عمم النظام السوري في سبتمبر/أيلول 2015 قرارًا على جميع الوزارات والجهات العامة والقطاع المشترك، بمنع استيراد أو شراء أي مواد أو بضائع أو تجهيزات تركية المنشأ، وطلبت الحكومة حينها عدم قبول العروض التي تتضمن مواد أو بضائع أو تجهيزات يدخل في تركيبها أي مكون تركي، وذلك في المناقصات أو طلبات العروض وغيرها التي تُجرى لتأمين حاجة هذه الجهات.

أتى ذلك على خلفية الدعم التركي المتزايد للمعارضة السورية، ولم يكن ذلك القرار هو الأول بشأن "العقوبات" ضد البضاعة التركية في سوريا، إذ إن رئيس النظام أصدر مرسومًا تشريعيًا بفرض رسم بنسبة 30% على كل المواد والبضائع ذات المنشأ والمصدر التركي المستوردة إلى سوريا بعد وقت من انطلاق الثورة السورية ووقوف أنقرة إلى جانبها.

تلك القرارات أتت أكلها لمدة وجيزة لا تتعدى الشهور، حيث استأنف التجار السوريون والأتراك التبادل التجاري غير الرسمي، وذلك للحاجة الماسة للمنتجات التركية في السوق السورية التي توقف فيها الإنتاج بشكل كبير بعد حرب النظام على شعبه، حيث كانت المستودعات والمصانع أهدافًا له في كثير من الأحيان وخصوصًا في مدينة حلب ذات الرقم الصعب في الصناعة السورية.

اليوم يعاود النظام تشديد الرقابة على المنتجات التركية التي تدخل البلاد في محاولة لإيقافها والحد من انتشارها، فقد بدأ حملة مضادة للبضائع التركية التي باتت تنتشر في أسواقه بشكل كبير على الرغم من حظرها، في المقابل يفتح النظام الباب على مصراعيه أمام المنتجات الإيرانية التي أصبحت تغزو الأسواق وتهيمن على السوق دون حسيب أو رقيب، لا بل غيبت هذه المنتجات الصناعة السورية وربما تلغيها إلى وقت بعيد.

ملاحقة البضائع التركية

تفاصيل جديدة كشفها أبو الهدى اللحام رئيس "اتحاد غرف التجارة السورية" عن أن "البضائع التركية تغرق الأسواق السورية على الرغم من الحملات الحكومية التي تدعو لمقاطعتها"، موضحًا أن طرقًا أخرى مثل التهريب والتزوير وجدت منفذًا لتلك البضائع لإغراق السوق السورية بها"، كما يؤكد اللحام أن الحدود مع تركيا غير مغلقة بشكل كامل، وهي غير مراقبة، الأمر الذي فتح باب التهريب للعديد من المنتجات التركية نحو سوريا.

يقول اللحام: "بعض التجار لم يكتفوا بتهريب المنتجات التركية إلى الأسواق، بل عمدوا إلى وضع لصاقات (صناعة تركية) على المنتجات السورية"، مشيرًا إلى أن هذه إحدى طرق التهرب من مكافحة التهريب، وتتم معاقبتهم بالغرامات المالية العالية ومنع الاستيراد، ويرى المسؤول السوري أن الحل في إنهاء هذه الظاهرة عبر خطوات أهمها: تسهيل عمليات الاستيراد، حيث من الممكن دراسة الفرق بين السعر الوطني والمستورد، وتخفيض التسعيرات الجمركية، ومن بعدها يمكن الاستيراد مباشرة من المصنع.

توازيًا مع تصريحات اللحام، قامت دوريات الجمارك في مدينة حلب التابعة للنظام بحملة لمصادرة البضائع التركية من الأسواق بحجة دخولها البلاد بطريقة غير شرعية وفقًا لما ذكرته صحيفة "القدس العربي"، واستهدفت الحملة محال تجارية ومستودعات الأمر الذي تسبب في غضب واستياء ودعوات من التجار إلى مغادرة البلاد، ووقف مزاولة النشاط التجاري. 

