برنامج تحليل الذكاء الاصطناعي في بكين، الصين، تشرين الأول/ أكتوبر 2018.

ترجمة وتحرير: نون بوست

على امتداد التاريخ البشري، تجسس الناس على بعضهم البعض. فمن أجل معرفة ما يقوم به الآخرون أو يخططون لفعله، قام الأشخاص بمراقبتهم وتتبعهم والتنصت عليهم، باستخدام أدوات شهدت تطورا مستمرا، ولكنها لم تتمكن من تعويض البشر. رغم ذلك، يعمل الذكاء الاصطناعي والأنظمة الذاتية حاليا على تغيير كل ذلك.

في المستقبل، سوف تتجسس الآلات على الآلات لكي تعرف ما تفعله الأخرى أو تخطط للقيام به. وسيستمر العمل الاستخباراتي في سرقة الأسرار وحمايتها، لكن الكيفية التي يتم من خلالها جمع هذه الأسرار وتحليلها ونشرها ستكون مختلفة اختلافًا جوهريًا. أدرك المستقبليون العسكريون مثل هذا التغير الجذري، ووصف البعض صعود الذكاء الاصطناعي وأنظمة الأسلحة الذاتية بأنها "ثورة في الشؤون العسكرية". ومن الممكن أن تُفهم تناظرية المعلومات الاستخباراتية على أنها "ثورة في الشؤون الاستخباراتية".

من خلال الثورة القادمة في الشؤون الاستخباراتية، ستصبح الآلات أكثر من مجرد أدوات لجمع المعلومات وتحليلها. وسوف تصبح مستهلكة للذكاء، وصانعة قرار، بل وحتى أهدافًا لعمليات استخبارات آلية أخرى. وسوف تظل العلاقات السياسية والاجتماعية والاقتصادية والعسكرية للبشر موضع الاهتمام الأساسي لهذه الآلات، لكن الذكاء سيكون مدفوعا بالسرعة والنطاق والتعقيد. بالتالي، فإن المعلومات الاستخباراتية التي يتحكم فيها الإنسان لن تكون قادرة على الاستمرار. 

ليس هناك سبيل لإيقاف حدوث ثورة في الشؤون الاستخباراتية. لقد أطلقت قوى الابتكار التكنولوجي والمنافسة العنان لها بالفعل على العالم. وبدلاً من ذلك، يجب على مجتمع الاستخبارات الأمريكي أن يتبنى ثورة الشؤون الاستخباراتية ويستعدّ لمستقبل يهيمن عليه الذكاء الاصطناعي، وإلا فإنه يجازف بخسارة قدرته التنافسية.

صعود الذكاء الآلي

لا تظهر الثورات من العدم. في الواقع، تعود جذور ثورة الشؤون الاستخباراتية إلى القرن العشرين، حين نجحت التقنيات الجديدة، على غرار الاتصالات السلكية واللاسلكية والحوسبة، في استقطاب مهارات عالية جديدة إلى عالم الاستخبارات.  فقد ظل البشر بمثابة العناصر الاستخباراتية الأساسية، ولكن بدلاً من الاعتماد على أنفسهم في المراقبة بأعينهم والتنصت بآذانهم والتحليل والتنبؤ بعقولهم، اعتمدوا على أجهزة استشعار وأدوات حوسبة متطورة لتعزيز قدراتهم.

تعتمد أنظمة التداول الكمي عالية السرعة على خوارزميات تستشعر التغيرات في أسواق الأسهم العالمية، وتحلل كميات هائلة من البيانات لوضع التوقعات

على مدار السنوات العشرين الماضية، تسارع هذا الاتجاه مما أدى إلى زيادة هائلة في كمية البيانات المتاحة لوكالات الاستخبارات. في الوقت الراهن، تُنتج أجهزة الاستشعار السرية والتجارية، بدءًا من الروبوتات على الشبكات وصولا إلى الطائرات دون طيار ذاتية التحكم والأقمار الصناعية الصغيرة في الفضاء،  معلومات أكثر مما يمكن للبشر استيعابه بمفردهم. 

