ما زالت القوى السياسية في العراق تسعى إلى تدوير نفسها في سياق الاستحقاقات السياسية القادمة، خصوصاً أن العراق مقبل على انتخابات مبكرة في يونيو القادم، حسبما سبق وتعهد رئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي بذلك، إذ أفرزت التظاهرات الشعبية التي شهدتها العاصمة بغداد ومدن أخرى، حالة من النقمة الشعبية ضد الطبقة السياسية الحالية، مطالبة بإزاحتها عن المشهد السياسي العراقي، وأية استحقاقات مستقبلية، بسبب دورها الكبير في تراكم الفشل السياسي والاقتصادي والأمني في العراق ما بعد 2003.

ترى القوى السياسية الحالية أن المطالبات الشعبية بضرورة تشريع قانون جديد للانتخابات باعتماد القائمة المفتوحة والدوائر المتعددة خسارة كبيرة لها، ولذلك عرقلت صدور القانون الجديد وحاولت إفراغه من أية مسحة تغييرية في الانتخابات المقبلة، ورغم مرور ما يقرب العام على اقتراح مشروع القانون الجديد، إلى جانب قانون مفوضية الانتخابات، إلا إنه لم يمر حتى اللحظة، بسبب رفض قوى سياسية عديدة، وعلى رأسها كتلة دولة القانون وتحالف الفتح، لهذا القانون.

قوى سياسية جديدة

تدلّ مُعطيات عدّة على أن الانتخابات التشريعية المبكرة في العراق في بداية شهر يونيو المقبل، ستكون استثنائية من نواحٍ عدة، ولعل الدليل الأخير على ذلك، ما تشي به تحركات الأحزاب والقوى السياسية المحلية، والتي تؤكد أن تنافساً وصراعاً إنتخابياً محتدماً ينتظر البلاد، هذه التحركات تمخضت أخيراً عن إعلان نشوء حركات وتكتلات شبابية، أخذت تتبنى مطالب الحراك الشعبي، لكن تبيّن أن أحزاباً وشخصيات سياسية تقف خلف قسمٍ منها، وهي دفعت بإتجاه تشكيل كياناتٍ رديفة لها، مستلهمةً شعاراتها من وحي ساحات التظاهر.

هذا الأمر أدّى إلى مطالبة ناشطين عراقيين، بأن يخرج أيُّ إعلانٍ عن تأسيس حركةٍ أو تكتل مدني يمثل الحراك، من قلب ساحات التظاهر نفسها، حتى تثبت هذه الكيانات أنها ولدت من رحمها، وليست دخيلةً عليها. 

غياب قانون حقيقي للأحزاب السياسية في العراق، هو مايسمح للقوى السياسية الحالية، تشكيل الأحزاب الجديدة بعيداً عن الضوابط الحزبية

تشكل الكيانات الرديفة أو كيانات الظل، واحدة من أبرز السياسات التي من الممكن أن تراهن عليها القوى السياسية التقليدية في الاستحقاقات المقبلة، فتشكيل حركات سياسية شبابية تلامس مطالب متظاهري تشرين، وتكون جزءاً من العملية السياسية المقبلة، يضمن لهذه القوى فرصة البقاء وعدم الاندثار، ورغم محاولاتها الحثيثة في الإبقاء على فكرة الدائرة الإنتخابية الواحدة في القانون الجديد، إلا أن الرهان على الكيانات والأحزاب الجديدة يظل الأقوى، لإدراك هذه القوى حجم النقمة الشعبية عليها.

يمكن القول بأن غياب قانون حقيقي للأحزاب السياسية في العراق، هو ما يسمح للقوى السياسية الحالية، تشكيل الأحزاب الجديدة بعيداً عن الضوابط الحزبية، ورغم تشريع مجلس النواب العراقي لقانون الأحزاب السياسية رقم 36 لسنة 2015، إلا أن هذا القانون ذاته، خاضع لحوارات شعبية تطالب بتعديله، كونه جاء ليلبي رغبات القوى السياسية الحالية، بعيداً عن سياقات العمل السياسي والحزبي، فضلاً عن أنه لم يؤسس لبيئة سياسية صحية، خصوصاً أنه لم يعالج مسألة تمويل الأحزاب، وأنظمتها الداخلية، وعلاقاتها الخارجية.

 أحزاب الفصائل المسلحة

تنظر الفصائل المسلحة، خصوصاً تلك المنضوية ضمن تحالف الفتح، إن الضرورة السياسية اليوم، تستدعي شرعنة وجودها السياسي، بعيداً عن أية مفاجأت قد تفرزها الساحة العراقية، سواءً كان ذلك على صعيد الإجراءات الإصلاحية التي يعتمدها الكاظمي، وتحديداً في موضوع حصر السلاح بيد الدولة، أو مكافحة الفساد، أم على صعيد سياقات المواجهة الأمريكية الإيرانية، بعد فرض العقوبات الأمريكية على إيران وفق ألية سناب باك في 20 سبتمبر الحالي، وهو ما يمكن أن ينعكس على مستقبل هذه الفصائل المسلحة، خصوصاً المرتبطة بإيران، والتي تعرف بالفصائل الولائية.

الفصائل المسلحة  تسعى لتشكيل كيانات وحركات جديدة، تتماشى مع الحراك الشعبي الحاصل في العراق

وفي إطار بروز حركة وعي التي يقودها القيادي السابق في تيار الحكمة صلاح العرباوي، فإن الفصائل المسلحة هي الأخرى تسعى لتشكيل كيانات وحركات جديدة، تتماشى مع الحراك الشعبي الحاصل في العراق، خصوصاً أن غالبيتها متهمة بقمع التظاهرات التي انطلقت منذ اكتوبر الماضي، تحت عنوان الطرف الثالث، ومن ثم فإنها هي الأخرى تخشى أن تواجه سيناريوهات صعبة في الانتخابات المبكرة، ورغم حصولها على ما يقرب من 48 مقعداً في مجلس النواب الحالي، عبر تشكيلها ما يعرف بتحالف الفتح، إلا أنه من غير المتوقع حفاظها على هذه المقاعد في الانتخابات المقبلة.

إن الواقع السياسي الحالي في العراق، يبدو مهيئاً لبروز العديد من الحركات والقيادات التي ستكون جزءًا من الاستحقاقات المقبلة، وذلك بفعل وجود مسارات تهيئ لهذا البروز، وأهمها عدم تمكن الحكومة العراقية من ضبط حركة العمل السياسي في العراق، نتيجة الملفات العديدة التي تعالجها، والتي يغلب عليها الطابع الأمني، ومن ثم فإن القوى السياسية هي الأخرى تسعى إلى تقليص مساحة المجهول والمفاجآت، لا سيما أنها تدرك جيداً وجود رغبة شعبية واسعة لإزاحتها عن المشهد السياسي، ما يعني أنها قد تنتج تحالفات سياسية جديدة، قادرة على الحفاظ على مكتسباتها السياسية التي حققتها في عراق ما بعد 2003.