القيادي بجماعة الإخوان المسلمين عصام العريان

توفي القيادي بجماعة الإخوان المسلمين المصرية، الدكتور عصام العريان (66 عامًا) اليوم الخميس 13 أغسطس /آب، إثر تعرضه لأزمة قلبية داخل محبسه بسجن العقرب سيئ السمعة، حسبما أفاد محامي الجماعة عبد المنعم عبدالمقصود في تصريحات لصحف محلية بعد أن تلقى اتصالًا صباح اليوم من إدارة مصلحة السجون بوزارة الداخلية، تبلغه بالوفاة.

وبحسب المحامي فإن العريان لم يلتق أسرته منذ 6 أشهر تقريبًا بسبب تعنت سلطات السجن وعرقلتها الزيارة كإجراء احترازي لمكافحة فيروس كورونا، وكان القيادي الراحل قد اشتكى أكثر من مرة في جلسات سابقة من الإهمال الطبي الذي تسبب في إصابته بفيروس الكبد الوبائي "فيروس سي" داخل محبسه لكن دون استجابة من أحد.

ويعد العريان المولود بمحافظة الجيزة في 28 إبريل 1954، والحاصل على بكالريوس الطب والجراحة العام عام 1977، أحد أبرز الكوادر النشطة في جماعة الإخوان، وواحد من القيادات صاحبة التأثير القوي في فكرها على مدار العقود الثلاث الماضية.

لم تكن وفاة القيادي بالجماعة داخل سجون نظام عبدالفتاح السيسي هي الأولى من نوعها، إذ شهدت السنوات الماضية العديد من الجرائم المشابهة التي سقط فيها عشرات المعارضين ضحايا الإهمال الطبي الذي كشفت بعض المنظمات الحقوقية أنه بات منهجًا معتمدًا لدى السلطات لتصفية قيادات الجماعة ورموزها الثورية.

45 عامًا من العمل العام

انخرط العريان في العمل العام منذ انخراطه في صفوف الجماعة عام 1974 حين كان عمره وقتها عشرين عامًا، حيث أسهم في تشكيل الأسر الإخوانية في محافظة الجيزة كما ساهم في إثراء الحراك الدعوي للجماعة داخل الجامعة في هذا الوقت.

عُرف عن نشاطه الجامعي اللافت للنظر، وهو ما أهله لأن يكون مسؤولاً عن اتحاد الطلاب في جامعة القاهرة، كما انتخب رئيساً للاتحاد العام لطلاب الجامعات المصرية، هذا بجانب شغره لمنصب أمين اللجنة الثقافية باتحاد طلاب طب القاهرة خلال الفترة من 1972 - 1977م.

ساعده الالتحاق بالتيار الإخواني في دخول العمل العام من أوسع أبوابه، حيث انتُخب عضوًا بمجلس إدارة نقابة أطباء مصر التي تضم 120 ألف طبيب عام 1986، وشغل بها عدة مواقع قيادية أبرزها موقع الأمين العام المساعد لعدة سنوات في ظل سيطرة أعضاء الجماعة على معظم أفرع النقابة.

ونظرًا لما كان يتمتع به من نشاط ومهارة رشحته الجماعة ليمثلها داخل مجلس الشعب المصري "البرلمان" في الانتخابات التي جرت عام 1987 ليصبح عضوًا بالبرلمان عن دائرة إمبابة بالجيزة ( مسقط رأسه) في الفترة البرلمانية من 1987 وحتى 1990.

وشغل عضوية العديد من منظمات المجتمع المدني والكيانات الإسلامية منها المؤتمر الإسلامي القومي والعربي، المنظمة المصرية لحقوق الإنسان، مكتب الإرشاد لجماعة الإخوان، وأخيرًا نائب رئيس حزب الحرية والعدالة الذي أسسته الجماعة عقب ثورة 25 يناير 2011.

شارك العريان في العديد من الندوات والمؤتمرات العلمية والفكرية داخل مصر وخارجها، كما أسهم بالعديد من الأوراق البحثية في مختلف الفعاليات العلمية، هذا بجانب كتابته في عدد من الصحف والمجلات المحلية والعربية في مختلف الموضوعات خاصةً الشؤون الإسلامية والسياسية المصرية والعربية.

سجين كل الأنظمة

منذ انخراطه في العمل العام تعرض العريان للاعتقال أكثر من مرة، البداية كانت قبيل اغتيال الرئيس المصري الراحل محمد أنور السادات، حيث اعتقل لمدة عام واحد فقط، من بداية سبتمبر عام 1981م حتى نهاية أغسطس عام 1982م، فيما تم الإفراج عنه ضمن قرارات العفو الرئاسي التي أصدرها مبارك عقب توليه السلطة.

