرف على عدد كبير من الرؤساء ورؤساء الوزراء والبرلمانيين ، فيما كان مقررًا مشاركًا في البعثة الأممية في البوسنة والهرسك، ونائبًا لرئيس مجموعة الديمقراطيين الأوروبيين، كما انتخب رئيسًا لمجلس الجمعية البرلمانية الأوروبية.

نال شاوش أوغلو العام الماضي، وسام الاستحقاق الأوكراني، الذي قدم له من قبل الرئيس "فيكتور يانوكوفيتش"، كما شغل منصب وزير شئون الاتحاد الأوروبي في الحكومية التركية في ديسمبر 2013 ، وكبير المفاوضين الأتراك، و يتقن شاوش أوغلو اللغات الإنجليزية واليابانية والألمانية.

 

بداية ليست سهلة
قضية التنصت الألمانية
قد يكون ملف التنصت من الاستخبارات الألمانية على تركيا من أولى الملفات التي ستواجه مولود شاوش أوغلو، حيث كانت صحيفة "دير شبيغل" الألمانية قد ذكرت خلال الشهر الماضي أن "مصادر حكومية أكدت تكليف دائرة الاستخبارات الاتحادية الألمانية "BND" بالقيام بنشاطات استخباراتية وتنصت إزاء تركيا"، مشيرة أن "الحكومة الألمانية تنظر إلى تركيا على نحو مختلف قياسًا بباقي حلفائها في حلف شمال الأطلسي (الناتو)".

تعاملت تركيا مع هذه القضية باهتمام شديد وقالت إنها تتابع الموضوع عن كثب وعلى أعلى المستويات، فيما قامت باستدعاء السفير الألماني "إيبرهارد بول" إلى مقر الخارجية، وطلبت توضيحًا منه حيال الإدعاءات، وقيل له "لا مكان لمثل هذه الأفعال بين الحلفاء، أبديتم ردود فعل غاضبة عند علمكم بتنصت أميركا عليكم، وبإمكاننا أن نبدي ردة الفعل مثلها، نحن بانتظار توضيحات منكم".

وفي هذا السياق وفي ظل أجواء هذه الأزمة هنأ وزير الخارجية الألماني "فرانك والتر- شتاينماير" نظيره التركي "مولود تشاوش أوغلو"، بمناسبة توليه حقيبة الخارجية في الحكومة التركية الجديدة، وأكد أهمية العمل الوثيق والحوار مع وزير الخارجية التركي الجديد، من أجل تطوير العلاقات الثنائية بين البلدين.

وقال الوزير الألماني إن "ألمانيا تتطلع إلى تعزيز العلاقات الاقتصادية والثقافية مع تركيا، التطورات داخل تركيا لها تأثير مباشر على ألمانيا تمامًا مثلما أي تطور في ألمانيا له تأثير مباشر على تركيا، كبلدين نحن نحتاج بعضنا".

وفي الوقت الذي أشار فيه وزير الداخلية الألماني الذي زار تركيا قبل أيام  إلى أنه سيتم حل قضية التجسس بأسرع وقت، أكد نظيره التركي، ردًا على سؤال حول مزاعم التنصت الألمانية، قائلاً: "كما قلت للوزير، التنصت على المكالمات الهاتفية بين الحليفين غير مقبول، إن جهازي استخبارات البلدين على اتصال، وتجري مناقشة مزاعم التنصت الأخيرة".

ومما سبق يبدو أن مولود شاوش أوغلو سيعمل على تسوية هذه القضية  بصمت وبعيدًاعن الإعلام ومن خلال علاقاته القوية مع الأطراف الأوروبية، خاصة في ظل وجود طموح شخصي له بانضمام تركيا للاتحاد الأوروبي وأهمية الدور الألماني في هذا البعد.

العلاقات مع الولايات المتحدة
لا يوجد شك أن للرئيس التركي الجديد "رجب طيب أردوغان" دور كبير في تحديد معالم التشكيلة الوزارية خاصة أن حزب العدالة في عهد أردوغان قد وضع خططه الاستراتيجية تحت شعار نحو تركيا جديدة، ومن الأهداف المهمة التي تأتي في هذا السياق تحسين العلاقة مع الولايات المتحدة، ويعتبر مجئ مولود شاوش أوغلو على رأس الخارجية تعزيزًا لفرص تحسن العلاقات بعد أن شهدت العلاقة شيئًا من التشويش وانتقاد تركيا لسياسات أمريكا في سوريا والعراق؛ لذا يتوقع أن يكون الوزير الجديد الأنسب والأكثر جهدًا وحساسية نحو تمتين العلاقات مع واشنطن.

