"ولي العهد السعودي، محمد بن سلمان، أقر تنفيذ عملية في إسطنبول لإلقاء القبض على الصحافي السعودي جمال خاشقحي، أو لقتله"، هكذا خلص تقرير الاستخبارات الأمريكية بشأن جريمة قتل خاشقجي في قنصلية بلاده بإسطنبول في أكتوبر/تشرين الأول 2018.

التقرير الذي نشرته الإدارة الأمريكية، أمس الجمعة، بعد رفع السرية عنه، أحدث حالة من الجدل داخل السعودية وخارجها، فهو أول اتهام استخباراتي رسمي من واشنطن بمسؤولية الأمير الشاب عن مقتل الصحفي المعارض، وذلك بعد نفي متواصل من الرياض بضلوع ولي عهدها في تلك الجريمة التي هزت العالم.

لم يكن التقرير وليد اليوم، فإعداده جاء بعد أشهر قليلة من وقوع الجريمة التي استفزت تفاصيلها المروعة كل منظمات حقوق الإنسان والمهتمين بالشأن الحقوقي العالمي، إلا أن إدارة الرئيس السابق دونالد ترامب رفضت نشره وقتها، الأمر الذي طمأن ابن سلمان نسبيًا بإمكانية طمس الحقيقة بالعباءة الترامبية.

قبل عامين من الآن، وتحديدًا في 30 من سبتمبر/أيلول 2019 سُئل ولي العهد السعودي خلال حوار له مع برنامج "60 دقيقة" الذي يبث على شبكة CBS الإخبارية الأمريكية، عن اتهامه بقتل خاشقجي، حينها أجاب بثقة: هل هناك أي تقرير رسمي أمريكي يقول ذلك؟ اليوم وبعد كشف السرية عن التقرير الاستخباراتي لم تعد تلك الإجابة صالحة.

ابن سلمان قاتل

التقرير الصادر في أربع صفحات استند في تقييمه الاستخباراتي إلى عدد من المؤشرات أبرزها أنه منذ عام 2017 "أمسك ولي العهد بسلطة مطلقة على مؤسسات المملكة الأمنية والاستخبارية، ما يجعل من غير المرجّح أن يكون مسؤولون سعوديون قد اضطلعوا بعملية من هذا النوع دون مصادقة ولي العهد".

ومنها أيضًا "إمساك ولي العهد بعملية اتخاذ القرار في المملكة، والانخراط المباشر لمستشار رئيسي لابن سلمان ولعناصر من الفريق الأمني (لولي العهد) في العملية، وبناءً على دعم ولي العهد استخدام أساليب عنيفة لإسكات المنشقين خارج المملكة، ومن ضمنهم خاشقجي".

وعليه كشف التقرير أن ابن سلمان، في الفترة التي ناهزت مقتل خاشقجي، "أسس لبيئة كان فيها مساعدوه يخشون من أن يؤدي الفشل في إتمام المهام الموكلة إليهم إلى إقالتهم أو اعتقالهم"، ورأت الاستخبارات الأمريكية في ذلك مؤشّرًا إلى أنه "من غير المرجح أن يستفسر المساعدون عن أوامر ابن سلمان، أو أن يقترفوا أفعالًا حساسةً من دون موافقته".

وعن هوية الفريق المكلف بتنفيذ العملية الذي وصل إلى إسطنبول في الـ2 من أكتوبر/تشرين الأول 2018، كشف التقرير الاستخباراتي أنه مكون من 15 شخصًا، منهم مسؤولون رسميون عملوا مع "المركز السعودي للدراسات وللشؤون الإعلامية" التابع للقصر الملكي الذي كان يديره وقتها مستشار الديوان الملكي سعود القحطاني، المعروف بصلته الوثيقة بابن سلمان.

القحطاني نفسه في تغريدة له منتصف 2018 أكد فيها أنه لا يتخذ قرارات من دون نيل موافقة ولي العهد، وهي التغريدة التي استذكرها التقرير، وهو ما يفسر إقالته من منصبه عقب افتضاح الجريمة، وإن كان القضاء السعودي قد برأه لاحقًا في خطوة صادمة للمراقبين لمسار تلك القضية.