في سنة 2017، توقعت الوكالة الوطنية للاستخبارات الجغرافية المكانية أن البيانات التي سيتعين على المحللين تحليلها ستتضاعف ملايين المرات في غضون خمس سنوات. لقد أدى وجود الكثير من البيانات بهذه السرعة إلى احتدام التنافس الشرس لفهم كل ذلك، وهي ديناميكية أدت بدورها إلى تبني الأتمتة وتحليلات البيانات الضخمة والذكاء الاصطناعي. وقد كان ضغط المواكبة هائل: فالدول التي تستطيع وكالاتها الاستخباراتية معالجة كميات هائلة من البيانات المعقدة بسرعة ستكون لها ميزة مقارنة بالدول التي لا تستطيع ذلك.

لم يُسفر التحول الموازي إلى الأنظمة الذاتية والذكاء الاصطناعي بين المؤسسات العسكرية العالمية إلا عن تكثيف الضغط التنافسي، إذ يتعين على وكالات الاستخبارات أن تكون قادرة على استهداف ودعم أنظمة القتال الحربية المتقدمة. في الواقع، يدير الجيش الأمريكي أكثر من 11 ألف نظام جوي دون طيار وحتى تحت الماء وفي الفضاء وعلى الأرض. 

بالإضافة إلى ذلك، يتعين على وحدات الأمن السيبراني الأمريكية أن تتعامل مع ملايين الروبوتات على الشبكات العالمية بالإضافة إلى مليارات أجهزة إنترنت الأشياء التي تعمل كمستشعرات. وتتطلب هذه الأنظمة دائمة الانتشار استعلاماتها الخاصة حتى تتمكن من العمل، مما يعني أنها ستصبح بمرور الوقت عملاء الاستخبارات الأساسيين.

سوف يكون التحول إلى الأنظمة الذاتية باعتبارها أهداف استخباراتية أكثر ثورية حتى، أي عندما تبدأ الآلات في التجسس على آلات أخرى وخداعها. وقد يتضمن السيناريو المحتمل المستقبلي نظاماً للذكاء الاصطناعي مكلف بتحليل سؤال معين، مثل حقيقة ما إذا كان الخصم يستعد للحرب. أما النظام الثاني الذي يديره الخصم فقد يحقن البيانات عمداً في النظام الأول من أجل إضعاف تحليله.

قد يدرك النظام الأول هذه الخدعة ويأخذ بعين الاعتبار البيانات الاحتيالية، ولكنه قد يتصرف عكس ذلك، وهو ما يُوصف بخداع المخادع. في الحقيقة، لطالما كان هذا النوع من خدعة التجسس المتبادل جزءًا من الاستخبارات، لكنه سيحدث قريبًا بين أنظمة ذاتية بالكامل. وفي ظل هذه الحلقة المعلوماتية المغلقة، يمكن أن يحدث التجسس ومكافحة التجسس  دون تدخل بشري.

من أجل فهم المخاطر، ينبغي النظر في مقياس من العالم المالي. بعبارة أخرى، تعتمد أنظمة التداول الكمي عالية السرعة على خوارزميات تستشعر التغيرات في أسواق الأسهم العالمية، وتحلل كميات هائلة من البيانات لوضع التوقعات، ثم تنفذ الصفقات تلقائيًا في غضون ثوان. ولا يمكن للبشر العمل في أي مكان قريب بنفس السرعة والنطاق. 

بهدف مواكبة المنافسة، تعتمد شركات الاستثمار وحتى أكثرها قوة بشكل متزايد على أنظمة التداول الكمية. ولكي تتنافس مع بعضها البعض على الأسرار، ستحتاج وكالات الاستخبارات بشكل متزايد إلى الذكاء الاصطناعي والأنظمة الذاتية على حد سواء.

