"بقلوبٍ تنبض حبًا وإيمانًا بثورتها، ونفوسٍ جبلت على العزة والكبرياء، وأصواتٍ ما فتئت تصدح بنداء الحرية، وبشبابٍ أقسموا على النصر، وتعاهدوا على الاستمرار وفاءً منهم لزملاءٍ غيّبتهم السجون، ودليلًا على أن خطاهم لا تزال راسخةٌ في درب الكرامة، نعمل لنفصح عن آلام أبطالٍ ما زالوا يذوقون الويلات في ظلمة السجون، وتحت سياط الجلادين وبرسالة مختصرة لن ننسى لن نسامح".

هذه الكلمات هي وصفٌ لفيلم أنتج بجهود شبابية سورية، لطلاب أرادوا أن يعكسوا حجم المعاناة التي عاناها وما زال يعانيها كثيرٌ من زملائهم الطلاب المغيبين قسريًا في سجون النظام السوري. أحمد الشربجي طالبٌ سوري في كلية الهندسة المعمارية بجامعة إسطنبول التقنية ومدير لفريق ناشئ تحت اسم "FRAME TEAM"، يعمل على إعداد مقاطع مصورة تشرح الواقع السوري ومعاناته.

photo

الطالب أحمد الشربجي أثناء تصويره للفيلم

لم تثن ويلات الحرب وآثارها أحمد عن السعي وراء حلمه والعمل بمشاريع تخدم قضيته الثورية التي يؤمن بها ويحمل أفكارها، وتختزل قصة أحمد مسيرة نجاح لكثير من الطلاب السوريين في بلاد اللجوء، حيث استطاعوا تحويل آلامهم إلى آمال وإنجازات استثمروا بها لخدمة بلدهم والتعريف بمأساته، ولم ينفصلوا عن واقع وطنهم رغم بعدهم الجغرافي عنه.

التقينا في "نون بوست" بضيف هذا التقرير الطالب أحمد شربجي، وفي جعبته الكثير من الكلام، وعن قصة دخوله إلى الجامعة في سوريا ومن ثم هروبه منها.

تعثر ونجاح

عام 2012 ومع مرور عام على بدء الثورة السورية، كان أحمد ما زال في المرحلة الإعدادية وتفصله خطوات عن الانتقال للمرحلة الثانوية، وهنا بدأت وتيرة التصعيد العسكري في مدينة داريا التي ينحدر منها أحمد بالارتفاع، وكعادته كان النظام السوري يقصف المدينة فأصيبت والدة أحمد الأمر الذي أدى بهم أن ينزحوا عن المدينة، وهو السبب ذاته الذي أدى لانقطاعه عن الدراسة لمدة عامين.

أثرت أحداث الثورة على أحمد رغم صغر سنه بشكل كبير، وفي وقت نزوحه فرض الأسد حصارًا قاسيًا على مدينته، مع حملة عسكرية عنيفة كانت تشغل باله ليل نهار، فعمل جاهدًا على أن يدخل المدينة، فلم يكن يستطيع سماع الأخبار المؤلمة من مدينته وهو خارجها، فلطالما أحس بالتقصير تجاهها، لكن محاولات أحمد باءت بالفشل، لتكون بداية عهد جديد له.

هنا قرر أحمد متابعة دراسته ليجتاز امتحان المرحلة الإعدادية ومن ثم يبدأ التجهيز لامتحان الثانوية العامة، لكن ظروف النزوح وضيق مساحة المنزل الذي يقطنه أحمد مع عائلته، كانت غير ملائمة للدراسة أبدًا، ما دفع أحمد للجوء خلسة إلى أحد المساجد بمساعدة أحد أساتذته، وبالفعل كان يقضي كل وقته هناك بالدراسة والجد والتعب، وحصل أحمد على شهادة الثانوية بمعدل 92% مما أهلّه لدخول فرع الهندسة المعمارية وهو الفرع الذي كان يحلم بدراسته، كما يروي أحمد لـ"نون بوست".

صورة

صورة لأحمد في جامعة دمشق قبل هروبه إلى تركيا

بدأ أحمد دراسته الجامعية في كلية الهندسة المعمارية جامعة دمشق، يذكر هنا أن المئات من طلاب جامعة دمشق لقوا حتفهم على يد النظام السوري في مناطق متعددة، أحس أحمد بغربة كبيرة داخل الجامعة ولم يستطع الاندماج والتواصل الفعال مع الهيئة التدريسية الموالية لنظام الأسد أو الهيئة الطلابية التابعة لاتحاد الطلبة المنبثق من حزب البعث الذين يصفهم أحمد بأنهم "فرع أمني مخابراتي ملطّف باسم هيئة طلابية"، كما أنه ينظر إليهم بأنهم "سبب رئيسي في موت واعتقال الكثير من أصدقائه الطلاب".