عناصر فريق الاغتيال التي كشفها التقرير تتضمن سبعة عناصر من نخبة جهاز الحماية الشخصية لمحمد بن سلمان، المعروف بـ"فريق التدخل السريع"، وأكد أن "هذا الفريق تابع للحرس الملكي السعودي ومهمته تأمين الحماية لولي العهد، ولا يأتمر إلا من ولي العهد شخصيًا، وسبق له أن شارك سابقًا مباشرة في عمليات قمع لمنشقين داخل المملكة وخارجها بتعليمات من ولي العهد"، ثم خلص إلى القول: "تقديرنا يفيد بأن عناصر فريق التدخل السريع ما كانوا ليشاركوا في أي عملية ضد خاشقجي من دون موافقة محمد بن سلمان".

كما أورد أسماء 21 شخصًا تعتقد الاستخبارات الأمريكية بدرجة كبيرة بأنهم "شاركوا أو أمروا أو كانوا متواطئين بأي طريقة أو مسؤولين عن مقتل جمال خاشقجي نيابة عن محمد بن سلمان"، إلا أن الاستخبارات، بحسب التقرير، لم تكن تعرف على وجه الدقة ما إذا كان هؤلاء الأفراد على علم مسبق بأن العملية سينتج عنها قتل خاشقجي، وتشمل الأسماء كلًا من:  سعود القحطاني وماهر المطرب ونايف العريفي ومحمد الزهراني ومنصور أبا حسين وبدر العتيبة وعبد العزيز الهوساوي ووليد عبد الله الشهري وخالد العتيبة وثائر الحربي وفهد  البلوي ومشعل البستاني وتركي الشهري ومصطفى المدني وسيف سعد وأحمد زايد عسيري وعبد الله محمد الهويريني وياسر خالد السالم وإبراهيم السليم وصلاح الطبيقي ومحمد العتيبة.

وخلص التقرير إلى أن ولي العهد كان يعتبر خاشقجي بمثابة تهديد للمملكة، وأيد، على نطاق واسع، استخدام أدوات عنفية في حال كانت ضرورية لإسكات خاشقجي، واستطرد "على الرغم من أن مسؤولين سعوديين سبق لهم أن خططوا لتنفيذ عملية غير محددة بحق خاشقجي، فإننا لا نعرف إلى أي مدى قرر المسؤولون السعوديون هؤلاء إيذاء خاشقجي".

حملة تشكيك

رفضت الخارجية السعودية ما جاء في التقرير، ففي بيان لها قالت: "حكومة المملكة ترفض رفضًا قاطعًا ما ورد في التقرير من استنتاجات مسيئة وغير صحيحة عن قيادة المملكة، ولا يمكن قبولها بأي حال من الأحوال، كما أن التقرير تضمن جملة من المعلومات والاستنتاجات الأخرى غير الصحيحة".

حملة ممنهجة قادها الإعلام الداعم للمملكة في الداخل والخارج للتشكيك في مضمون التقرير، لافتين إلى أنه لم يأت بجديد وليس هناك أدلة على الجزم بمسؤولية ولي العهد في تلك الجريمة، مستندين إلى الصيغة التي كتب بها التقرير التي جاءت استنتاجًا أنه بحكم سيطرة الأمير الشاب على كل الأجهزة الأمنية منذ 2017 فإنه الذي وافق على اعتقال أو قتل خاشقجي.

لكن هنا لا بد من التفرقة بين الصيغة المطاطة التي كشفت نتائج التقرير فقط، دون تدخول في التفاصيل وما يملكه الأمريكان من تسجيلات صوتية ومرئية لعملية القتل بجانب المكالمات السابقة واللاحقة والرسائل النصية، بعضها لشقيق ولي العهد، نائب وزير الدفاع الحاليّ.

التعاون البنّاء بين الاستخبارات الأمريكية والتركية في هذا الشأن على مدار أكثر من عامين والأدلة المثبتة في تقارير التحقيقات، جزم وبصورة كبيرة تورط ابن سلمان في العملية دون أدنى شك في ذلك، وهو ما دفع السيناتور الجمهوري بوب كوركر ليقول للصحفيين - عقب عرض مديرة المخابرات المركزية CIA السابقة في عهد ترمب لتلك الأدلة، "لو حوكم ولي العهد أمام هيئة محلفين، فسوف يدينونه في غضون 30 دقيقة".

الخروج الهادئ لولي العهد

إذا كان لدى الأمريكان أدلة تدين ولي العهد في غضون 30 دقيقة فقط، فلماذا لم تكشفها إدارة بايدن، مكتفية بملخص واستنتاجات، وفرض عقوبات على 76 مسؤولًا سعوديًا ليس من بينهم ابن سلمان؟ هكذا تساءل الإعلامي المصري حافظ الميرازي، الذي عمل مذيعًا في الجزيرة وبي بي سي والعربية.