وتأكيدًا لما سبق فإن مصادر دبلوماسية في الخارجية التركية قد قالت إن وزير الخارجية التركي "مولود شاوش أوغلو" بحث مع نظيره الأمريكي "جون كيري"، في آخر اتصال هاتفي بينهما، تشكيل الحكومة العراقية الجديدة وتطورات الأوضاع في ليبيا.

رسالة للاتحاد الأوروبي
يمكن القول إن تعيين مولود شاوش أوغلو وفولكان بوزكير كوزيرين للخارجية ولشئون الاتحاد الأوروبي هو استعراض واضح من قبل القيادة التركية تهدف لتخفيف التوترات مع أوروبا وتشي باحتمال تكثيف التوجه نحو أوربا مجددًا خلال المرحلة القادمة.

لكن هذا لا يعني أن الطريق ستكون مفتوحة بشكل سلس لتحسين العلاقات خاصة مع معارضة كل من فرنسا وألمانيا لانضمام تركيا للاتحاد الأوروبي.

المهمة الأثقل تجاه المنطقة العربية
بدأ وزير الخارجية التركي "مولود شاوش أوغلو" أولى أعماله كوزير خارجية  في ظل مشاكل في العراق وسوريا واليمن ومصر وليبيا، وقد تبنى  مولود شاوش أوغلو سياسة بلده الخارجية في المرحلة السابقة ومن ضمن مواقفه رفضه للانقلاب في مصر ودعوته دول العالم لرفض الانقلاب على الديمقراطية، وأيضًا تأييد شاوش أوغلو لسياسة الباب المفتوح مع اللاجئين السوريين الذي فر بعض منهم من مجازر النظام والآخر فر من المنظمات الإرهابية حسب وجهة نظره، وقد لمز موقف الدول الأوربية من استقبال اللاجئين السوريين  قائلاً إن مخيمات اللاجئين في تركيا تضم 220 ألف لاجئ سوري بينما يوجد 600 ألف آخرين في تركيا خارج المخيمات فيما لم تقبل دول أوروبا باستقبال سوى 36 ألف لاجئ سوري، وأن هذا اختبار للمعايير الإنسانية.

 وقد استهل وزير الخارجية الجديد أعماله تجاه المنطقة بجولة شرق أوسطية شملت الأردن والبحرين وقطر والمملكة العربية السعودية، واستمرت حتى 11 أيلول/ سبتمبر الجاري التقى خلالها الملك الأردني "عبد الله بن الحسين"، وملك البحرين "حمد بن عيسى آل خليفة"، وأمير قطر الشيخ "تميم بن حمد آل ثاني"".

وشارك شاوش أوغلو في ختام جولته، في الاجتماعات التي استضافتها مدينة جدة في 11 أيلول/ سبتمبر، حول "الأزمات والمخاطر في الشرق الأوسط"، وتعد هذه خطوة جيدة خصوصًا تجاه السعودية التي سادت العلاقات معها شيء من التوتر في الفترة الماضية وبدا ذلك في استثناء تركيا من اجتماع جدة تحت عنوان "أصدقاء سوريا العرب" وربما بسبب وجود كلمة العرب في العنوان!، كما أن الحراك الفاعل الذي تشهده المنطقة حاليًا والتحالف الذي يتم تشكيله لمواجهة تنظيم الدولة في العراق يستدعي وجود تركيا عن قرب من أجل تنسيق التحركات والمواقف، خاصة أنها على تماس مباشر بما يجري في العراق وسوريا على وجه الخصوص.

وقد أعلنت السعودية أنها استضافت اجتماعًا عربيًا أمريكيًا بمشاركة تركيا لبحث مسألة الإرهاب والتنظيمات المتطرفة في المنطقة، وذلك وسط تنامي الجهود الأمريكية لإنشاء تحالف دولي لمحاربة تنظيم "الدولة الإسلامية".

