صورة لمتظاهر أذربيجاني يلوح بالعلم التركي والأذربيجاني في مظاهرة في اسطنبول دعما لأذربيجان في 4 أكتوبر.

ترجمة وتحرير نون بوست

منذ استئناف الأعمال العدائية في ناغورنو كاراباخ الأسبوع الماضي بين أذربيجان وأرمينيا، اختلف خطاب أنقرة بشكل كبير عن خطاب بقية المجتمع الدولي. فقد دعت الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي وحتى روسيا وإيران إلى وقف إطلاق النار إلا أن تركيا أعربت عن دعمها المطلق لأذربيجان وأشارت إلى إنه دون التوصل إلى حل دائم، فإنه لا معنى لوقف إطلاق النار.

أكد بيان الحكومة أن تركيا ستدعم أذربيجان بشكل كامل مع "الوقوف إلى جانبها بالطريقة التي تفضلها". في الواقع، إن موقف تركيا يعكس تغييرًا أوسع نطاق في السياسة الخارجية التركية المدفوعة بفقدان الثقة في الدبلوماسية الدولية، ورغبة أكبر في الانخراط بشكل مباشر في النزاعات الإقليمية بهدف اكتساب الأهمية والتأثير، والرغبة الملّحة في الاستفادة من الشعبية المحلية لهذه التحركات.

إن موقف تركيا من ناغورنو كاراباخ يمكن تفسيره أولاً من خلال العلاقات العاطفية والروحية ذات الهوية المشتركة التي تربط تركيا وأذربيجان. يتحدث الشعبان لغات وثيقة الصلة ويعتبران نفسيهما جزءًا من عائلة تركية تمتد حتى آسيا الوسطى. بالإضافة إلى ذلك، كانت تركيا حازمة في انتقادها لموقف المجتمع الدولي.

منذ نهاية الحرب الباردة، وبشكل متكرر، ردت الأمم المتحدة والقوى الغربية بقسوة على محاولات الدول القومية، مثل العراق في عهد الرئيس صدام حسين أو روسيا في عهد الرئيس فلاديمير بوتين، الاستيلاء على الأراضي بالقوة. وتؤكد تركيا أنه في حالة ناغورنو كاراباخ، كان رد الفعل الدولي أكثر صمتًا وهو بمثابة معيار مزدوج واضح.

يشهد العالم تحولًا في السياسة الخارجية والأمنية التركية. أصبحت أنقرة جهة فاعلة أكثر حزماً في السياسة الخارجية. وأصبحت الآن أكثر ميلاَ إلى الاعتماد على قوتها الصارمة والانخراط بشكل مباشر في الصراعات الإقليمية

تحول الصراع في الأراضي الأذربيجانية إلى صراع مسلح بين أذربيجان وأرمينيا في سنة 1991. وانتهى باحتلال المنطقة وحتى المناطق المجاورة الإضافية من قبل الوحدات الأرمينية، مما أدى إلى نزوح ما يقرب من مليون شخص. وتمثل الأراضي المحتلة حوالي 20 بالمائة من إجمالي مساحة أراضي أذربيجان، مما أجبر تركيا على إغلاق حدودها مع أرمينيا في سنة 1993. ومع ذلك، أكدت أنقرة أنه على الرغم من هذه النتيجة المأساوية، إلا ثقة كبيرة مُنحت للآلية المختلفة لمجموعة مينسك بقيادة فرنسا وروسيا والولايات المتحدة لتوجيه الأطراف نحو تحقيق تسوية طويلة الأمد.

يندرج دعم تركيا السياسي لأذربيجان أيضًا في إطار عهد من التعاون الاقتصادي والعسكري. فقد قامت تركيا بدورِ فعال في إصلاح الجيش الأذربيجاني عن طريق المستشارين وبرامج تكوين منتظمة، بالإضافة إلى نقل المعدات الإستراتيجية مثل الطائرات المسلحة دون طيار.عززت أذربيجان هي كذلك ترسانتها من خلال الحصول على منصات محمولة جوا مماثلة من إسرائيل الأمر الذي ظهر بشكل جلي منذ بداية الحملة العسكرية الأخيرة في ناغورني كاراباخ، إذ تحسن أداء الوحدات الأذربيجانية بشكل كبير مقارنة بالمواجهات السابقة.

