لطالما وُجدت في المجتمعات طرق متنوعة لفهم العالم، رغم أن اختيار الأغلبية هو الذي يفرض في النهاية المعايير المجتمعية. مع ذلك، كانت هناك دائما سياقات تاريخية مكّنت الحركات الصغيرة من فرض تأثيرها وتغيير مجرى الأحداث، على غرار الحركات النسوية والثورة الجنسية، وهذه الظاهرة تسمى "تأثير الأقلية".

تتمتع الأقليات في العصر الحالي بعامل جديد، وهو أنها ليست محصورة ضمن القيود الزمانية والمكانية. في الماضي، كانت الأقليات تعاني من قلة الظهور، وقبل ظهور شبكة الإنترنت، كان من المستغرب أن يرى الناس أفرادا يحملون قيما وأفكار مختلفة عن السائد، والأكثر غرابة هو أن يتمكن هؤلاء الأفراد من الالتقاء وتكوين مجموعات صلبة. لكن اليوم، بفضل انتشار وسائل التواصل الرقمي، أصبح ممكنا الاطلاع على مختلف النماذج القيمية. وهكذا فإن المدافعين عن البيئة، وأنصار الرفق بالحيوان، والحركات التحررية، باتت لديها أصوات على شبكات التواصل الاجتماعي لا يمكن إسكاتها.

ولكن كيف تتشكل هذه الأقلية؟ هل يحدث الأمر بين عشية وضحاها فترفع صوتها وتشكل مجموعة؟ وكيف تتمكن هذه الأقلية من فرض نفسها على نظام الأغلبية؟ هذه التساؤلات كانت محل بحث واهتمام من علماء النفس والاجتماع لعدة عقود، والآن أضيف إليها تساؤل جديد: كيف تدير هذه الأقليات خطابها على شبكات التواصل الاجتماعي؟

كيف تتشكل الأقليات؟

سوف نبدأ بالإجابة عن السؤال الأول: كيف تتشكل الأقلية. من أجل الشروع في ممارسة نفوذها، تنطلق الأقلية من هيكلة قاعدية لها خصائص محددة، يمكننا تلخيصها في ما يلي:

التناسق

من أكثر الصفات أهمية هي كيف تقدم هذه المجموعة نفسها أمام المجتمع. وفي ظل محدودية عدد أفرادها، فإن هذه الأقلية تحتاج للحفاظ على وحدتها وتناسق تصرفات أعضائها. إضافة إلى ذلك، فإن الإصرار والاستمرارية في أعمالها وأنشطتها صفات مهمة جدا، خاصة عند تنظيم التحركات والخروج العلني أمام المجتمع. تعتمد الأقليات في هذا الإطار شعار "الجميع شخص واحد"، وتحاول الحفاظ على التناسق بين أعضائها، وأيضا التناسق في توقيت تحركاتها ومواقفها.

انتماء الفرد لأقلية يعني الانحراف عن المعايير المجتمعية. وتماما مثل أي عنصر يتجاوز الحدود المرسومة، فإن هذا الفرد سوف يعاني من القوى التي ستحاول الضغط عليه وإقناعه بالعودة إلى حظيرة المعايير التي تتبناها الأغلبية

التجانس

هذا العامل عادة ما لا يتم احترامه ولكنه مهم جدا لتحظى الأقلية بالقبول والموافقة من الأغلبية، إذ أن عملية تشكيل مجموعة تتضمن أفرادا متنوعي الصفات يوجهون رسالة واضحة للمجتمع، مفادها "نحن لا نتحرك من أجل مصالح فئة ضيقة من الناس". ومن المهم إبراز هذه الرسالة لتفادي الأحكام التي قد تصدرها الأغلبية بدافع التعطيل والإصرار على الحفاظ على مكانتها. وعلى سبيل المثال، فإن حركة رفض الإجراءات التقشفية في إسبانيا، تتعرض للكثير من النقد من غالبية الإسبان، بناء على اتهامها بأنها تمثل رأي شريحة محدودة من المجتمع.

التميز والتأقلم مع الواقع

هذان المتغيران يبدوان متناقضين، فمن ناحية أولى يجب على المجموعة التي تمثل أقلية أن تقدم بديلا يميزها عن النموذج الذي تفرضه الأغلبية، ومن جهة ثانية يجب أن يكون نموذجها متسقا ومتناسبا مع الأوضاع الراهنة. تعد مهمة الجمع بين هذين النقيضين صعبة جدا، إلا أنها تبقى ضرورية لتقديم مقترحات مبتكرة وقابلة للتنفيذ، دون الوقوع في الأفكار الطوباوية المستحيلة.

مقاومة ضغوط الأغلبية

انتماء الفرد لأقلية يعني الانحراف عن المعايير المجتمعية. وتماما مثل أي عنصر يتجاوز الحدود المرسومة، فإن هذا الفرد سوف يعاني من القوى التي ستحاول الضغط عليه وإقناعه بالعودة إلى حظيرة المعايير التي تتبناها الأغلبية، حتى يستعيد التوازن. لهذا فإن كل مجموعة من الأقليات تسعى لفرض تأثيرها، ويجب عليها أن تكون مستعدة للتعرض لضغوط خارجية.