هنا قرر أحمد البدء بفضح هؤلاء الطلاب والمدرسين، فأنشأ صفحة على موقع التواصل الاجتماعي "فيسبوك" ولا يعلم من وراءها إلا صديق واحد له، وكانت تحت مسمى "شخصيات من كلية العمارة"، وينشر من خلالها رسمات كاريكاتورية معتمدًا على موهبته في الرسم، وبالفعل استطاع أحمد خلق حالة عامة وصناعة "براند" داخل الجامعة، الأمر الذي استدعى الهيئة الطلابية البحث عن صاحب الصفحة لمحاسبته، وعندما بدأت الشكوك تثار حوله اضطر لترك الجامعة والخروج إلى إدلب عبر رحلة تهريب صعبة عام 2017، ومنها خرج إلى تركيا.

وصل أحمد إلى تركيا، ليتفاجأ بأن نظام التعليم مختلف عن سوريا، بالإضافة لضرورة تعلم الغة التركية، ليجد نفسه مضطرًا إلى تقديم امتحان الأجانب للدخول إلى الجامعة، فبدأ التجهيز له في أحد المراكز التعليمية، إلا أنه وبسبب الأوضاع المادية الصعبة وعدم قدرته المالية لم يستطع متابعة الحضور، فبدأ بالدراسة لوحده في المنزل وفي مسجد يافوس سليم بمنطقة الفاتح في إسطنبول.

بعد استدانته رسوم الامتحانات من بعض أصدقائه، تقدم الشربجي للامتحان بعدة جامعات، وبعد صدور النتائج حقق نجاحًا لم يكن مرضيًا له، إلا أن نتيجته أدخلته إلى فرع الاقتصاد في جامعة اسطنبول، التي استغلها كفرصة للبدء بتعلم اللغة التركية.

صورة

طلاب سوريون في تركيا مشاركون بفيلم على العهد

تتفجر عاطفة أحمد عند حديثه عن أيامه الأولى في إسطنبول، فيتذكرها بأسى شديد لا سيما في محاولات العمل لكسب قوت يومه وتكاليف دراسته، فعمل في إحدى المرات بنقل الفحم، واضطر لعمل يوم كامل مقابل 100 ليرة تركية فقط، كما أنه عمل في مشغل للخياطة ليتمكن من سداد ديونه، تلمع عيون أحمد ويتنهد، ربما غلبته الدموع فأخفاها عنفوانًا ومقاومةً للذكريات، يذكر لنا حالته النفسية الصعبة في تلك الأيام، كما يتذكر كيف كان طالبًا مجتهدًا وذا معدل عال في جامعة دمشق ومن عائلة ميسورة الحال، وكيف أن النظام السوري قضى على آماله في حياة كريمة ككل طلاب العالم الطامحين إلى مستقبل مشرق.

بدا لي أن أحمد ينتقل في حديثه من ذكرياته المؤسفة والمؤلمة فورًا ويمر عليها مرورًا سريعًا، لا يحب أن يمر ذلك الشريط بمخيلته، ينتقل بحديثه عن منحة حصل عليها وكان شديد الفرح بها، سكنٌ طلابي يوفر له جزءًا يسيرًا من المال على أساس أنه طالب اقتصاد، كان أحمد قد عزم على أن لا يكمل في هذا الفرع فكان لا يرى أنه مؤهل له، في هذه الأثناء قرر أن يحضّر لامتحان "السات" وهو امتحان عالمي معترف به في تركيا.

نجح أحمد بعلامة تامة في الامتحان، حتى إن صفحات السوريين على فيسبوك احتفت به، كان يومًا عظيمًا له كما يقول، يستطيع الآن دخول كلية هندسة العمارة في أرقى الجامعات التركية، ويحقق حلمه بإنهاء هذا الفرع والعمل به، بدأ منحنى الحديث بيني وبين أحمد يخرج من الألم إلى الأمل والنجاحات، يروي لي أنه وخلال دراسته للامتحان كان يتدرب وحده على برامج التصميم والمونتاج ويدمج موهبته بالرسم فيها، ليبدأ بعض الأعمال المأجورة التي ستيسر له طريقه.