الميرازي في مقال له على صفحته على "فيسبوك" أشار إلى أن الإجابة عن سؤاله تتلخص في "عدم رغبة واشنطن في إغلاق باب الخروج الآمن لمحمد بن سلمان وأخيه خالد، كلاهما يتم التعامل معه الأول: محمد (35 سنة) كوزير للدفاع السعودي، وتحدث معه نظيره الأمريكي الجديد لويد أوستن منذ أسبوع، والثاني: خالد (33 سنة) نائب وزير الدفاع السعودي".

وبحسب الإعلامي المصري فإن المطلوب هو "إيجاد ولي عهد جديد للسعودية للتعامل مع واشنطن، غير الشخص الذي أتى به في الحكم ترامب وزوج ابنته كوشنر، بعد الموافقة وقتها على إزاحة ولي العهد الشرعي السابق وحبسه: محمد بن نايف".

لكن هل يعني ذلك أن يكون ابن نايف البديل؟ يشير الميرازي قائلًا "لأن سجل ابن نايف كوزير للداخلية سابقًا كان سيئًا بالمثل، ولعدم التدخل فيمن تختاره العائلة المالكة، وليكن أي أمير، خصوصًا من أبناء الملك سلمان، الأكبر سنًا من محمد، فلن تطلب هذه الإدارة سوى التغيير: أي شخص يتفقون عليه، طالما ليس الصغيرين المتورطين في جريمة قتل دولية موثقة، وهما محمد وخالد".

وفي ختام مقاله يرى الإعلامي المغضوب عليه مصريًا أن واشنطن ألقت بالكرة في ملعب الرياض بدبلوماسية كاملة، لافتًا إلى أن اتصال بايدن بالملك سلمان "لم تُعلن كل تفاصيله سوى شرط ألا يكون محمد.. على الخط فيها"، وهناك فالأمريكان تركوا الباب مواربًا دون إغلاقه "ليقرر حكماء العائلة المالكة السعودية ما الذي ينبغي عمله لمصلحة البلد والعائلة، التي أدركت أن بعض أعضائها لم يعد واصلًا بواشنطن بل منبوذًا منها.. وعبئًا عليهم جميعًا".

كثير من المحللين يتفقون مع هذا الرأي، ففرض عقوبات على ولي العهد مسألة قد تعرض العلاقات بين البلدين للتوتر، وهو ما لا تميل إليه إدارة بايدن في ظل تشابك المصالح والملفات بين واشنطن والرياض، كون الأخيرة حليفًا إستراتيجيًا للأولى في الشرق الأوسط، لكن في الوقت ذاته فإن بقاء ابن سلمان في ولاية العهد سينعكس سلبًا على مستقبل تلك العلاقات.

وزير الخارجية الأمريكي أنتوني بلينكن، حين سئل عن سبب عدم فرض الإدارة الأمريكية عقوبات على ولي العهد، بعد ما ورد في التقرير أجاب: "إدارة الرئيس جو بايدن كانت تتطلع إلى إعادة تقييم العلاقة الأمريكية السعودية بدلًا من تمزيقها"، مضيفًا خلال مؤتمر صحفي له "ما فعلناه من خلال الإجراءات التي اتخذناها هو في الحقيقة ليس قطع العلاقة، لكن إعادة تقويمها، لنكون أكثر انسجامًا مع مصالحنا وقيمنا، وأعتقد أنه يجب علينا أن نفهم أيضًا أن هذا أكبر من أي شخص".

القواعد تتغير

خلال اتصاله بالملك سلمان، أول أمس الخميس، أوضح الرئيس الأمريكي للعاهل السعودي بأن "القواعد تغيرت"، مؤكدًا أن على السلطات السعودية التعامل مع "انتهاكات" حقوق الإنسان، وذلك بعد نشر تقرير الاستخبارات الأمريكية عن مقتل الإعلامي السعودي جمال خاشقجي".

وأضاف بايدن في مقابلة مع قناة "Univision": "سنعلن عن تغييرات مهمة اليوم ويوم الإثنين، سنحاسبهم على انتهاكات حقوق الإنسان، وسنتأكد من أنهم، في الواقع، إذا كانوا يريدون التعامل معنا، فعليهم التعامل مع انتهاكات حقوق الإنسان. نحن نحاول القيام بذلك في جميع أنحاء العالم"، واصفًا ما جاء في التقرير بأنه "أمر شنيع".

