ترجمة وتحرير نون بوست

مع استمرار الاحتجاجات الطلابية في هونغ كونغ، تقفز ذكريات الربيع الصيني ومظاهرات ميدان تيانانمين في 1989 إلى الذهن، ربما كانت الثورة المجرية في 1956 أقل شهرة، لكنها ليست أقل أهمية إذ بدأت كحراك طلابي، الاحتجاجات الفنزويلية في 2007 بدأت مع مجموعة من الطلاب يطالبون بإصلاحات دستورية، وكذلك احتجاجات باريس عام 1929 التي كانت تناهض دور الكنيسة في التعليم.

بالطبع، كل حركة طلابية محلية هي حركة فريدة من نوعها، فالذي يجري في هونغ كونغ، يتعلق فقط بشئون هونغ كونغ، ولا يمتد حتى لمطالبات واسعة في النظام الصيني، لكن على الرغم من ذلك، تشترك كل الحركات في خصائص تجعلها متجاوزة للحدود؛ ما يجعلها ظاهرة مثالية يمكن من خلالها دراسة الجغرافيا السياسية.

الاحتجاجات الطلابية تكشف الطبقات الاجتماعية والثقافية التي تتحرك تحت سطح الجغرافيا السياسية، تمامًا مثل الأمواج التي تمور تحت سطح المحيط، الجغرافيا البشرية تشكل أساس المجتمع، وبالتالي تشكل الأنظمة التي تحكمه، حتى لو اعتبرنا أن الدولة هي قمة هرم صناعة السياسات على مستوى العالم، فإن هذه التيارات الاجتماعية هي التي تحرك الأجيال والأفكار والتغييرات الثقافية، التي تشكل القيود التي تعمل من خلالها الدولة.

أنماط فهم الجغرافيا البشرية

بداية من تعدد الطوائف العرقية والدينية إلى الانقسامات الاجتماعية والاقتصادية، لا تقل الجغرافيا البشرية أهمية للدولة عن أهمية التضاريس والموارد التي تشكل تلك الدولة، توجد الجغرافيا البشرية في جميع الدول كما هو الحال مع الجغرافيا الطبيعية، ومع مرور الوقت، تظهر أنماط تكشف عن المجتمعات بالنظر إلى تلك الجغرافيا.

الطريقة التي ينتفض بها المحكومون ضد الحكام هي أحد تلك الأنماط، هذه الحركات الاحتجاجية تأخذ أشكالاً مختلفة، من المظاهرات السلمية والإضرابات إلى حركات التمرد العنيفة، ومن بين تلك الأشكال، تبدو الحراكات الطلابية الأكثر إثارة للاهتمام، بسبب الموقع الفريد الذي يحتله الطلاب في المجتمع، فهم غالبًا ما يكونون في طليعة الجيل الذي غالبًا ما يختلف اختلافًا كبيرًا عن أسلافهم، وهو أيضًا الخط الأمامي الذي تتنافس فيه الأيديولوجيات وتتصادم فيه الهويات الثقافية.

كونهم طلاب يعني أنهم منخرطون في الجدالات الفكرية، وكثيرًا ما يكونون قد تبنوا معتقدات سياسية معينة، لكن لكي تكون ناجحة يجب أن تحفز الحركات الطلابية قطاعات أخرى من المجتمع المدني؛ ولذلك فغالبًا ما يكون الطلاب حافزًا جيدًا للتغيير، الطلاب بالفعل يتجمعون في الجامعات، غالبًا في المناطق الحضرية، وهذا ما يُمكّن الحملات الطلابية من التطور إلى مظاهرات وحركات احتجاج أوسع، وسائل الإعلام الاجتماعية جعلت التواصل المادي والتجمع للتنسيق غير ذي أهمية كما كان من قبل، لكن التقارب بين الطلاب في الجامعة لايزال يسهل الكثير من لوجستيات العمل السياسي.

لكن حتى تحت ظل ظروف مثالية، يمكن أن تفشل الحركات الطلابية، بل إن التاريخ يعج بالفشل! في كثير من الأحيان، تميل الانتفاضات الطلابية إلى أن تكون جزءًا من التغيير الاجتماعي والثقافي والسياسي على المدى الطويل، فبعد كل شيء، عندما تختفي الاحتجاجات الطلابية، يمضي الطلاب أنفسهم ليصبحوا جزءًا من جيل أكثر نضجًا، يحتفظ بكثير من قناعته الأيديولوجية.

فكر، على سبيل المثال، في حركة مايو 1968 التي هزت فرنسا وعدة بلدان أخرى في أوروبا، على الرغم من فشلها في تحقيق العديد من أهدافها لأنها احتلت مباني الجامعة في باريس، إلا أن شباب الحراك أصبحوا جزءًا من مجتمع الدراسات العليا، وبعد ذلك قاموا بعملية بعيدة المدى من نشر الأفكار اليسارية لدى التيار السائد في جميع أنحاء أوروبا، والتحريض على التغيير الاجتماعي والثقافي الذي اجتاح القارة العجوز.