مواءمة المجتمع الاستخباري

نظرا لأن الآلات أصبحت الجامعة والمحلِلة والمستهلِكة الأساسية، والأهداف الاستخبارية، سيحتاج مجتمع الاستخبارات الأمريكي بأكمله إلى التطور. يجب أن يبدأ هذا التطور باستثمارات هائلة في الذكاء الاصطناعي وتكنولوجيا الاستقلال الذاتي، بالإضافة إلى تغييرات في مفاهيم العمليات التي تمكن الوكالات من معالجة كميات ضخمة من البيانات وتوجيه المعلومات الناتجة مباشرة إلى الآلات المستقلة. 

يتطور مجتمع الاستخبارات الأمريكية لتبني ثورة الشؤون الاستخبارية

بينما بات كل شيء تقريبا متصلا عبر الشبكات التي تنتج شكلاً من أشكال التوقيع أو البيانات الكهرومغناطيسية، فإن استخبارات الإشارات بالتحديد ستحتاج إلى أن تكون مركزا لتطور الذكاء الاصطناعي. بالإضافة إلى الاستخبارات الجيوفضائية. مع انتشار الأقمار الصناعية وأجهزة الاستشعار الأخرى، سيصبح كل شيء على الأرض قريبا مرئيا من الفضاء في جميع الأوقات، وهي حالة أطلق عليها مركز الأبحاث والتطوير الفدرالي "إيرو سبيس" اسم "تفرد جيوينت". لمواكبة كل هذه البيانات، ستحتاج الاستخبارات الجيوفضائية، مثل استخبارات الإشارات، إلى تعزيز قدرات الذكاء الاصطناعي بشكل جذري.

ينقسم مجتمع الاستخبارات الأمريكية حاليا إلى وظائف مختلفة تجمع وتحلل أنواعا منفصلة من الاستخبارات، مثل الإشارات أو الجيوفضائية. قد تجبر ثورة الشؤون الاستخبارية ذلك المجتمع على إعادة تقييم ما إذا كانت هذه الانقسامات لا تزال منطقية. 

إن كل المعلومات الكهرومغناطيسية تظل معلومات كهرومغناطيسية، سواء كان مصدرها من قمر صناعي أو جهاز إنترنت الأشياء. ليس للتمييز حسب المصدر أهمية تذكر إذا لم ير أي إنسان البيانات الأولية، ويمكن لنظام الذكاء الاصطناعي التعرف على الأنماط في جميع البيانات في آن واحد. وبالمثل، سيتلاشى الانقسام بين الاستخبارات المدنية والعسكرية، لأن البنية التحتية المدنية، مثل أنظمة الاتصالات السلكية واللاسلكية لن تقل أهمية عن أنظمة الاتصالات العسكرية للوصول إلى الأهداف العسكرية. بناء على هذه الحقائق، قد يؤدي فصل وظائف الاستخبارات إلى إعاقة العمليات الاستخبارية بدلا من تعزيزها.

قد تتطلب ثورة الشؤون الاستخبارية إنشاء منظمات جديدة كذلك. إذا سبق وكان الإنسان الركيزة الأساسية للاستخبارات في الماضي، فإن هذا التمييز ينتمي الآن إلى الجهاز، كبرمجية معينة، أو جهاز استشعار، أو طائرة مستقلة دون طيار. ستقوم عمليات الاستخبارات بالتركيز المتزايد على تلك الأجهزة، مما يعني أن التجسس لن يكون على الأجهزة نفسها فحسب، بل على المصممين والمطورين وسلاسل الإمداد التي تنتجها أيضا. 

في المستقبل القريب، ستعادل مركزية فهم الذكاء الاصطناعي وتقنية الأنظمة المستقلة وسلاسل الإمدادات ورأس المال الاستثماري أهمية فهم الأيديولوجية الأصولية الإسلامية في الماضي. قد تحتاج الولايات المتحدة إلى منظمات جديدة لدراسة هذه المجالات. فعلى الأقل، ستحتاج إلى توسيع مديريات الاستخبارات الاقتصادية والتكنولوجية الحالية، تماما كما وسعت وحدات مكافحة الإرهاب بعد 11 سبتمبر/ أيلول.