من جهته، صرّح الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان بأن الحل الوحيد لتسوية النزاع يمكن أن يتحقق بالانسحاب الكامل للقوات الأرمينية من كاراباخ والأراضي المحتلة لأذربيجان. لكن هذا الهدف المنشود يهدد بفتح جبهة جديدة للتصادم بين تركيا وروسيا. وحتى الآن ظلت موسكو غير منزعجة. بالنسبة لتركيا، يتعين على روسيا احترم توازن هش. فعلى الرغم من ميلها التاريخي والديني للعلاقات مع أرمينيا، إلا أن البلد بحاجة إلى الحفاظ على علاقاته السياسية مع أذربيجان.

من المعروف أن روسيا تبيع أسلحة لكلا البلدين. وربما تسعى أيضًا إلى إضعاف حكومة رئيس الوزراء نيكول باشينيان في يريفان، والتي تعتبرها صديقة مقربة للغرب. لكن في الأساس، من الواضح أنها ستسعى لتكون حازمة في ناغورنو كاراباخ، إلا أن موسكو لا تقبل إطلاقَا استعادة أذربيجان للإقليم بالقوة. انطلاقَا من المكان والتوقيت الذي سيكون فيه موقفها حازما، يمكن أن تتدهور العلاقات التركية الروسية من جديد. وإذا تم ذلك، يمكن أن تصبح ناغورنو كاراباخ مسرحًا آخر لنزاع عسكري تشارك فيه تركيا، بالإضافة إلى الصراعات المستمرة وغير المستقرة في سوريا، وليبيا وشرق البحر المتوسط.

في الوقت الحالي، يشهد العالم تحولًا في السياسة الخارجية والأمنية التركية. أصبحت أنقرة جهة فاعلة أكثر حزماً في السياسة الخارجية. وأصبحت الآن أكثر ميلاَ إلى الاعتماد على قوتها الصارمة والانخراط بشكل مباشر في الصراعات الإقليمية. لهذا السبب، هناك حاجة إلى فهم دوافع هذا التغيير  والتساؤل عما إذا كان تعرض أنقرة المتزايد للصراعات الإقليمية أمرًا مستدامًا حقًا.

هناك ثلاثة تفسيرات مختلفة على الأقل. يرتبط التفسير الأول بالنظام العالمي، فقد  أدى سحب الاستثمارات الدبلوماسية للولايات المتحدة من أوروبا في الجوار المباشر لتركيا إلى خلق فراغ في السلطة، وربما كان من الممكن أن يجعل الاتحاد الأوروبي لاعبا أجنبيا وأمنيا أكثر نفوذاً في الخارج. ومع ذلك، فشل الاتحاد الأوروبي حتى الآن في التغلب على انقساماته الداخلية، واستفادت تركيا من هذا القصور الاستراتيجي.

أما المحرك الثاني فيتمثل في الأيديولوجية السياسية التي يتبناها حزب العدالة والتنمية الحاكم في تركيا الذي يتزعمه أردوغان. فقد انتقدت قيادة حزب العدالة والتنمية بشدة حكام تركيا السابقين وألقت باللوم عليهم في اتباع سياسة خارجية للوضع القائم تتماشى بشكل وثيق مع المصالح الأمريكية. 

في المقابل، وعد أردوغان بإعادة تركيا إلى مجدها الإمبراطوري السابق على أقل تقدير وجعلها لاعبًا إقليميًا مؤثرًا. ويشار إلى هذه السياسة في بعض الأحيان  باسم "العثمانية الجديدة"، ومع ذلك فقد استحوذت على خيال الناخبين الأتراك. واستجاب الناخبون بحماس لفكرة جعل تركيا "عظيمة مرة أخرى" على خلفية الإحباطات المتراكمة إزاء علاقة البلاد بالغرب.

في الواقع، خلق التناقض اللامتناهي للدول الأوروبية بشأن انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي، فضلا عن التنامي الملموس في معاداة الأمريكيين داخل تركيا، خاصة بعد محاولة الانقلاب الفاشلة في سنة 2016، والقرار الأمريكي بتسليح وحدات حماية الشعب الكردية باعتبارها حليفتها في الحرب ضد تنظيم الدولة،  رأيًا عامًا محليًا يشكك بشدة في علاقات تركيا مع الغرب.

