جاءت الأحداث الدراماتيكية التي شهدتها عملية حرق مقر قناة دجلة الفضائية في العاصمة بغداد، لتسلط الضوء على طبيعة الظروف السياسية التي يعيشها العراق منذ عودة رئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي من زيارته لواشنطن، وما تلاها من حراك دبلوماسي شهدته العاصمة بغداد، لتعكس هذه التطورات بمجملها المخاوف التي بدأت تشعر بها القوى السياسية العراقية، وتحديدًا الثلاثي الشيعي (الفتح وسائرون والقانون)، من أن تنعكس هذه التحركات الدبلوماسية المدعومة شعبيًا على مستقبل حظوظها في العملية السياسية العراقية.

وعلى الرغم من اجتماع قيادات هذه التحالفات مع الكاظمي في منزل رئيس تحالف الفتح هادي العامري الأسبوع الماضي، لتعبر له عن دعمها المشروط لخطواته الأخيرة، فإن الكاظمي دفع بقوات كبيرة من جهاز مكافحة الإرهاب لمدينة البصرة، لتأمين المتظاهرين من عمليات الخطف والاغتيال التي تعرضوا لها في الآونة الأخيرة، وتدور الشكوك بأنها من صنع الفصائل المسلحة القريبة من إيران، ليواجه الكاظمي بدوره ثلاثي ضاغط متمثل في الكتل الشيعية والفصائل المسلحة وإيران التي بدورها قادرةً على إحداث فارق في الواقع السياسي العراقي إذا قررت ذلك، وفق ما أعلنه قائد كتائب سيد الشهداء أبو آلاء الولائي في تغريدة له على موقع تويتر.

فتصاعد عمليات القصف الصاروخي التي تتعرض له السفارة الأمريكية في بغداد، إلى جانب الهجمات المسلحة التي تتعرض لها خطوط الدعم اللوجستي للقوات الأمريكية جنوب العراق، توحي بأن هناك تصعيدًا تكتيكيًا مخططًا له، لا يرقى لردود فعل أمريكية متوقعة، فحسب إستراتيجية ردع النزاع التي تحدثت عنها القيادة المركزية الأمريكية في العراق، فلا حاجة بأن تقدم الولايات المتحدة على رد فعل انتقامي ضد الفصائل المسلحة في ‎العراق، طالما أنها استوعبت الدرس جيدًا وأصبحت معظم هجماتها استعراضية، وتتجنب إصابة القوات الأمريكية، وهو أمر مريح حاليًّا.

الزيارة المرتقبة التي سيقوم بها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون هذا الأسبوع لبغداد، ستضيف بدورها مزيدًا من الضغوط على حكومة الكاظمي

ضغوط سياسية متصاعدة

تهدف الضغوط السياسية التي يتعرض لها الكاظمي، وتقودها تحالفات الفتح وسائرون والقانون، عبر مطالبتهم المستمرة بإخماد التظاهرات ومواجهة الشارع، إلى تحقق هدفين أساسيين هما: عدم إجراء الانتخابات المبكرة حسب الموعد الذي سبق أن حدده الكاظمي، وجعله وحكومته جزء من مشكلة وليس الحل، ومن ثم تدخل هذه التحالفات وغيرها سباق الانتخابات ضمن الشروط التي تتيح لها الحفاظ على مكاسبها السياسية.

فالزيارة المرتقبة التي سيقوم بها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون هذا الأسبوع لبغداد، ستضيف بدورها مزيدًا من الضغوط على حكومة الكاظمي، كونها ستكون مكملة لزيارته لبيروت، التي تهدف لوضع حد لسلوكيات حزب الله اللبناني هناك، وهو ذات الغرض الذي سيسعى لتحقيقه في العراق، فعملية الربط السككي الصيني - الإيراني عبر العراق، التي تصاعد الحديث عنها مؤخرًا، قد تجعل إيران قبالة السواحل الفرنسية بالنهاية، وهو مؤشر على دعم فرنسي لإنجاح مهمة الكاظمي في إتمام مشروع الشام الجديدة، الذي يأتي كتوجه لإنهاء الظروف الإقليمية التي أنتجها الهلال الشيعي في الشرق الأوسط، وإتمام صفقة القرن التي يريدها الأوروبيون والأمريكيون في أقرب وقت ممكن.