بينما يتطور مجتمع الاستخبارات الأمريكية لتبني ثورة الشؤون الاستخبارية، سوف يحتاج إلى الحد من قدرة خصومه على فعل الشيء ذاته، خاصة عن طريق إبطاء وإيقاف قدرتهم على إتقان الذكاء الآلي. ستزداد أهمية إعاقة تصميم وتطوير أنظمة الذكاء الاصطناعي والأنظمة المستقلة للخصوم. وسيتطلب هذا إجراء خفيا تقوم الآلات بجزء منه. على سبيل المثال، يمكن للولايات المتحدة بث بيانات خاطئة في نظام تعلم آلي لخصم ما، من أجل خداع أو إنكار نظام الذكاء الاصطناعي الأكبر الخاص به. 

تسببت مقاومة التغيير في حدوث كوارث في الماضي على غرار رفض البحرية الأمريكية استبدال السفن الحربية بحاملات الطائرات قبل الحرب العالمية الثانية

لكن، مثلما ستستهدف الولايات المتحدة أنظمة الذكاء الاصطناعي والأنظمة المستقلة لخصومها، فإن أجهزة الاستخبارات المعادية ستستهدف الأنظمة الأمريكية. نتيجة لذلك، ستحتاج الولايات المتحدة إلى إقامة دفاعات جديدة وتبني أشكال جديدة من الاستخبارات المضادة. وليستطيع ضباط مكافحة التجسس منافسة الخصوم، سيحتاجون إلى قدرتهم على الخداع التي لطالما اعتمدوا عليها، لكنهم سيحتاجون أيضا إلى المزيد من الخبرة الاقتصادية والتقنية أكثر من ذي قبل. إجمالا، ستفرض ثورة الشؤون الاستخبارية التغيير على كل مستوى من مستويات الاستخبار، بما في ذلك المنظمات والتدريب والتكنولوجيا ومفاهيم العمليات ومكافحة التجسس.

تبدأ الثورة بالإنسان

قد يتوقف جمع المعلومات الاستخبارية وتحليلها على الاعتماد على الجهد البشري حصرا أو حتى بشكل أساسي، لكن هدفه النهائي سيظل فهم الحكومات والمجتمعات والجيوش التي يقودها الإنسان. فضلا عن ذلك، سيجلب البشر الإبداع والتعاطف والفهم والتفكير الاستراتيجي للاستخبارات والذي من المستبعد أن تجاريه الآلات في المستقبل القريب. نتيجة لذلك، سيلعب رؤساء الأقسام وضباط العمليات والمحللون أدوارا مهمة لفترة طويلة في المستقبل، على الرغم من أن طبيعة وظائفهم قد تتغير.

مع ذلك، فإن ثورة الشؤون الاستخبارية قادمة، وسيتعين على مجتمع الاستخبارات التكيف معها واحتضانها. فقد تسببت مقاومة التغيير في حدوث كوارث في الماضي على غرار رفض البحرية الأمريكية استبدال السفن الحربية بحاملات الطائرات قبل الحرب العالمية الثانية. كانت القوات البحرية بقيادة بحارة لم يدركوا التقدم الهائل في القوة الجوية التي من شأنها أن تسمح لليابان بشن هجوم مدمر على ميناء بيرل. وبالمثل، فإن مجتمع الاستخبارات يُدار بشكل أساسي من قبل جواسيس بشر قد لا يرون (أو يتقبلون) دائما حتمية الذكاء الآلي. 

يجب على وكالات الاستخبارات كسر الحواجز الثقافية، والاستثمار في التكنولوجيا، وتخصيص مكاتب كاملة للذكاء الاصطناعي والاستخبارات القائمة على التشغيل الآلي. إذا رفضت الولايات المتحدة التطور، فإنها تخاطر بمنح الصين أو أي خصم آخر ميزة تكنولوجية لن تتمكن واشنطن من التغلب عليها.

المصدر: فورين أفيرز