لم تنته قصة أحمد هنا، فللقصة بقية، وبقيتها قضية أحمد التي لم ينسها أو يحاول الابتعاد عنها، أصدقاؤه من الطلبة السوريين المعتقلين في سجون الأسد، سيعمل لإيصال صوتهم والتذكير بمعاناتهم، وهو الأمر الذي كان واضحًا عند انضمامه لإحدى مؤسسات العمل الطلابي السوري في تركيا وهي "ملتقى الطلبة السوريين في تركيا".

photo

الملتقى الطلابي

في خضم الفراغ التنظيمي والمؤسساتي الراعي للطلبة السوريين في تركيا البالغ عددهم 27606، بدأ في الشهور الأخيرة حراك طلابي لافت، حيث باشر مئات من الطلاب بتأسيس كيانات تجمعهم لتحقيق مبتغاهم وتلبية للحاجة الملحة لهذه الشريحة، فبرز تياران رئيسيان عملا على توحيد التجمعات المشتتة والصغيرة تحت كيان يمثلهم، والتياران هما الاتحاد السوري للطلبة الأحرار، وملتقى الطلبة السوريين في تركيا، والأخير هو محور حديثنا.

فملتقى الطلبة بحسب ما جاء في وصفه على صفحته الرسمية للفيسبوك هو "منظمة طلابية تسعى إلى إيجاد بيئة حاضنة لطاقات الطلاب الجامعيين تكتشف إمكاناتهم وتعمل على تطوير برامج داعمة تستثمر هذه الطاقات وتحفزها"، ويعمل الملتقى في مراحله الأولى على إعداد لقاءات مع باحثين واختصاصيين وأكاديميين ومسؤولين مع الطلاب في مهمة لـ"توعية الشباب بأهمية العمل والحراك الطلابي في النهضة"، وهنا القول للطالب أحمد.

بالعودة إلى ضيف قصتنا أحمد شربجي، فيروي لنا أنه ومن إيمانه المطلق بالعمل الطلابي وأهميته في دعم قضايا الشعوب، قرر الانضمام وتسخير الإمكانات التي يملكها من أجل خدمة هذه المؤسسة، وكما ذكر لنا فقد تمكن من إتقان وإجادة العمل على برامج المونتاج والتصميم وإخراج العمل البصري، وبهذا المجال بدأ أحمد تطوعه ليكون أحد الأفراد الفاعلين بالفريق الإعلامي للملتقى.

على العهد

قصةٌ لطالبين اعتقلهما النظام من الجامعة وعذبهما فاقتلعت عين أحدهما وشهد مقتل رفيقه بعينه الأخرى، هذه الرواية استدعت أحمد ورفاقه في فريق "FRAME TEAM" تحت مظلة ملتقى الطلبة السوريين لإخراج فيلم يوثق الحكاية، ولمدة تزيد على 3 شهور، دأب الفريق على العمل بأدوات بسيطة وتحديات عديدة، كونهم كانوا في فترة الحجر الصحي الذي استمر لشهور في مدينة إسطنبول التركية.

يقارن هذا الفيلم القصير بين حياة المعتقلين بسجون النظام الأسدي في سوريا وحياة المحجورين صحيًا إثر جائحة كورونا في مدينة كوبلنز الألمانية، وهي المدينة التي شهدت اعتقال الضابطين السوريين السابقين بنظام الأسد، أنور رسلان وإياد الغريب، والبدء بمحاكمتهما بتهم جرائم حرب.

photo

من كواليس فيلم على العهد

يريد أحمد ورفاقه إيصال رسالة لكل من ضحى بدمه في معتقلات النظام وخاصة الطلاب منهم أنهم "على العهد" وسيعملون بكل الوسائل لنقل معاناتهم ومأساتهم، وسيجد كل من يتابع هذا الفيلم مشاهد تصويرية تعبر عن نسبة ضئيلة مما يحدث في مسالخ الأسد البشرية، بحسب ما يروي أحمد، وبالطبع لم يتوقف نشاط أحمد في الملتقى الطلابي، فبدأ العمل متطوعًا مع عدة منظمات إنسانية عاملة في الشأن السوري كمنظمة بنفسج وفريق ملهم التطوعي، كما أخبرنا.

العمل الذي يخدم القضية السورية هو المحور الذي يسعى إليه أحمد والكثير من الطلاب، ويقول "لا يمكن فصل التعليم عن السياسية كما لا تنفصل الإنسانية عنها"، ويختم حديثه بالقول: "أومن بأننا ما وصلنا إلى المرحلة التي نحن فيها من النجاح إلا على أغلال كثير من الطلاب الذين دفعوا دمائهم ثمنًا لحريتنا وعليه حملنا قضيتهم، ولن ننسى".