ينادي الجميع بعدم تسييس الدين، وهو حق تسعى إليه القوى المؤمنة بالديمقراطية في المنطقة العربية نفسها وبلدان الشرق الأوسط قبل الغرب، لكن هل لا يوجد تسييس للدين في المنطق الأوروبي فعلًا، وكلمات مثل أزمة الإسلام في العالم التي قالها الرئيس ماكرون بعد قطع رأس المدرس الفرنسي على يد إرهابي داعشي أدانه المسلمون في كل بقاع الأرض، يمكن تمريرها، والتأكد أن لا حسابات سياسية من خلف هذه الكلمات؟! 

عزلة المسلمين 

قبل الحديث عن تديين السياسة في الغرب، يجب أولًا فهم واقع الكثير من المسلمين في فرنسا وغيرها من البلدان الأوروبية، التي تكثر فيها حوادث العنف هذه، حتى نعرف من أين تحديًدا ينشأ التطرف.

باعتراف الرئيس الفرنسي نفسه، خلال تمريره خطة الدولة قبل أسابيع لتدريس اللغة العربية في المدارس وفرنسة الثقافة الإسلامية داخل حدود بلاده، اعترف أن المهاجرين المسلمين تركتهم الدولة معزولين في غيتوهات "البؤس والمشقة" وهي لهجة عامية لا تتداول كثيرًا في الخطابات الرئاسية لماكرون. 

وفق دراسات مستقلة، يمثل المهاجرون ربع السكان الفقراء في البلاد، وخط الفقر الفرنسي يقع عند 60% من متوسط ​​مستوى المعيشة، وهذا يعني في لغة الحداثة الفرنسية، انخفاض مستوى التأهيل المطلوب للمهاجر عطفًا على انخفاض دخله المادي، فضلًا عن التأثير النفسي والمعنوي للبطالة والتمييز الذي يمارس على غير الأوروبيين، خاصة لو كان للوافد أي مظاهر التزام ديني رفض التخلي عنها. 

المسلم المطحون في دراما الحياة هناك ويسكن الأحياء الفقيرة، بالتأكيد لن يجد رفاهية الوقت ليدرس العلمانية اللائكية الفرنسية، هذا إن كان مؤهلًا بالأساس ثقافيًا وعلميًا لاستيعاب مفردات تشق عقله وفؤاده لأول مرة في حياته، وهو الذي لم يسمع من قبل في ثقافته عن كيفية الفصل بين الدين والدنيا والعام والخاص والتخلص من لغة المحرمات في المأكل والمشرب والزي. 

ن

وبالتالي لن تجدي بهذه الطريقة والأحوال المعيشية الصعبة التي يحيا فيها، إعادة هندسته قسرًا وإلزامه بقيم العلمانية والفردانية التي تشكل أخص مكونات الحياة الأوروبية، التي سمع بما يعاديها في المساجد وتعوّد في أسلوب حياته وقيمه الشرقية على التنافر معها طوال حياته في بلاده، بل إن بعضها تشكل له أحد الخطوط الحمراء التي لا يمكن تجاوزها، حتى لو كان غير ملتزم دينيًا، لا سيما إهانة الأنبياء وعلى رأسهم النبي محمد (صلى الله عليه وسلم). 

وسط هذه الأجواء العدوانية، لا يجد أغلبية المسلمين إلا تفسيرات تؤكد لهم حقد الغرب على الإسلام والمسلمين، حتى إن سلمنا أن الإسلام كدين ليس المقصود، لأنها ثقافة بالفعل تمارس ضد كل الأديان والأعراق، لكن ماكرون والكثير من حكام الغرب والقوى والسياسية والاجتماعية يصرون على تجاوز كل ذلك وتشجيع حرية الرأي والتعبير بعرض الرسوم الكارتونية المسيئة للنبي محمد على واجهات المباني الحكومية الفرنسية!

تسييس الدين 

أكثر من يستفيد من هذه التوترات، اليمين المتطرف الذي ينتهز الفرصة للدفع بما يعرف في الغرب بنظرية البديل العظيم، لإثارة فزاعة احتلال المهاجرين لبلادهم وسيادة ثقافة مختلفة عن السكان الأوروبيين البيض، ما جعل الكثير منهم يدعو علانية إلى إعلان لتحرير بلادهم من المستعمرين.

سعى الساسة الشعبويون إلى استغلال الفزع الأوروبي وخاصة بعد تزايد حوادث العنف والإرهاب إلى تسييس الأديان وإهانة أي معتقد غير قومي ومسيحي على وجه التحديد، في محاولة لحمل المهاجرين وخاصة المسلمين والسود إلى الرحيل ومن ثم تحصيل شعبية كاسحة جراء ذلك. 

يروج اليمين لنظرية مفادها أن الانضمام إلى مجتمع مختلف والتكامل والاندماج معه محض هراء، فالشعوب والحضارات والأديان، خاصة عندما تكون هذه الأديان هي نفسها حضارات ـ يقصدون الإسلام ـ في حد ذاتها، لا يمكن لأتباعها ولا يستطيعون حتى أن يرغبوا في الامتزاج بشعوب أخرى، وبالتالي يلجأون إلى فرض أسلوبهم الخاص، وهو ما يشار إليه بالانفصالية الإسلامية.  