كيف تمارس الأقلية نفوذها؟

لفهم تأثيرات الأقليات على المجتمع، من المهم معرفة أن آليات عملها مختلفة عن الأغلبية، وأنها تمارس أشكال نفوذ مختلفة تماما. هذه الأشكال المختلفة من إدارة النفوذ هي التي تطلق عملية التأثير عبر التغيير.

الأغلبية تمارس التأثير المعياري

تتمتع الأغلبية بميزة عن الأقلية، لكن هذه الميزة تمثل عائقا في الوقت ذاته، إذ أن تعدادها الضخم يمنحها ثقلا كبيرا، ولكنه في نفس الوقت يجعل الإجماع على رأي واحد أمرا صعبا. لهذا فإن تحركات الأغلبية تركز على التعامل المباشر بين الأفراد. ومن هنا تنشأ عملية المقارنة الاجتماعية، والبحث عن القيم والمعايير التي يتبناها كل فرد من أجل تقديم مقترحات يشعر الجميع بأنها تمثلهم. تسعى الأغلبية ضمن هذا المسار إلى تجنب فقدان بعض المنتمين إليها، وذلك من خلال الحرص على الحفاظ على صورة إيجابية.

في شبكات التواصل الاجتماعي، يتم التمييز بين الرسائل بناء على مصادرها التي تختلف في درجة رسميتها ومشروعيتها، حيث يتم تقسيم المجتمع إلى أغلبية وأقلية

الأقلية تعتمد على التأثير المعلوماتي

بما أن هذه المجموعة تمثل أقلية، فإن مقترحاتها لا تحظى بدعم كبير. لهذا فإن مسار التأثير الذي تريد فرضه لا يمكن أن يركز على التعامل المباشر بين الأفراد، لأن الاعتماد على الأرقام يعني بالنسبة لها الخسارة المؤكدة. في هذه الحالة، الشيء المهم هو التعامل مع المعلومات والأفكار وليس مع الأفراد. إذا كانت الأغلبية تسعى للتحكم في ما يراه أعضاؤها إيجابيا، فما الذي سيحدث إذا بدأت البدائل التي تقدمها الأقلية في فرض نفسها والظهور كمقترحات إيجابية؟ هذه النقطة المتمثلة في تقديم مقترح صادق وقابل للتنفيذ هي ما يجعل خطاب الأقلية مقبولا.

عملية التغيير

تتم هذه العملية من خلال إحداث التغييرات البطيئة وغير المباشرة. على مستوى الشارع، فإن هذا التغيير يظهر من خلال الحصول على المزيد من الدعم، وتزايد عدد الأعضاء الذين يقبلون بالمقترح الذي تقدمه هذه الأقلية. وأول نتيجة لهذا التطور تتمثل في انهيار حالة الإجماع التي كانت سائدة داخل صفوف الأغلبية. هذه الحقيقة تتطور وتتضخم مثل كرة ثلج، وشيئا فشيئا يتزايد حضورها باعتبار أن انشقاق بعض العناصر من الأغلبية يفضح مواطن الضعف داخلها. كلما زاد الدعم للأقلية كشف ذلك عن افتقار الأغلبية للتجانس ووحدة الصف، باعتبار وجود فصيل داخلها يقبل بالبديل المقترح بل ويدعمه. هكذا يبدأ أعضاء الأغلبية بالتساؤل عن مدى صحة المقترح الجديد وفائدته، بما أن هنالك آخرين مشابهين لهم طرحوا نفس السؤال.

بهذه الطريقة تنجح الأقلية في تقديم نفسها كجزء لا غنى عنه في المجتمع. كما أن أغلب هذه الأقليات، مثل جمعيات الرفق بالحيوان وحماة البيئة، ترتبط لدى الرأي العام بصفات إيجابية، وبالتالي يشعر الناس بالحاجة لإشراكها في بعض تفاصيل الحياة اليومية. يعني ذلك أن الخوف على الحيوانات أو على توازن النظام البيئي بات سائدا في المجتمع، لذلك فإن كل شخص يرغب في أن يحظى بالقبول لدى المجتمع سوف يتبنى هذه الأفكار، وهذا يساهم في خلق حالة من التناغم والشعور بالارتياح تجاه خطاب الأقلية.