إثر الغضب العارم بين شريحة التجار المتضررة من قرارات الحكومة وحملة المصادرة، دعت غرفة تجار حلب إلى اجتماع مع مجلس الشعب لمناقشة التوصيات والمقترحات الهادفة إلى تجاوز التداعيات الاقتصادية التي سببتها حملات المصادرة، ونقل الإشكال إلى مجلس الشعب.

وفي هذا الصدد يقول الخبير الاقتصادي خالد تركاوي لـ"نون بوست": "النظام السوري يحارب البضائع التركية منذ سنوات وذلك عن طريق إصدار قوانين بمنعها، ورغم أنه يجري تغيير المنشأ لهذه البضائع، يتم الكشف عليها ومحاسبة التجار دائمًا، هناك حادثة حصلت قبل أيام في أحد مولات دمشق حيث أحضرت الجمارك خبير أقمشة للكشف عن المصدر وهي تتابع دائمًا وبقوة مثل هذه الأمور".

لماذا البضائع التركية؟

يرغب التجار السوريون باستيراد المنتجات تركية المنشأ لأسباب عدة بحسب خالد تركاوي، على رأسها "كونها تتطابق مع الثقافة السورية بالدرجة الأولى وبدرجة ثانية هي ذات جودة مرتفعة وسعر منخفض"، وبحسب أحد تجار مدينة حلب فإن المنتج التركي يتميز عن غيره وذلك بسبب حاجة السوق الداخلية إليها، نظرًا لتوقف الإنتاج المحلي بشكل شبه كامل، بالإضافة إلى أن المُنتج المحلي لم يعد قادرًا على تلبية احتياجات السوق، لأن قسمًا كبيرًا من الصناعيين غادر البلاد، ولأن مقومات الصناعة محروقات، مواد أولية، يد عاملة وهي كلها غير متوفرة ليواصل أصحاب المعامل الإنتاج.

وتسلك البضائع التركية طرقًا متعددة للدخول إلى مناطق النظام السوري، وغالب هذه الطرق غير رسمية، حيث يتم نقل هذه البضائع عن طريق التجار السوريين الذين يتواصلون بدورهم مع وسطاء في الأسواق التركية وهم من يحولها إلى المعابر البرية التي تسيطر المعارضة على معظمها، ويتم تسويق بعض المنتجات في مناطق سيطرة المعارضة وهي السوق الأكبر لها، فيما يتم نقل الباقي إلى مناطق سيطرة النظام عبر المعابر المؤقتة بين النظام والمعارضة وغالبًا ما يتم دفع الكثير من الرشاوى لإدخالها.

تحسنت العلاقات الاقتصادية بين تركيا وسوريا عام 2004 حيث وقع البلدان اتفاقية التجارة الحرة التي تسمح بتدفق البضائع في الاتجاهين وإقامة مشاريع مشتركة، وفي 2009 وقعت أنقرة مع دمشق اتفاقيات تشمل مجالات الدفاع والأمن والاقتصاد، خلال زيارة رجب طيب أردوغان، إلى دمشق. وبلغ حجم التبادل التجاري بين البلدين في 2004، 400 مليون دولار، ليصل إلى مليارين و200 مليون$ في 2010. ولم ينخفض حجم التبادل التجاري بين البلدين بعد الثورة حتى عام 2014 إذ بقي محافظًا على ثباته على الرغم من الحرب المدمرة. أما في عام 2020 بلغت قيمة استيراد سوريا من البضائع التركية 670 مليون دولار.