هذه اللغة أصبحت شبه عمومية في كل أنحاء أوروبا، تروّج على ألسنة الدوائر السياسية اليمينية والقومية، صارت فزاعة البديل العظيم تروى بكل الصور المتخيلة سواء بشكل حقيقي أم مبالغات تتربح منها المؤسسات الإعلامية وحتى حسابات الأفراد على جميع وسائل التواصل الاجتماعي التي تغرق بالحديث عن التهديد الديموغرافي للأعراق الأوروبية التي ستواجه احتمال الانقراض في المستقبل القريب بسبب الهجرة. 

أصبح رؤية محجبة في الغرب مبررًا لأصحاب هذه النظرية في إيهام الأوروبيون أنهم يسافرون كل يوم بشكل مؤقت من خلال رؤية هذه الثقافات إلى قرى العصور الوسطى، لا سيما أن الضواحي والقرى يرتكز فيها المسلمون بأغلبية ساحقة. 

لا يتحدث اليمين بالطبع عن عوامل التهميش ومشكلات دولة الحد الأدنى والتطرف في الفردانية التي جعلت أبناء البلد الأصليين الذين يسكنون هذه الأماكن في غياهب النسيان، حتى صار بينهم وبين ساكني المدن عقود زمنية من الحداثة والتمدن، لكن اللغة التي تربحهم سياسيًا هي الرمزية الدينية للحجاب التي تتعارض مع مبادئ العلمانية، وهي عندهم الدين الرسمي المدني لأوروبا الذي لا يجوز الاقتراب منه.

في الاتجاه المعاكس 

رغم توحش اليمين المتطرف وشحن المجتمعات بحمولات دينية تؤجج للعنف والتطرف وتنقلب حتى على مبادئ العلمانية، فإن هناك مساعي وجهود يبذلها بعض القادة المعروفين بالتسامح في الوقت الحاليّ بعيدًا مع المهاجرين والأقليات، ويرفضون علانية ما يسمى البديل العظيم. 

يقف على رأس هؤلاء رئيس الوزراء الليبرالي الكندي جاستن ترودو، المحبوب من كل الطوائف الإسلامية في الغرب، الذي يحرص على إبراز احترامه للمسلمين ويؤكد دائمًا أن حرية التعبير لا معنى لها ما لم يكن لها حدود.

ن

يرفض ترودو التربح من صعود الإسلاموفوبيا، كما يرفض بنفس القدر نشر الكراهية في الغرب، ولهذا يدعم المسلمين ويجعلهم يشعرون بالترحيب، بدلًا من إلقاء اللوم عليهم بشكل جماعي وتحميلهم مسؤولية الأعمال التي يرتكبها الإرهابيون المتطرفون.

كان رئيس الوزراء الكندي أول من رفض الرسوم الكاريكاتورية، وأكد أنها إهانة للمسلمين والمسيحيين في وقت واحد، وأشار إلى نتائجها التي يراها الجميع، وهي بالطبع دعوات حكيمة أمام صحف متطرفة مثل شارلي إيبدو التي تفتخر دائمًا باستفزاز الإسلاميين، رغم كل التداعيات التي جرت على العالم من خلف ما تعتبره حرية رأي وتعبير. 

 

 

ولا يقف رفض العنف على القيادات الأولى، بل هناك من داخل بلدان مثل فرنسا من يرفض أي لمحات ترسخ التمييز في البلاد مثل جيرالد دارمانين، وزير الداخلية الحاليّ، وهو شاب ومحام من أصول جزائرية، كما تنتمي عائلته إلى حدود الطبقة الوسطى، وهو ما يجعله يشعر بآلام المهاجرين. 

أدان درامانيين علانية تأثر بعض المتاجر الفرنسية بهوس الإسلاموفوبيا، لدرجة أنها خصصت ممرات تناسب الأديان المختلفة، مؤكدًا أن مثل هذه التصرفات ستساهم في انتكاسة البلاد وستزيد أكثر من عزلة الأقليات.

رفض وزير الداخلية الضغط الزائد على المسلمين وإشعارهم في كل مكان أنهم مستهدفون باتهامات الإرهاب والانفصال وحصارهم بمشاعر الاضطهاد، الأمر الذي يخلق أرضية خصبة للمتطرفين، ما يفاقم من خطورة الأوضاع الأمنية في البلاد، وهو أمر يدفع فاتورته الآن بمحاصرته بالاتهامات من الفوقيين البيض الذين يرفضون أي لغة حوار مع المسلمين ويريدون فرض ثقافتهم على الوافد، وإما ذلك وإما المغادرة. 

في أوروبا الآن، وفي ظل هذه الأجواء، لم يعد سهلًا توقع الاعتدال والدفاع عن الأقليات من قادة سياسيين يتم محاصرتهم بأجواء مسمومة، هذا إن لم يكونوا هم أنفسهم جزءًا منها ويتربحون من خلفها، ولا عزاء للمصلحة الاجتماعية على أسس الإخاء والمساواة!