كيف يدار هذا التأثير على شبكات التواصل الاجتماعي؟

إلى حد الآن فهمنا كيف تمارس الأقليات نفوذها، وفي هذا العصر السيبراني بتنا نشاهد ظهور المزيد من هذه الأقليات. لكن رغم توفر كل هذه الوسائل الرقمية، فإن وصولها للجماهير يبقى محدودا. وعلى سبيل المثال، فإن من لا يعيشون في مقاطعة كاتالونيا ربما لا يطلعون على تفاصيل نشاط الحركة الانفصالية، ومن يعيشون خارج مدينة تورديسيلاس ربما لم يسمعوا قط بتيار مناهضة مصارعة الثيران. فكيف يتم خلق هذه الحواجز التي تمنع الأقليات من فرض تأثيرها ولماذا؟

دعونا لا ننسى أن شبكات التواصل الاجتماعي هي وسيلة إعلامية. لهذا من المهم التركيز عليها لفهم كيفية إدارة المعلومات وبث القيم داخل المجتمع

التقسيم الطبقي الاجتماعي

في شبكات التواصل الاجتماعي، يتم التمييز بين الرسائل بناء على مصادرها التي تختلف في درجة رسميتها ومشروعيتها، حيث يتم تقسيم المجتمع إلى أغلبية وأقلية. الرسالة التي ينشرها أحد الجيران لا يتم التعامل معها بنفس الاهتمام الذي يحظى به بيان من رئيس الحكومة. السبب وراء ذلك هو أن الأغلبية التي تمثل مصدر المعايير المجتمعية، تتم ترجمة سلطتها إلى تشريعات وقوانين، والصوت الذي يمثل الأغلبية يصبح هو المعيار وصاحب الشرعية. هذا الواقع يجعل الأقليات في المقابل مجرد أصوات عادية. لهذا فإن الأقلية تقدم نفسها على أنها صوت المواطن البسيط، وأنها تسعى لتقديم مقترح بدافع وجود حاجة ماسة إليه، ولأن سياسات الأغلبية تجاهلته. هذه الرسالة التي تقدمها الأقلية قد تختلف من حيث الشكل، وتختلف درجات رسميتها حتى تتلاءم مع الجمهور المستهدف، بناء على ما ترغب في تحقيقه، سواء تعلق الأمر بدعم موقف موضوعي أو حشد التعاطف. بهذا المعنى فإن الأقلية تسعى لجعل أهدافها تتناسب مع "صوت الشعب" وتعبر عن نفسها من خلال "لغة الشعب". ومن المهم هنا الإشارة إلى أن طريقة تفكير الأقلية تقوم على مبدأ: "نحن لسنا هم، ولكننا نريد الوصول إليهم".

الموضوعية

تتميز شبكات التواصل الاجتماعي بأنها غير مقيدة في الزمان والمكان، لذلك فإنه يمكن إصدار وتلقي الرسائل بقطع النظر عن الجغرافيا والتوقيت. لهذا يجب إيلاء اهتمام كبير لحقيقة أن المعلومة يمكن إبلاغها للناس الذين لا يعيشون في المحيط القريب، وذلك بهدف جعلهم يشاركون في صنع الواقع. ليس من صالح الأقلية تقديم نفسها على أنها صوت المواطن البسيط، لأن هذا الصوت قد يكون شخصيا ويفتقر للموضوعية، باعتبار أن هذا المواطن البسيط قد يكون أحد الجيران الذي يمكن أن يخطئ أو يصيب. لهذا من الضروري للأقلية أن تقدم أدلة موضوعية تدعم مواقفها، لإثبات أن ما تتبانه من مقترحات وأفكار ليس مجرد رأي شخصي، بل هو حقيقة تقوم على أدلة وبراهين واقعية.

إدارة وسائل الإعلام

دعونا لا ننسى أن شبكات التواصل الاجتماعي هي وسيلة إعلامية. لهذا من المهم التركيز عليها لفهم كيفية إدارة المعلومات وبث القيم داخل المجتمع. الملاحظ أن نشر عدد كبير من الرسائل خلال وقت قصير يخلق حالة من الضوضاء والتخمة، ويجعل المتابع مشوش الذهن وغير قادر على استخلاص رسالة واضحة. نفس هذا المشكل الزمني يحدث أيضا مع الكم، حيث أن الإطناب في عدد الرسائل التي تركز على مسألة واحدة قد يخلق انطباعا بأن تلك الأقلية لا تقدم شيئا جديدا، بل تعيد تكرار نفسها. لذلك، يُنصح بتقديم معلومات مختصرة وواضحة تستند إلى بيانات موضوعية ورسائل واضحة الأهداف، والتحرك بشكل مستمر ومتناسق مع القيم البديلة التي تمثلها تلك الأقلية.

بعض الخلاصات

من خلال هذا الوصف المقدم لعملية ممارسة التأثير، يمكننا أن نفهم كيف تسعى الأقليات شيئا فيئا للفوز بالمشروعية الاجتماعية، وجعل الأغلبية تقتنع بالحاجة لإشراكها في الخطاب المجتمعي وتفتح المجال للتفاوض معها. عندها سيحين الوقت ليمارس كل طرف نفوذه ويحاول الدفاع عن موقفه، ثم يتم التوصل إلى تسوية تناسب الطرفين.

الآن باتت شبكات التواصل الاجتماعي تمثل إطارا جديدا تحتاج كل هذه الأطراف للتأقلم معه، ليس فقط بغرض تحقيق أهدافها، بل أيضا للتوعية بأهمية التواصل الصحي على شبكة الإنترنت، عوض الاكتفاء باستغلال هذه الشبكة كوسيلة اتصال.

المصدر: مجلة بسيكلوخيا إي منتي