إن عزلة تركيا في شرق البحر الأبيض المتوسط ​​والشرق الأوسط تُفسر على أنها نتيجة حتمية لصعود تركيا إلى الصدارة الإقليمية

كما ساهم التحالف الذي نشأ منذ سنة 2015 بين حزب العدالة والتنمية وحزب الحركة القومية الوطنية  في تسهيل هذا التحول. وأخيرًا، أدى تحول أردوغان غير الليبرالي في الداخل إلى تشويه الثقة المتبادلة وآفاق الحوار مع شركاء تركيا الغربيين الراسخين.

هكذا، أصبحت السياسة الخارجية جزءًا أساسيًا من قصة صعود تركيا. كما استُخدمت هذه القصة لتبرير الخطاب الحاد الذي هيمن على خطاب السياسة الخارجية للقيادة التركية في السنوات الأخيرة. ووفقًا لهذا المنطق، كان ذلك بسبب صعود تركيا، حيث كانت البلاد تواجه تحديًا على جميع الجبهات من قبل جهات أجنبية.

بعبارة أخرى، كلما تعرضت عملة البلاد للضغط، قيل للناخبين أن ذلك يرجع إلى حكومات أجنبية أو مجموعات دولية غامضة مغتاظة من النمو الاقتصادي التركي. وبالمثل، فإن عزلة تركيا في شرق البحر الأبيض المتوسط ​​والشرق الأوسط تُفسر على أنها نتيجة حتمية لصعود تركيا إلى الصدارة الإقليمية.

من جهة أخرى، يتعلق التفسير الأخير بالسياسة اليومية. وهناك سؤال مشروع حول ما إذا كانت تركيا قادرة على تحمل العدد المتنامي باستمرار من المسارح التي تتعرض فيها لهجوم عسكري، وخاصة في الوقت الذي لا يزال فيه اقتصاد البلاد تحت الضغط بسبب صدمة فيروس كورونا والافتقار إلى الإصلاحات لمعالجة المشاكل الهيكلية طويلة الأمد.

منذ أن بلغ الناتج المحلي الإجمالي ذروة 951 مليار دولار سنة 2013، عكس اتجاه النمو، حيث انخفض إلى 754 مليار دولار سنة 2019 من حيث القيمة الاسمية، مسجلا انخفاضا قدره 200 مليار دولار، أي ما يقرب من حجم الناتج المحلي الإجمالي لليونان، في ست سنوات. 

أولئك الذين يتساءلون عما إذا كان ضعف الاقتصاد سيؤدي في نهاية المطاف إلى كبح جماح السياسة الخارجية لأردوغان، ربما يطرحون السؤال الخطأ

قد كان للأداء الباهت للاقتصاد تأثير سياسي على شعبية حزب العدالة والتنمية في الداخل. ووفقًا لاستطلاعات رأي "ميتروبول"، انخفض الدعم لحزب العدالة والتنمية إلى 31 بالمئة في آب/ أغسطس 2020 وهو انخفاض كبير عن نسبة 43 بالمئة من الأصوات التي حصل عليها الحزب في الانتخابات البرلمانية لسنة 2018.

لكن أولئك الذين يتساءلون عما إذا كان ضعف الاقتصاد سيؤدي في نهاية المطاف إلى كبح جماح السياسة الخارجية لأردوغان، ربما يطرحون السؤال الخطأ. علاوة على ذلك، أظهر تورط تركيا في سوريا وليبيا والآن ناغورنو كاراباخ، أن الاقتصاد قد لا يقيّد إدارة السياسة الخارجية القوية لتركيا، بل قد يشكل مصدرا لها.

تكرس الصراعات الاعتقاد بأن تركيا دولة محاصرة، وتتعرض للهجوم بشكل مستمر من قبل جهات خبيثة، تغذي الحاجة إلى قيادة قوية. ولكن الأهم من ذلك، أنها تخلق انقسامًا زائفا وتجبر الناخبين على الاختيار بين الرفاهية الاقتصادية والأمن القومي. وهذه هي المعضلة التي تواجه صناع السياسة في تركيا اليوم.

يمكن للسياسة الخارجية التي تعطي الأولوية للخطاب الحماسي والقوة الصارمة وافتراءات الغرب، أن تكون مفيدة سياسيا على المدى القصير، لكنها تظل غير متوافقة مع المتطلبات طويلة الأجل لتحقيق الاستقرار الاقتصادي. ومع ذلك، فإن الأداء الاقتصادي للبلاد هو الذي سيحدد في النهاية مصير المنافسة السياسية الوطنية المقبلة عندما يحين الوقت.

المصدر: فورين بوليسي