فعملية الشحن الطائفي والتصعيد الأمني، يبدو أنها أوراق وجدت فيها الكتل السياسية المتوجسة من سلوكيات الكاظمي الأخيرة، أوراقًا مهمةً للضغط عليه سياسيًا للتراجع عنها أو تقليل مخاطرها، وهي مسالك قد تعيد للأذهان الظروف الأمنية التي شهدها العراق عامي 2006 و2007، طالما أن هناك إصرارًا سياسيًا (سنيًا وشيعيًا) على الذهاب نحو هذا الخيار، بسبب الفشل في إخماد الشارع المنتفض منذ أكتوبر 2019.

إن التحديات الكبيرة التي يواجهها الكاظمي معقدة جدًا، ففي مقابل الانفتاح الإقليمي والدولي الذي شهده العراق الأيام القليلة الماضية، هناك ضغوط سياسية وأمنية داخلية تواجهه

خيارات حكومية مترددة

جاء الخطاب الذي ألقاه الكاظمي في ذكرى عاشوراء، ليكشف التردد الذي اعترى مواقفه الأخيرة، فهو متأرجح بين التلويح بالعصا تارةً والجزرة تارةً أخرى، إذ توعد مجددًا الفاسدين وأطلق حملة ضد "السلاح المنفلت" بدأت بسلاح العشائر الذي كثر في الآونة الأخيرة، نتيجة النزاعات المسلحة بينها، وأعلن تشكيل لجنة عليا تختص بقضايا "الفساد الكبرى والجرائم الاستثنائية"، وأضاف "اللجنة التحقيقية ستُمنح الصلاحيات المطلوبة لتحقيق هيبة القانون، واستعادة حقوق الدولة والمواطن من الفاسدين"، وفي هذا السياق، أعلنت وزارة الداخلية أن "هناك أوامر عليا صدرت من القائد العام للقوات المسلحة، وبإشراف ومتابعة وزير الداخلية، منها تفتيش واسع لكل المناطق التي تحصل فيها نزاعات عشائرية، وضبط الأسلحة ومصادرتها، سواء كانت خفيفة أم متوسطة".

وقبل ذلك بيومين، أجرى الكاظمي زيارة تفقدية إلى مقر جهاز مكافحة الإرهاب، والتقى قيادات الجهاز واطلع على عمل وخطط الجهاز الأمنية، مؤكدًا أن الجهاز يحظى بثقة العراقيين لما حققه من بطولات ومآثر في الحرب ضد تنظيم داعش، وأن الجهاز نال سمعة دولية أيضًا، ويجب العمل على تعزيز هذه السمعة، من خلال تواصل التدريب الحديث وضرورة ترسيخ مبدأ العقيدة الوطنية في عمل الجهاز وأيضًا باقي الأجهزة الأمنية، وأشار إلى التحديات التي تواجه العراق في المرحلة الراهنة، وحرص الحكومة على مواجهتها وتذليلها وتصحيح الكثير من المسارات الخاطئة، للمضي قدمًا بالبلاد.  

إن التحديات الكبيرة التي يواجهها الكاظمي معقدة جدًا، ففي مقابل الانفتاح الإقليمي والدولي الذي شهده العراق الأيام القليلة الماضية، هناك ضغوط سياسية وأمنية داخلية تواجهه، فما تلقاه من دعم عربي وأمريكي، لم يتلقه أي رئيس وزراء عراقي آخر، وهو سبب كافٍ للقوى السياسية العراقية، وتحديدًا تلك المقربة من إيران، أن تقف حجر عثرة في سبيل إنجاح مهمته الانتقالية، وتزداد الخشية من أن ينعكس هذا النجاح على حظوظه السياسية مستقبلًا، فيما لو قرر الترشح للانتخابات المبكرة، رغم إعلانه عدم نيته للترشح قبل أيام، لذلك تبدو سيناريوهات الفوضى والشحن الطائفي، مرشحةً للتصاعد في الأيام المقبلة، طالما أنه لم يكن هناك رادع حكومي فاعل وعدم اهتمام دولي بخطورة الأوضاع في العراق.