وإذا كانت إيران تقوم بزيارات دبلوماسية على دول الخليج ومن ضمنها السعودية من أجل تنسيق المواقف لمواجهة ما يسمى بالإرهاب في المنطقة، فإن تركيا تعتقد أنها لا يمكن أن تكون غائبة عن المشهد؛ لذا فإنه من المتوقع أن يتم تأجيل الحديث عن قضايا خلافية خاصة مع السعودية تجاه قضايا الربيع العربي وتحديدًا الانقلاب في مصر، والتركيز بدلاً من ذلك على الجهود والتحالفات التي ستشهدها المنطقة خاصة في ساحتي سوريا والعراق.

وفي هذا السياق فإن نظرة السياسة الخارجية التركية تجاه العراق لم تتغير  في عهد شاوش أوغلو، فقد صرح قبل أيام أنه يحمل المسئولية عن الأزمة في العراق للحكومة الطائفية والجيش العراقي، ودعا لعدم وصول الأسلحة لأيدي مقاتلي حزب العمال الكردستاني حتى وإن كان الهدف مقاتلة داعش، وفي هذا لم يتضح بعد طبيعة الدور التركي وشكل تدخله إلا أن ما هو واضح هو التنسيق المباشر مع الولايات المتحدة.

العلاقة مع إسرائيل
بالرغم من أن نبرة السياسة التركية كانت عالية في الفترة السابقة خاصة أثناء العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة إلا أن مولود شاوش أوغلو قال إن تركيا تريد تطبيع العلاقات مع إسرائيل لكنه ربط ذلك بتطبيق إسرائيل للشروط التركية والتي تقف الآن عند رفع إسرائيل الحصار عن قطاع غزة، ويرى أوغلو أن تركيا لعبت دورًا كبيرًا في دعم مسيرة السلام منذ 12 عام إلا أن إسرائيل دائمًا كانت تخيب الآمال التركية من خلال سياساتها تجاه الفلسطينيين، وهذا يدل على استمرار الموقف التركي من القضية الفلسطينية لكن بوتيرة أهدأ قليلاً.

رسائل القوة والانسجام والاستمرار
يمكننا القول إن من أهم دلالات تعيين مولود شاوش أوغلو وزيرًا للخارجية، هي رسالة قوة أيضًا من حيث أن الرجل جاء من خلال مفاضلة بين مرشحين أقوياء من بينهم رئيس المخابرات التركية "هاكان فيدان" الذي له علاقة مباشرة بقضايا السياسة الخارجية لكنها خلف الأضواء، أما الرجل الآخر فهو إبراهيم كالن نائب رئيس الوزراء السابق الذي كان منخرطًا بشكل فاعل في قضايا السياسة الخارجية.

تكمن الرسالة الثانية في الانسجام بين الرئيس ورئيس الوزراء ووزير الخارجية فثلاثتهم كانوا على تماس مباشر مع السياسات التركية تجاه الإقليم، كما أنهم متقاربين كثيرًا من الناحية الفكرية التخطيطية، بالرغم من أن بعض المتابعين يقولون إن الكلمة الأولى في السياسة الخارجية ستبقى لأحمد داود أوغلو من خلال موقعة كرئيس للوزراء لكن أحمد داود أوغلو سينشغل أيضًا بقضايا داخلية من أهمها الدولة الموازية، كما أن الوزير الجديد - كما ذكرنا -يحمل مقومات قوة مهمة تجعل له أسلوبه الخاص في إدارة السياسة الخارجية التي تدار في تركيا بطريقة مؤسساتية.

كما ذكرنا فإن الطاقم الذي يقود تركيا لم يشهد كثيرًا من التغيير ووزير الخارجية هو أصلاً وزير الاتحاد الأوروبي السابق، غير أن تركيا تسعى بقوة إلى "تركيا الجديدة" لذا فإنها الآن تعيش بين مرحلتين وهذا يجعلها تعمل على إعادة التموضع خاصة في مواضيع السياسة الخارجية التي دخلت فيها في تجاذبات كثيرة في السنوات الثلاث الماضية؛ وعلى هذا فإنه من المرجح أن يكون الاعتدال هو سمة السياسة الخارجية التركية على الأقل حتى إجراء انتخابات جديدة، ومحاولة تحسين العلاقات وتغيير الأساليب والقنوات، لكن تغيير التوجهات والقناعات من الصراعات في المنطقة غير وارد بالمرة في الفترة الحالية.