 

البضائع الإيرانية

في ظل الحملة الشرسة التي تستهدف المنتجات التركية المقبولة لدى المستهلك السوري، سمح النظام بإغراق أسواقه بالبضائع الإيرانية والأمر ليس جديدًا، ففي آخر المؤشرات على ذلك أعلن مسؤول الغرفة التجارية الإيرانية السورية كيوان كاشفي افتتاح مركز تجاري إيراني في دمشق، وقال كاشفي: "المركز التجاري يحمل اسم إيرانيين ويقع في المنطقة التجارية الحرة في قلب دمشق وتبلغ مساحته أربعة آلاف متر مربع ويتكون من 12 طابقًا، اثنين منهما مخصصين للمعارض والبقية لتقديم خدمات الشحن والنقل والاستشارات القانونية والمصرفية والتأمين".

وبحسب التصريحات فإن المركز الذي يضم 24 شركة إيرانية سيستقبل البضائع الإيرانية ويوزعها في سوريا ودول الجوار. يذكر أن النظام السوري وطهران وقعا اتفاقية للتجارة الحرة عام 2012 وتنص على خفض الحواجز الجمركية بحيث لا تزيد على حدود 4% بهدف رفع حجم التبادل التجاري بينهما إلى ملياري دلار.

في هذا الصدد يقول خالد تركاوي: "البضائع الإيرانية رديئة وسيئة لكن هذا الذي يصل وهي تستخدم من رجال أعمال محسوبين على النظام من أجل تمويلها وبالتالي لدى هؤلاء القدرة على إزاحة أي نوع آخر وليس التركي بل أيضًا السوري وذلك في سبيل ضمان استدامة مواردهم".

مقايضة

في السياق بدأ النظام بتنفيذ "اتفاق مقايضة البضائع مع إيران"، وهو ما أكده معاون وزير التجارة الداخلية في حكومة الأسد جمال الدين شعيب، الذي قال: "الهدف هو دعم الأسواق بسلع جيدة وتنافسية"، وينص الاتفاق على أن تقوم دمشق بتصدير 2000 طن من زيت الزيتون و1000 طن من العدس إلى إيران، مقابل استيراد كميات من زيت عبّاد الشمس تعادل ثمن الكميات المصدّرة من زيت الزيتون والعدس، ولاحقًا السكر والرز والمعلبات من طهران.

بعيدًا عن مناطق النظام وبأخبار تبدو غريبة، تشهد الأسواق التجارية في الشمال السوري الخاضع لسيطرة المعارضة والمحاذي لتركيا انتشار منتجات إيرانية متعددة الأصناف بأسعار منافسة للبضائع الأخرى، وينتشر في الأسواق مواد غذائية إيرانية كالحبوب والبقوليات وحليب الأطفال والبسكويت، بالإضافة للمواد المنزلية كالسيراميك والحجر الصناعي والغرانيت وخلّاطات المياه، وكذلك قطع غيار السيارات والزيوت الصناعية، وعلى الرغم من المقاطعة الواسعة للمنتجات الإيرانية في الشمال والتشديد على المعابر، فإن عمليات الفساد تساهم بانتشارها، ما استدعى من جهات متعددة التحقيق بالأمر وملاحقة المتورطين.

على الرغم من المحاولات الحثيثة لإغراق أسواق النظام بالبضائع الإيرانية، يبقى حجم التبادل التجاري بين البلدين ضعيفًا إلى حد كبير، حيث بلغت قيمة التبادل التجاري بين دمشق وطهران  83 مليون دولار، علماً بأن المبادلات التجارية بين البدلين كانت تقدَّر بنحو مليار دولار قبل الأزمة، لكن طهران تخطو خطى متسارعة لعودة العلاقات الاقتصادية إلى ما هي عليه قبل 2011، وذلك بهدف إحكام قبضتها على الاقتصاد بعدما عبثت بأمور السياسة والعسكر وساهمت في التغيير الديمغرافي، كما أنها ستسعى جاهدةً لتعويض فاتورتها التي دعمت بها الأسد خلال السنوات الماضية والتي تقدر  48 مليار دولار، وهو ما يمثل 4 أضعاف ميزانية الدفاع إيران السنوية.