عندما تفشل الحركة الطلابية لإحداث تغيير، فإنها - في كثير من الأحيان - تنضم لحركة سياسية قائمة، وتعمل إما كقوة تغيير، أو تسلط الضوء على استمرار الحراك الاجتماعي الجاري، الثورة الفرنسية في يونيو 1832 هي مثال جيد على ذلك، فقد كان مفهوم السيادة الشعبية مهيمنًا منذ إنهاء الثورة الفرنسية للنظام الملكي، لكن عودة النظام الملكي في عام 1814، بعد سقوط نابليون، أجبرت الطلاب على النزول إلى الشوارع فيما كان امتدادًا للاحتجاجات ضد الضغوط الاجتماعية التي هيمنت على فرنسا لأكثر من ثلاثة عقود، هذه الاحتجاجات تم تصويرها بإبداع في ملحمة البؤساء التي كتبها فيكتور هوغو، لكن الرغبات الكامنة للجماهير لاتزال حاضرة، وبلغت ذروتها في 1848، عندما شهد "عام الثورة" الانهيار النهائي للنظام الملكي؛ والذي ولد موجة أوسع من التغيير الاجتماعي في أوروبا.

شهدت الولايات المتحدة من جانبها نشاطًا طلابيًا عميقًا أواخر الستينات وأوائل السبعينات، عندما نظمت الحركة المناهضة للحرب احتجاجات لا تحصى، كان هذا في جوهره تحولاً ديموغرافيًا، وبطبيعة الحال، لم تنه تلك التحركات الحرب في فيتنام، ولم يقنع الطلاب واشنطن أبدًا بإنهاء مشروعها، لكن الحراك يجسد الاتجاهات الفاعلة في ذلك الوقت، وما حدث لاحقًا كان ظهور جيل جديد بأيديولوجية واضحة.

عندما تتوازى الحركات الطلابية مع اضطرابات اجتماعية أوسع، يمكن أن تكون النتائج مأساوية، في عام 1979، غيرت الثورة الإيرانية جذريًا من الهوية السياسية للبلاد، وسهلت من عمل الطلاب الذين اقتحموا السفارة الأمريكية في طهران، أزمة الرهائن التي تلت ذلك وحدت العديد من قطاعات المجتمع الإيراني في دعم الثورة، ولسخرية القدر، فإن هذا الجيل الطلابي كان هو من أخمد حراك الجيل الطلابي اللاحق خلال ما يُعرف باسم الثورة الخضراء في 2009-2010.

حراك المجتمع

حتى قبل الاحتجاجات الحالية في هونغ كونغ، كان للصين تاريخ غني بالنشاط الطلابي المؤثر في المجتمع. في الواقع، كان لتأسيس جمهورية الصين الشعبية ذاتها جذورًا في الحركات الطلابية: ماو تسي تونغ وتشو ان لاي اكتشفا الاشتراكية وبدءا في الانخراط في التنظيم السياسي كقيادات طلابية في أوائل القرن العشرين، وفي عام 1919، بشرت حركة 4 مايو، والتي انبثقت عن المظاهرات الطلابية، بما سيصبح بداية التاريخ المعاصر للصين، حينما انتقدت استجابة بكين لمعاهدة فرساي.

كان الطلاب أيضًا في طليعة الثورة الثقافية عام 1966، وساعدوا في تعزيز شخصية ماو كمواطن صيني ثائر ضد الرأسمالية والثقافة التقليدية، لقد كان السبب الرئيسي في الاحتجاجات الفعلية، التي تحولت لثورة ثقافية، هو اتهام طالب بمعارضة الحزب الشيوعي الصيني، كان الأمر أكبر بكثير من قضية الطالب.

بالنظر إلى تاريخ الصين الطويل، وتاريخ الحركة الطلابية، فإن الاحتجاجات الحالية في هونغ كونغ لن تكون المرة الأخيرة التي تواجه فيها الصين اضطرابات اجتماعية، كدولة الحزب الواحد ذات تنوع جغرافي واجتماعي واقتصادي هائل، واجهت الصين دعوات مستمرة للإصلاح على مر السنين، وسيواجه الحزب الشيوعي المزيد من الضغوط من أجل ذلك، المجتمع الصيني مجتمع متحرك بشكل دائم، فهو يخلق طبقة وسطى مدنية تتسع مع تحسن الاقتصاد، تصاعد التحضر والاستهلاك الفردي كذلك غيّر من مصالح وتوقعات الصينيين، وبينما ارتفع سقف التوقعات، ستزداد الضغوط أيضًا على الحكومة لتلبية تلك المطالب.

ومع ظهور طبقة المستهلكين في المناطق الحضرية الصينية، حدث انفجار حقيقي في عدد الطلاب، وتوسع التعليم العالي على مدار العقد الماضي، أنفقت الصين المزيد من المال على التعليم العالي لخلق قوة عمل متعلمة تلائم الاقتصاد الذي تطمح إليه الصين، لكن خلق المزيد من فرص التعليم يعني خلق المزيد من فرص الاضطرابات الاجتماعية، قدرة هؤلاء الطلاب على العمل بالشكل الذي تريده الحكومة الصينية يعتمد بشكل كبير على أداء الاقتصاد، وإذا تباطأ النمو الاقتصادي، فإن احتمالات الاضطرابات تزداد بشدة.

من الصعب قياس الأثر النهائي للاحتجاجات في هونغ كونغ، لكن مع ذلك، يذكرنا هذا الحراك الطلابي بأسباب الاحتجاج ضد قضايا اجتماعية معينة تستحق الرفض! وبسبب موقع الطلاب في الجغرافيا البشرية؛ سيكون الطلاب في طليعة التغيير طويل الأمد لمجتمعاتهم، حتى لو لم يكونوا هم الأكثر حسمًا في تحقيق ذلك التغيير.

المصدر: ستراتفور