أما بلينكن فأوضح أن تقييم المخابرات بشأن مقتل الصحفي السعودي المعارض جمال خاشقجي "يتحدث عن نفسه" مضيفًا أن العقوبات التي اتخذتها واشنطن ضد عدد من مسؤولي المملكة المتورطين - بحسب اعتقاد المخابرات الأمريكية - في جريمة القتل "خطوة مهمة لإعادة ضبط العلاقات الأمريكية السعودية"، مؤكدًا اتخاذ العديد من الخطوات القوية خلال الساعات القادمة لمنع سلوك مماثل من السعودية في المستقبل.

المحلل السياسي الأمريكي دينيس روس، الذي عمل على عدد من المسائل المرتبطة بالشرق الأوسط مع أكثر من إدارة أمريكية، علق على التصعيد الأمريكي الحاليّ ضد الرياض قائلًا: "أعتقد ان إدارة بايدن تريد توضيح أن الآن هو يوم جديد بعد إدارة الرئيس ترامب وأيضًا إرسال رسالة إلى المملكة العربية السعودية بأن العلاقات سيتم إعادة تغييرها".

بين التضحيتين، إما بنجله من على ولاية العرش وإما علاقته بأمريكا، يقبع الملك سلمان في موقف لا يحسد عليه، مع الوضع في الاعتبار حالة الاحتقان داخل الأسرة المالكة جراء سياسة ولي العهد

يذكر أن وزير الخارجية الأمريكية أعلن عما أسماه "حظر خاشقجي" وهي سياسة تفرضها الخارجية لتقييد التأشيرات "على أفراد كانوا يتصرفون باسم حكومة أجنبية ويعتقد أنهم شاركوا بشكل مباشر في أنشطة خطيرة ضد المعارضين خارج الحدود الإقليمية"، فيما أفادت مصادر بأن وزارة الخزانة ستفرض عقوبات على أحمد عسيري النائب السابق لرئيس الاستخبارات العامة السعودية، وستعلن عقوبات على قوة التدخل السريع في الحرس الملكي السعودي.

مأزق حقيقي بات فيه ولي العهد الحالم بخلافة والده، فالمليارات التي أنفقها لترامب بالأمس من أجل حبس هذا التقرير داخل أدراج التجاهل ما عادت تجدي اليوم، في ظل الإصرار الأمريكي على وضع الأمير الشاب في حجمه الحقيقي، وزير للدفاع لا أكثر من ذلك.

العاهل السعودي هو الآخر في مأزق، فالتحديات التي تواجهها بلاده تدفعه لأن يحافظ على علاقاته بالأمريكان، حتى لو سعى بين الحين والآخر لتقوية العلاقات مع خصوم واشنطن في المنطقة، روسيا والصين، لكنهما لن يكونا الحليف المجدي في نزاع الرياض مع طهران كونهما من أشد الداعمين لنظام الملالي.

وبين التضحيتين، إما بنجله من على ولاية العرش وإما علاقته بأمريكا، يقبع الملك سلمان في موقف لا يحسد عليه، مع الوضع في الاعتبار حالة الاحتقان داخل الأسرة المالكة جراء سياسة ولي العهد التي لم يراع فيها أي أوصر دماء أو قرابة، فاعتقل أبناء العمومة وأهان مشايخ القبائل وضرب بمرتكزات بلاده عرض الحائط من أجل تقديم قرابين الولاء والبراء للغرب.

متوقع أن تشن المملكة وحلفاؤها حملة دبلوماسية ممنهجة لدعم ابن سلمان في محاولة لإيصال رسالة للغرب بأن الإطاحة به من كرسي العرش ربما يهدد مصالح أمريكا في المنطقة، رد فعل متوقع، لكنه لن يتجاوز حدوده الضيقة في ظل قلق معظم الأنظمة الحليفة للمملكة على مستقبل العلاقات مع الإدارة الأمريكية الجديدة.

وتبقى مسألة المكاسب التي من الممكن أن تحققها واشنطن من خلال ضغطها على الرياض وإعادة ضبط العلاقات معها هي الفيصل في تحديد مصير ولي العهد، لكن من المستبعد أن تكون المليارات وحدها هي الأداة لوقف تلك الضغوط، كما حدث مع ترامب، وتبقي الأيام القادمة حبلى بالكثير من المفاجآت التي قد تعيد رسم المشهد من جديد.