المرة الثانية للاعتقال كانت عام 1995 وذلك بتهمة الانتماء لجماعة الإخوان المسلمين، حيث قضى عقوبة مطولة في ذلك الوقت استمرت 5 سنوات تقريبًا،  حتى عام 2000 بناء على قرارات المحكام العسكرية التي أصدرت ضده حكما بالأشغال الشاقة.

وفي عام 2005 واجه الاعتقال الثالث في تاريخه، لمدة خمسة أشهر،  للتهمة ذاتها، من مايو حتى أكتوبر من نفس العام، وفي صبيحة 18 مايو 2006 أعتقل مرة رابعة على خلفية مشاركته في التظاهرات المناصرة للقضاة بالقاهرة، وتم تجديد حبسه لفترات متعدده حتى تم الإفراج عنه يوم 10 ديسمبر من نفس العام.

واجه الاعتقال مرة خامسة في يوليو 2007 بسبب مشاركته في بعض التظاهرات التي أثارت حفيظة النظام آنذاك لكن تم الإفراج عنه في أكتوبر من العام ذاته، ليجد نفسه خلف جدران السجون مرة أخرى قبيل جمعة الغضب في 28 يناير 2011.

أما المرة السادسة والأخيرة التي تعرض فيها العريان للاعتقال فكانت في 30 أكتوبر 2013 في أعقاب الانقلاب العسكري على الرئيس الراحل محمد مرسي الذي تم في يونيو/حزيران من نفس العام، حيث ألقت أجهزة الأمن المصرية، القبض عليه من داخل شقته بالتجمع الخامس بالقاهرة، فيما أشارت بعض الروايات إلى تسليم نفسه للداخلية.

تصفية المعارضين

لم تكن وفاة عصام العريان داخل معتقلات السيسي هي الأولى من نوعها ولن تكون الأخيرة إذ سبقها جرائم عدة أبرزها على الإطلاق وفاة الرئيس محمد مرسي في 17 يونيو 2019، ومن قبلها وفاة المرشد السابق محمد مهدي عاكف في 22 سبتمبر/أيلول 2017.

تصفية المعارضين داخل السجون المصرية تحولت إلى نهج وعقيدة لدى النظام الحاكم، الذي لا يكل ولا يمل من التنكيل بمعارضيه بشتى السبل، مرتكنًا إلى آلة إعلامية تسوق لتلك الجرائم تحت شعار "الوفاة الطبيعية" وهو ما تفنده التقارير الحقوقية التي تؤكد مسئولية الإهمال الطبي المتعمد عن حالات الوفاة المتكررة.

تحت عنوان " الإهمال الطبي: أداة السلطة المصرية لتصفية المعتقلين بالبطيء" نشر "نون بوست" في 18 يوليو/حزيران 2019 تقريرًا كشف فيه أن الموت البطيء عن طريق الإهمال الطبي بات الأداة الأسرع والأنجز للتخلص من المعارضين، عبر تصفية وصفها بـ "الناعمة" لإسكات أصوات يراها النظام مارقة وتهدد كيانه رغم حبسها خلف الجدران.

التقرير نقل عن بعض المنظمات الحقوقية رصدها وتوثيقها للعديد من الحالات التي تم تصفيتها بالإهمال الطبي، حيث رصد قرابة 10 حالات وفاة في الربع الأول من 2019 نتيجة الإهمال الطبي بحسب مركز عدالة للحقوق والحريات وهي منظمة مجتمع مدني مصرية مستقلة.

وفي إحصاء آخر صدر نهاية يناير 2019 كشف المركز عن وفاة 60 حالة داخل السجون المصرية خلال الفترة من 2016 وحتى 2018 فيما هناك مايقرب من 819 حالة أخرى على أبواب ملاقاة المصير ذاته في ظل الإهمال الطبي المتعمد.

المنظمة العربية لحقوق الإنسان في بريطانيا رصدت هي الأخرى في تقرير لها وفاة 70 محتجزًا على الأقل داخل سجون السيسي منذ 3 من يوليو/تموز 2013 حتى نهاية 2015، لافتة أن بعض المحتجزين توفوا "جراء تعرضهم للتعذيب حتى الموت، والبعض الآخر جراء الإهمال الطبي المتعمد بعدم تقديم العون الطبي.

وتحت عنوان "جريمة في سجون مصر" وثقت منصة "نحن نسجل" الحقوقية في نوفمبر 2019، لجوء السلطات المصرية للحبس الانفرادي كنوع من أنواع التصفية النفسية والجسدية بحق عشرات المعارضين وأصحاب الرأي لمدد تصل لأشهر وسنوات.

وفي الأخير فإن وفاة عصام العريان خلف جدران المعتقلات المصرية، كما أنها ليست الأولى من نوعها فإنها لن تكون الأخيرة كذلك، في ظل تحول مقرات سجون السيسي إلى صناديق سوداء تبتلع من يقذفهم النظام إليها لتلفظهم جثثًا هامدة بعد حين.